نظرة سريعة في مضامين الخطبة العظيمة

883

للسيدة زينب بنت علي عليه السلام بمجلس يزيد

نظرة سريعة في مضامين الخطبة العظيمة

عماد علو

 لم تكن واقعة الطف الخالدة في كربلاء مجرّد حدث عابر في حياة السيدة زينب بنت علي بن ابي طالب  عليها السلام بقدر ما كانت عنواناً ندخل منه إلى العديد من المواقف التي عبّرت من خلالها السيدة زينب عليها السلام  في كربلاء وخطاباتها في المرحلة التي تلتها الأثر الكبير في حفظ الثورة الحسينية وحمايتها وإيصال صوتها إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي الذي استفاق على صوت زينب وهي تحاول إيقاظه من سباته العميق، وأبرز هذه المواقف كانت في أرض كربلاء، ومن ثمّ الكوفة وفي مجلس ابن زياد وفي قصر يزيد بن معاوية في الشام إلى حين رجوعها إلى المدينة.

السيدة زينب عليها السلام  كانت بطلة المعركة في مجلس يزيد، تقف أمام طغيانه بكل صلابة، وتكلمه بمنتهى الشجاعة، لأنها ترى الواقع الثابت عند الله، ولأجل ذلك نرى أنها تفرغ عن منطق أبيها الذي هو نفس المصطفى الحبيب، فتجعل الشام وقصرها الأموي امتداداً لساحة الطف وثورة سيد الشهداء، وتجسيداً نموذجيا لقيمها الكريمة وأهدافها السامية.

خطبة السيدة زينب

عليها السلام  :

وهي الوثيقة المحمدية العلوية الفاطمية والحسنية الحسينية التي اتخذت موقعها في سياق خطبة المصطفى الحبيب يوم الغدير، وخطبة أمها الصديقة الكبرى الشهيدة في المسجد النبوي، وخطبة أبيها أمير المؤمنين المعروفة بـ “الشقشقية”، لتشكل هذه الخطب جميعاً الوثائق الأبرز لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وقد ألقت عليها السلام هذه الخطبة (كما نقلها ابن طيفور ت: 280ه ) مخاطبة يزيد قائلة” له: “يا يزيد أما تخاف الله ورسوله من قتل الحسين عليه السلام؟ وما كفاك ذلك حتى تستجلب بنات رسول الله صلى الله عليه وآله من العراق إلى الشام! وما كفاك حتى تسوقنا إليك كما تُساق الإماء على المطايا بغير وطاء! وما قتل أخي الحسين عليه السلام أحد غيرك يا يزيد، ولولا أمرك ما يقدر ابن مرجانة أن يقتله، لأنه كان أقلّ عدداً وأذل نفساً، أما خشيت من الله بقتله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيه وفي أخيه: “الحسن والحسين سيدا أهل الجنة من الخلق أجمعين”؟ فإن قلتَ لا فقد كذبتَ، وإن قلتَ نعم فقد خصمت نفسك واعترفت بسوء فعلك..”.

فقال يزيد بن معاوية يتمثّل بأبيات من الشعر لابن الزبعري وفيها:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا لأهلّوا واستهلوا فرحاً

جزع الخزرج من وقع الأسل ثم قالوا يا يزيد لا تشل

سمعت العقيلة زينب يزيد بن معاوية يتمثّل بتلك الأبيات من الشعر لابن الزبعري فكان جوابها عليها السلام:

الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على رسوله وآله أجمعين صدق سبحانه حيث يقول:

“(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بآيات اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)” (سورة الروم، الآية: 10)، أظننت يا يزيد حين أُخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة!! وأن هذا لعظيم خطرك فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، جذلان فرحاً حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والأمور متسقة عليك، وقد أمهلت ونفّست وهو قول الله تبارك وتعالى: “(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين)”( سورة ال عمران، الآية: 178) ، أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك نساءك وإماءك وسوقك بنات رسول اللهم صلى الله عليه واله قد هتكت ستورهن وأصلحت أصواتهن مكتئبات تحدي بهنّ الأباعر ويحدو بهن الأعادي من بلدٍ إلى بلدٍ، لا يراقبن ولا يؤوين، يتشوفهنّ القريب والبعيد، ليس معهن وليّ من رجالهن، وكيف يستطبأ في بغضنا من نظر إلينا بالشنف والشنان والإحن والأضغان، أتقول: “ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا” غير متأثم ولا مستعظم وأنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟ ولمَ لا تكون كذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشافة بإهراقك دماء ذرية رسول الله صلى الله عليه واله ونجوم الأرض من ال عبد المطلب، ولتردن على الله وشيكاً موردهم ولتودن أنك عميت وبكمت، وأنك لم تقل: “لأهلوا وأستهلوا فرحاً”. اللهم خذ بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا، والله ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك، وسترد على رسول الله صلى الله عليه واله برغمك وعترته ولحمته في حظيرة القدس، يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث، وهو قول الله تبارك وتعالى: “(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)”( سورة ال عمران، الآية: 169)، وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب المؤمنين إذا كان الحكم الله والخصم محمد صلى الله عليه واله وجوارحك شاهدة عليك، فبئس للظالمين بدلاً، أيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً، مع أني والله يا عدوّ الله وابن عدوه أستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، غير أن العيون عبرى والصدور حرّى وما يجري ذلك أو يغني عنّا، وقد قُتل الحسين عليه السلام، وحزب الشيطان يقربنا إلى حزب السفهاء ليعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، وهذا الأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفلوات، فلئن اتخذتنا مغنماً لتتخذن مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ ابن مرجانة ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان، وقد وجدت أفضل زاد زوّدك معاوية قتلك ذرية محمد صلى الله عليه واله، فوالله ما اتقيتُ غير الله ولا شكواي إلا إلى الله، فكِدْ كيدك واسْعَ سعيك، وناصِبْ جهدك، فوالله لا يرحض عنك عار ما أتيت إلينا أبداً، والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبّان الجنان، فأوجب لهم الجنة، أسأل الله أن يرفع لهم الدرجات وأن يوجب لهم المزيد من فضله، فإنه ولي قدير”.فكان هذا الخطاب كالصاعقة على رأس يزيد، واستبدت به الحيرة، فلم يدر ما يقول فما كان منه إلا أن تمثّل بقول شاعرٍ. فقال:

   يا صيحة تحمد من صوائح

  ما أهون النوح على النوائح

ولا توجد لأدنى مناسبة بين ما سمعه الطاغية، من الصواعق التي انقضت عليه وعلى بني أمية مذكرة بكل كلمة منها بضربة من ضربات ذي الفقار بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله وبين ما تمثل به من الشعر الذي أعلن فيه أن الصيحة تحمد من الصوائح! وأن النوح يهون على النائحات! إنها محاولة الأبكم الفاشلة للتستر بالتشفي.

أهم مضامين الخطبة العظيمة

ركزت السيدة زينب عليها السلام في خطبتها العظيمة على ثلاثة أمور رئيسية ارادت ايصالها الى الامة الاسلامية وتتعلق بشكل مباشر بالجريمة التي ارتكبها يزيد في واقعة الطف بكربلاء وكان أولها واهمها الإنتساب إلى رسول الله صلى الله عليه واله. وثانيها ابات حقيقة تحميل مسؤولية قتل الإمام الحسين عليه الســــــــــــلام ليزيد لتبطل كل محاولة للتبرؤ من ذلك.

وثالث المحاور ركزت فيه على إثبات أن يزيد لا علاقة له بالإسلام من قريب ولا من بعيد. لتبري المسلمين من تهمة وجريمة قتل ابن بنت نبيهــــــم الحسين عليه السلام .

حرصا” منها على الاسلام ووحدة المسلمين .

وعندما نتابع مجريات الأحداث بعد مواقف وكلمات السيدة زينب عليها السلام نكتشف مدى الصدى الواسع الذي ألقته في ذلك المجتمع المهزوم حيث تحوَّل ذلك إلى مجتمع ملتهب ضدّ الحكّام الظالمين المتمثّلين ببني أميّة. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار الحالة التي كانت عليها، والمصيبة التي حلّت بها وبالهاشميات من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهي التي شاركت الإمام الحسين عليه السلام في مصائبه، وانفردت عنه بالمصائب التي رأتها بعد شهادته والنهب والسلب والضرب وحرقِ الخيام والأسر.

مشاركة