نظام الفكر السومري يوظف الفن ذا البعدين

نظام الفكر السومري يوظف الفن ذا البعدين

تزاوج العقل والخيال في جمالية الرؤى

 قاسم المعمار

في ضوء دائرة الوعي والقصدية الكامنة في المنهجية النقدية التحليلية للابداعات التشكيلية السومرية نكشف عن بينة اسلوبية بصدد دائرة عمل البينة التي تعقد الصلة بين حركة الدوالِ وجماليتها بوصفها لمحة فلسفية حضارية . وبين عمق المرجعيات الفكرية وما هي كمدلولات مشوبة بنوع من القلق الميتافيزيقي .. وذلك ان للشعب السومري فرديته الجماعية الخاصة ومثل الفردية الجماعية كمثل الفردية المبدعة اذ تترك طابعها المميز كما هي بذاتها. ان للأعمال الفنية جذوراً حضارية ودلالات جمعية وبمعقولية تبحث في شكلانية المضمون لبنائية المنجزات التشكيلية السومرية .

قد تكتشف انها مجردة من وجودها المادي باعتبارها قوة رمزية ودلالات فكرية فقد ابدعت لتعمل خارج حدودها المادية محولة اياها الى نظام علاماتي يتخذ شكلا عقلانيا وهذا هو الطرف الأول من المعادلة اما طرفها الاخر فهو ان الذائقة المعاصرة تتجه لهذه الابداعات الشكلية على انها محض قيم شكلية خالصة لما يميزها من مظاهر تجريدية ذلك ان التجريد يطال سمات الهيئة … وتبرز اهمية البحث في تقصي مرجعيات ومحدودات وماهية نظام الاشكال البشرية السومرية ..

إزاء ما تقدم يرسم لنا الشيخ الباحث مظهر الشمري اهداف واتجاهات هذه السروية عبر دراسته الموسومة بـ (نظام الفكر السومري في الفن ذي البعدين ) بالصيغة البلاغية لكشف آفات الصورة البشرية للإبداع السومري في الفن .

بناة الفكر السومري

لقد جسد شعب اوجد نظام الكتابة الايقونية ثم اختزلها الى رموز معرفية واوصلها الى نظامها الصوتي المقطعي حيث ترتبط ببنائية الصوت كبنائية دال بقيم معرفية ذهنية في تركيب مفردات الحضارة كقيمة مدلول … فكر اوجد نظام السلم الموسيقي واحتفل بتعظيم الاله في اولى  مراحل المثالية الميتافيزيقية انسانية الفكر السومري وضعت الانسان كأعظم قيمة في الوجود حين دون اعظم شريعة جاءت لتخلص الضعيف من القوي ولن تدع احدا ينام وهو جائع . هذا الإبداع الفكري الاصيل والكشف الابداعي بشكل في بنائية الفكر السومري بأعتباره تعبيراً جاداً عن الزمان والمكان وهو صورة لروح المجتمع وثقافته فانبعثت شرارة الوعي كإنعكاس لهذه الفعالية يفعل ادراك فكري أي بنية اجتماعية روحية ويعد عامل البيئة الطبيعية واحدة من اهم محركات الفكر السومري في بنائية .

ويستطرد الباحث بالقول .. وقد تنقلنا هذه الطقوس والشعائر السحرية التي شغلت جزء من بنائية الفكر السومري الى فكرة ان الصلة بالعالم المنظور غير كافية لإنجاح الطقوس بل يجب اضافة محسوس من العالم الروحي . مشيرا الى ان الوجود في بنائية الفكر السومري ينتمي الى واقع والى مافوق الواقع الى عالم ظاهري محسوس ومعاش وعالم ارواح وقوى غيبية غير منظورة. قوى فعالة الا انها مكتنفة بالأسرار ولعل الانفصال والترقب هو الاحساس في الولاء والطقوس الدينية المقدمة اليها.. وقد عمل الفكر على تقارب تلك الحقيقتين العادية ولا  مادية ثم بدأ المعتقد الديني وقد امتلك كل حيز الفكر الاجتماعي كحقيقة تفرض ذاتها على العقول ولها صفة الفضيلة الا مرة . فلقد اصبح معبد الإله كيانا مقدساً مما يؤكد فخامة الطقوس الدينية الجماعية وامتلك كل حيز الفكر الاجتماعي وهذا المحرك الثاني في بنائية الفكر السومري وتكمن ركيزة الفكر الثالثة في بينة النظم الاجتماعية ودور الفن الاجتماعي في (سوسيولوجيا الفن) ان إنسان سومر قد اعتبر الفن على قدر الأهمية وقد بلغ حداً صار نشاطاً اجتماعياً مما اوجد أُناس سومر وجودهم بالعمل الجماعي والتعاون الواسع المشترك ز وبذلك نشأت حالة الذاتية الجمعية فكانت فضيلة الفن ان يحرك الفكر الانساني في مجموعته وعياً وادراكاً ان السمة الرمزية هي اهم ما يميز الاسلوبية في الفكر السومري . مؤكد ان الفكر السومري تمكن من تصنيف نظم القوى والاشياء والظواهر وادراك ما بينها من العلاقات وتحولت هذه المدركات الى رموز ومفاهيم كنظام اللغة والتشكيل والاسطورة والملحمة الى صورة معبرة لذلك الشيء بنظام التقابل .

صورة رمزية

ويمضي باحثنا في سرديته التفصيلة بالقول هذه الصورة الرمزية كانت تحاط بضروب التكريم والتعظيم … ان دراسة التحليلية التركيبية للمنجز التشكيلي السومري تظهر ان النشاط التشكيلي على مر التاريخ تركيب واع يسيطر فيه على الفنان لإعادة وتنظيم نظم المكونات على وفق انساق محدودة في بنيته الذهنية القائمة على مرجعيات معرفية ترتبط بنائية الفكر كماً وكيفاً فالوعي والقصيدة والخبرة الجمالية في الية عمل الصورة الذهنية للفنان السومري كانت تنطلق مما هو ذاتي واجتماعي وروحي ويظهر نظام الشكل السومري على سطح ذا البعدين في الالواح النذرية والمسلات . ان نظام العلاقات البنائية بين مختلف جوانب الصورة أي بين الحس والعقل وبين المعرفة والابداع توجب الانتقال الى عالم الرموز لتكوين وحدة اسلوبية ترتفع بالدلالات فوق الظاهرات الطبيعية المنفردة . سعى الفكر السومري الى توسيع نظام العلاقة الرامزة والكامنة في بنائية العلاقة بين الدال والمدلول . ذلك ان النحات كان يحرر الشكل الانساني من حالة البشرية وتمظهره بمسحة الهية .ونظام الصور الاكثر دقة في سمات الاشكال البشرية السومرية في الفن ذي البعدين والتي استمرت حتى الفترات التاريخية اللاحقة موردا تعديلات (هربرت ريد) بقوله ان الفنان كان يمثل اكثر الجوانب تعبيراً في كل عنصر من عناصر الشكل بينما يرى (ارنولد هاوزر) ان سبب ذلك يعود الى (ان الفنان كان يمثل ما يعرفه او يفهمه عن الأشياء بدلاً من تمثيله الاشكال كما تراها العين المباشرة).ان فحصا تحليلاً تركيبياً لنظام الشكل سيجد ان هذه التكعيبية البيكاسونية المبكرة التي تلتقي من نظم الاشكال في الفنون البدائية تقوم على الادراك الذهني لمواصفات الشكل بالشكل الذي بدت فيه للفكر وبالصورة الاكثر تعبيراً .. هذا ما جاء في تعقيب الاستاذ الباحث الشمري الذي اوعز الى مظاهر الاختزال والتبسيط التي تميز مثل هذه التركيبات او التأليفات الشكلانية مردها الى ان الوعي والقصدية في الية عمل الصورة الذهنية للفنان لم تكن خوضاً في تفاصيل الاشكال المرئية بل ترجمة للمعنى ونقلاً للفهم . مشيراً الى التفاعل الحيوي بين الشيء وجوهره والدال والمدلول وهكذا يكون العمل الفني الوسيط مابين التمظهرات الطبيعية وعالم الموجودات الروحية .وقد افرزت نتاج هذه الدراسة البحثية العلمية المفعمة بالتأطير الفلسفي والمفاهيم الاجتماعية للسردية مايلي:- ان البنية الثقافية السومرية تقوم على المعتقدات والرؤى الخيالية الأسطورية الملحمية والمرجعيات البيئية والنظم الفكرية الاجتماعية.انه نظام يحرز العلاقة بين الدال والمدلول .انه نظام الصورة الذي يلتقي فيها البشر بمثالية الشرق التي تمثل المسحة الإلهية وهي نوعاً من الاستعاظات الرمزية .ان الفكر السومري كان يجد في نظام الشكل نوعاً من القيم والمعتقدات لها صفة الثبات والديمومة بدلاً من عالم الظواهر الحياتية المتغير .في يقيني الذاتي ان هكذا موضوعات تكتب او تطرح كمحاضرات لها قيمتها الفكرية لاصالة جذور احد روافد حضارتنا الانسانية لها شأن كبير وانطباع ايجابي لدى المعنيين والمثقفين (النخبة) تستجيب لها أذان الإشباع علمياً وطبياً ان الاستظهار التاريخي يعيد الخلايا الدماغ نشاطه وحيويته التخزينية والاسترجاعية الذاكرية … فلقد امتدت على ساحة الدولة السومرية جنوبي عراقنا الحبيب وفي ظل قوة ورفعة سنوات حكم ساستها الذين عرفناهم وهم بناة مجد خالد التاريخ لهم مآثر شعوبهم في الآداب والفنون والعلوم وهذا ما حرص على استبيانه وتقديمه الباحث باقتران الجوانب الانسانية والروحية والفلسفية في التعليل والاستنتاج والحصيلة التقييمية لذلك الخيال الفني الرحب والخصب لبناء الرؤى الجمالية السليمة.لقد حرصت ان اكتب عن هذا الموضوع الذي فيه شيء من الشرح والمطاولة والبحث كونه يمثل جزءاً مضافاً لحضارة وادي الرافدين في الدولة السومرية واقترانها بما حفلت به حضارات البابليين  والاكديين والآشوريين وغيرهم ممن اسهموا في عطاءاتهم الثرّة  في مختلف مجالات الحياة العامة وكانوا تراثاً خصباً لنا وللمستشرقين الاجانب ودلالات أكيدة على سعة وعمق النمو والوعي والاستلهام ويبقى العراق بلد الحضارات الخالدة .. قد المس وبمحسوسية تلك النبوغ الثقافي والمعرفي لشخصية الاستاذ الشمري المتشبع مطالعة وحفظاً لكنوز المعارف الروحية السماوية في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم واحكامه التشريعية والفقهية وطليعاً في فقه الحديث النبوي الشريف وآداب اللغة العربية في القواعد والصرف والأدب المقارن والبلاغة والنقد . له العديد من المخطوطات محققاً لما ابدعته أنامل وعقول أُدبائنا العرب في علوم الاجــــــتماع والنفس والفلسفة واللغة والشريعة الاسلامية .

ومن جيد الصدف الجميلة ان يكون لقاؤنا الثنائي مكملا بشخصية الاستاذ الفاضل مهيب هشام الزيدي ماجستير علوم اسلامية لتكون محطتنا المعرفية آفاق ما يصدر ويذاع في اطار نقاشي منهـجي مفيد.