نصيحة ..  في زمن أغبر – حسين الذكر

345

نصيحة ..  في زمن أغبر – حسين الذكر

.. ( علمني الفراق ازعل واحن واشتاق .. لو ابقى طول العمر .. ما القى مثل عراقنا عراق ) .. هكذا سمعت ، صوت سعدون جابر ينبش الضمائر ويجهش الدموع في ساحة الميدان في اغنية ثمانيية ما زالت تنبض عراقا مكتنز الاعراق .. بمعزل عما حدث ويحدث في المجتمع من تغيرات هجينة، تتكدس تتزاحم فيها الناس والانتيكات والتراث والذكريات . ثم مررنا  بالمتنبي وقاعة شناشيل التي تنوء بوجع خالد السامرائي وهو ينحب كل صباح جمعة مقامات الاستغاثة لكل اصيل ، ثم مشينا فوق دجلة نستطلع وجوم اجندات شح المياه التي كذبتها زخات المطر ، ثم توجهت الى عملي بين ساحتي الفردوس وكهرمانة ،حيث هناك رمزية كبيرة للشوارع المهمة كأنها هوية الوطن . مما جعلها تحت سيطرة الدولة ومعاينتها المباشرة للحفاظ على تلك الرمزية من العابثين .

بعد جولة عذبة برغم مرارة الأجواء ، شعرت بدوار راس ، اضطرني  الجلوس على مقعد وجدته بمنتصف الرصيف قرب  (بسطية شاي) ، فطلبت قدحا محتسيا رشفات دفء عراقي عصي النسيان ، برنة ملعقة بغدادية شهيرة  ، ثم تساءلت بنفسي . كيف نصبت هذه البسطية ، هنا وكيف سمحت الدولة ان يحدث مثل هذا الخرق الحضاري؟

فيما كنت اجتهد البحث لتبرير ما ، سلم علينا رجل يرتدي الدشداشة ويحمل عصا يهش بها على عشرة اغنام  – تقريبا – تركها تدوس العشب وتاكل الزهور وتخدش ضمير الاحياء وتنهش قلب العاصمة دون أي اكتراث .. تحت انظار المارة والمسؤولين ممن يصيح الناس من منبهات سيارتهم ومواكبهم . عند ذاك لم اعد ابحث عن اجابة ، بعد ان تكدست المشاهد المحزنة حد الدهشة والبكاء. فوجهت سؤالي لصاحب الاغنام مستفسرا ؟ كيف وصلت اغنامك هنا ، هذا المكان ليس للرعي ويفترض هنالك جهات مختصة تمنعك ، فرد بقسوة : (انت من ، وما عليك ، ومن يمنعني ، اكبر راس اشق حلقه ، ادوس راسه) . فتعجبت وبقية الحضور من الجهل والاستهتار بالممتلكات العامة.

بعد ذاك قلت له ، طيب ممكن احكي لك قصة مع غرابتها في منطقنا لكنها طبيعية في بلدان الخارج . بعد رفض وتعنت وتدخل من الاخرين وافق ، باستهزاء : (هات الدرة الي عندك) !! ، فقلت له : (كنت مرافقا صحفيا مع وفد منتخبنا للمصارعة في سنوات خلت، بتركيا التي كانت تعيش مؤسساتها عطلة رسمية أغلقت فيها الملاعب ، مما اضطر لاعبونا الأربعة الهرولة باحدى الحدائق العامة لنصف ساعة حفاظا على الوزن، فلم تمر الا دقائق معدودة ، واذا برجال كبار السن جدا ، هبوا علينا واخذوا يصيحون ويزبدون ويربدون … وربما يسبون بلغتهم ، فتم الاستعانة بمن يجيد لغتهم للتفاهم ، فقالوا : (هذه الحديقة عامة وجدت لراحة الناس ، لا يجوز لكم ازعاجهم ، كما ان احذيتكم تضر العشب وتشوه المنظر وتتلف الحدائق ، ولن نسمح لكم العبث والتخريب المتعمد للممتلكات العامة) . بعد ان أكملت كلماتي التي نبشت قلبي حزنا وبكاء  على امة ، تمتلك الكثير من مقومات النور لكنها تفضل العيش بالظلام ، التفت الي صاحب الاغنام ، قائلا : (وين الرباط ، ما فهمت ، اسكت احسن لك ، هذا بلدنا واني حر فيه ، والي يحكي احرق امه وابوه) .

بغداد

مشاركة