

قيس الدباغ
ما أن تسقط الأنظمة الحاكمة حتى تنتشر ظاهرة السلاح غير المنضبط، وبمختلف أنواعه: الخفيف والمتوسط وحتى الثقيل. ولا نكتم سرًا إذا قلنا إن الأمر بلغ من السوء حدًا وصل إلى سرقة محركات الطائرات والأجهزة الفنية للسلاح الجوي في القواعد العسكرية التي غادرتها القوات المسلحة.
ولربما يتساءل البعض: ماذا تفعل الجماهير غير المنضبطة بمحركات الطائرات؟ في الحقيقة، إن الأحزاب والفصائل التي نشأت بعد سقوط الأنظمة سيطرت على هذه المعدات لبيعها بأسعار زهيدة إلى الدول التي تستخدم نفس الطائرات. وعندما نقول “أسعارًا زهيدة”، فإننا نتحدث عن أرقام تصل إلى نصف مليون دولار فما فوق!
وقد استُخدمت تلك الأموال في تأسيس أحزاب ومنظمات تسعى للوصول إلى مراكز السلطة. ولا يقتصر هذا الأمر على طائفة محددة، بل يشمل كل من وصلت يده إلى السلاح؛ فقد اتبع هذا الأسلوب ونُقلت الأجهزة والمعدات الكبيرة وأُخْفِيت بعناية فائقة، مما يدل على أن من حصلوا عليها يدركون جيدًا قيمتها وفاعليتها وسعرها المرتفع.
أما الجماهير، فقد اتجه قسم منهم – خاصة المجموعات المحترفة – إلى نهب المصارف والبنوك، بينما اكتفى القسم الأكبر بالأثاث المنزلي. وهكذا نشأت منظمات وهيئات ومقاولون ووسطاء لتجارة هذه الأسلحة. ولا يزال العراقيون يحتفظون في ذاكرتهم بقصص وحوادث مروعة عن هذا النهب والسرقة الممنهجة.
والعجيب أن غالبية هذه الحوادث، التي استمرت سنوات، حدثت أمام أعين القوات العسكرية التي أسقطت تلك الأنظمة، بينما هي تتغاضى عما يحدث!
وتكمن المشكلة الحقيقية في تكوين الشخصية المجتمعية، حيث لا تزال مفاهيم الغزو والنهب وقطع الطريق تُعتبر من مظاهر البطولة” في اكتمال شخصية الرجل العراقي. فقبل سنوات، كان المجتمع ينظر إلى الفلاح الذي يزرع الخضروات نظرة دونية، بينما يكرم ويحترم قاطع الطريق، الذي وصفه العالم الكبير علي الوردي بأنه “نهاب وهاب”.
وهكذا تحمل المجتمعات في داخلها بذور نموها وبذور فنائها.



















