نصيحة بيكاسو: إن لم تكن فناناً فلا تهرّج – حسين الذكر

نصيحة بيكاسو: إن لم تكن فناناً فلا تهرّج – حسين الذكر

ليس تمجيدا باوربا عامة واليونان خاصة ، لكن مخرجات التاريخ المسموع والمتداول منه عن الحضارات العالمية سيما محطة اثنيا وتوابعها وما ارتبط بها وامتد عنها … تستوقفنا كثيرا سيما في الجانب العملي مما تعنيه الحضارة كفلسفة وعلم وعمران وفن وبيئة ما زالت تنبيء عن نفسها وتتجلى مظاهر بناتها ..  فقد وقف مثقفوا اثينا في المسرح قبل الميلاد احتجاجا حينما قال احد الممثلين : (يا الله .. ان كان هناك ثمة الله ) !! بوقفة دلت على  ايمان فطري وردت فعل واعية لما ينبغي ان يسوقه الفن والفكرة الراجعة التي توحي بالكثير مما بلغه الاوربيون لاحقا  .. بل وتربعوا عليه حتى اليوم !

( أن نقول هناك عمل فني جيد ولكن لا يفهمه عامة الناس كأننا نقول أن هناك أكل جيد جداً لكن معظم الناس لا يستطيعون أكله ) ..!!  هذا توصيف متخصص لما ينبغي ان يكون عليه الفن باداء رسالته اتجاه المجتمع كحاجة ضرورية ملحة ، اذا ما اضفنا اليه بديهية سقراط التي ذهب من خلالها الى ان المتحدث بما ليس باهله ومكانه كمن يضع مائدة غذاء لذيذ على عتبة قبر ما .. سنهتدي الى قيمة لا ترفية فيها ، اذ ان الرسائل الفنية ليست تهجريج بقدر ما هي عليه من رسالة يجب ان تعمم وتصل وتشاع كثقافة عامة تسير بهدى لتطوير الوعي المجتمعي العام .  لم يعد الفن عامة وما يذهب بتفسير المراد من خلال فنون التمثيل مسرحا او تلفازا او اذاعة او اي جناس آخر .. لاغراض توظيف ادوات تستلهم سبل العيش وقضاء الوقت والتسلية منها  .. اذ لا يمكن ان  تقاس قيمة الفن بقدر ما يجلبه من الضحك –  ذقنيا كان او منبريا – فالتمثيل منذ الاف السنين فن انساني سام يحمل رسالة حضارية ينبغي على الدولة ان تتولى رعايته والتخطيط اليه وقيادته لاهداف عليا من قبيل تربية وتعليم المجتمع عبر  اجهزتها المختصة  من خلال وضع الملف برمته بين كفي الاختصاص كامانة لا يمكن الاسراف بها او الابتذال في طرحها وتهميش التعاطي من خلالها ..  ان الفن سيما التمثيلي منه هوية ورسالة في ذات الوقت بما يستحق فعلا ان يكن من اوليات تبلغ قداسة التعبير فضلا عن حداثة معطياته ومتبنياته ومخرجاته التي لا يمكن للتهريج والتطبيل والتزييف ان يكون بديل عنه .. ان الفن قضية تطرح باساليب متعددة تسعى جميعا لهدف محدد مباشرا كان او بغيره كما يلجا الى الترميز كضرورة ملحة احكامها احيانا: (كثرة الإيضاح تُفسد روعة الفن) . فقد ذهب احدهم ابعد من ذلك كاشف فضح الاساليب غير الفنية المستترة خلف التهريج : (الفن الجيد ليس ما يبدو في ظاهره، بل ما يفعله في حياتنا) . لذا فان ما يطرح عبر وسائل وميدان الفن لا ينبغي ان يكون مجرد تطبيل لاستعراض مفردات رقصية لا تتعدى حدود الامية والاسترازق المتدني  .. ان رسالة الفن الهادف التي يحمل امانتها الممثل تعمل وتتمخض في قلب المتلقي المجتمعي حينما تبدا يد الممثل وراسه وقلبه تعمل معاً لنتاج ما يصلح ان يكون هوية وطنية فضلا عما تحمله من ابعاد انسانية.. الاستاذ عباس النوري المقدم والممثل السوري المعروف استضاف باحدى حلقات برنامج (منكم واليكم) الفنان العربي المصري الراحل  سيد زيان الذي وقف على عتبة البرنامج الذي هو عبارة عن مسرح مباشر مع الجمهور تختبر فيه قدرات وامكانية الفنان وما يحمله ويقدر على ايصاله .. وقد تالق زيان في الرد على اسئلة كثيرة من قبيل ان فؤاد المهندس هو مؤسس الكوميديا الحديثة في مصر وكذا الوطن العربي وقد علمه ان الضحك ليس من اجل الضحك وادخال السرور للمشاهد بل لتربية وتعليم المجتمع .. مضيفا : ( ليس مهم ان تكن فنان مشهورا فالشهرة يمكن لها ان تات لاحقا مع المعطيات والنتاج الفني الفارض لنفسه .. فالفنان حسن عابدين عمل خمسين سنة لم يبلغ شهرته الا اواخر ايام عمره التي تربع فيها على عرش الفن العربي .. ) .. وقد اوصى – رحمه الله – الممثلين الشباب بالتاني والتعلم والحرص على اداء الامانة الفنية قبل البحث عن المصالح الشخصية التي يعد التسلق من اخطر امراضها لغرض شهرة مصطنعة سريعة ستفضح باقرب فرصة …

  اخيرا قال الفلاسفة : ( كل فن يحمل نوراً إلى الآخر. فالفن إذن يجب أن يكون للجميع، الجاهل والمتعلم على السواء) .

  اختم باجمل ما قاله الفنان الثائر  بيكاسو : ( إن الفن الراقي يقيم معبدًا للجمال في القلب) .

مشاركة