نصوص لصور مائية من فيض البصرة

أصفى من البياض شعراً

نصوص لصور مائية من فيض البصرة

 سمير الخليل

قصيدة النثر، نص أدبي مكثف تغلب فيه الروح الشعرية والرشاقة الجمالية والعمق الدلالي والتكثيف الجمالي وسعة في الخيال وايقاع داخلي في التراكيب، يمتلك شرعيته من التطورات الفاعلة في حراك قصيدة التفعيلة (الشعر الحر)… مما ينتج علاقة بين الريادة الشعرية العراقية للشعر الحديث وبين قصيدة النثر. بسبب اتصالية التراكم المتطور (ديالكتيكا) فقصيدة السياب ونازك ولدت من خبرتهما بالموروث ووعيها الشعري بضرورة التجاوز وبين الحين والآخر ستفعل هذه الاتصالية بين (التراكم/ التجاوز) في حركة البنى الاجتماعية.

من رحم هذه العلاقة ولد ديوان (اصفى من البياض) للشاعر عبد السادة البصري الذي تضمن عدداً من قصائد النثر التي كتبها في فترات زمنية مختلفة، وعلى الرغم من سواد الحزن ألوان صوره الشعرية وتجواله في التضاريس، والأمكنة بملامح بصرية خالصة. غير أن الصفاء والبياض يأتيان كل حين ولا يفارقان الأمل.

الزمن والمكان بأحداثه وأشكاله وتمثلاته طافحة على نصوص الشاعر الثمانيني ذلك الجيل الذي سرقته الحروب وغيبته السجون والغربة، جيل مهووس بالقلق ومعجون بالحرب المدمرة التي يعاني منها لغاية الآن والشعراء البصريون هم أول النازحين في الحروب العراقية. وهو من مواليد الفاو المدينة الساحلية التي غادرها وعمره 19 عاماً فحمل معه روح المكان. ولكن هذا الجيل المهموم بالحروب والوطن ما زال يصنع الجمال ويكتب الأغاني ويقول لنا أن هناك حباً ووطناً.

الشعراء البصريون بعامة، وصاحب الديوان بخاصة، استثمروا كل ما يحيط بهم من أجل أن يكون النص جمالياً ومنتجاً وعبقاً بعطر مدينتهم، فالشعر البصري جميل وأنيق وغير منمق بشكليات زائفة. شعراء البصرة أنتجتهم الأمكنة والأزمنة والواقع والحياة الثقافية.

نصوص الديوان تمثل النزعة الحداثية العراقية البصرية خاصة والعربية عامة، حداثة شعرية عراقية منبثقة من وعي ثقافي واجتماعي شامل… اختار الشاعر لقصائده عنوانات مزدوجة الوظيفة فجاءت كنقش بصري على ألواح رسم فيها الشاعر هويته وفصوله فيها.

(المراكب)، (البحر)، (الخيالات)، (السفر)، (الأرصفة)، (القمر)، (الغيوم)، (النوارس)… موضوعات التقطها عبد السادة البصري ليجعلها وصفاً لشخص انتهى به المطاف ليدل المتكلم عن نفسه، وأن هذه التركيبة تنم عن قوة الذات الشاعرة ومدى مخيلة البصري في تركيب الصور الشعرية المتنوعة، فضلاً عن السرد الشعري مع لون من الحزن العميق مما يدل على المفارقة التي يشاكس بها في كثير من الأحيان ثريا نصه (أصفى من البياض).

حمل العنوان رمزاً بناه بصيغة التفضيل المعروفة (أصفى) دالة على أن ثمة مفضلاً محذوفاً، ومن الممكن تأويله بـ (قلبي أو روحي أو حياتي أو نحن البصرين أصفى من البياض) حسب فهم القارئ؛ ولكن لأن الصفاء منبع الروح فهي المقصودة والمفضل منه البياض لذلك فإن روح الشاعر هي التي تتصف بالبياض والنقاء الإنساني، يقول:

الآخرون أفردتُ لهم صفحةً في القلب

للروح بياضاً

لازمني وهمي ملازمة الروح للجسد  ص(65)

والعنوان الذي يعد مفتاح العمل نجد أن البصري قد رسم له صوراً جعل المتلقي في تساؤل حول ما يريد الشاعر أن يقول وقد يكون العنوان نصاً مستقلاً في ذاته فكل شيء ممكن بمشروع قصيدة النثر الحداثوية.

الشاعر عبد السادة البصري ابن بيئته لذلك فإن ابن البصرة توشحت قصائده بالماء والبحر والمطر والشواطئ والعطش والخير والارتواء والشمس والأفق والسياب… وكان ذلك بادياً من عنوانات قصائده ((على أنغام المطر يراقصهم الدخان، بميسمه وشمهم البحر، أهدأ أيها البحر، غيوم، سر الماء، ظمأ الماء…)) هذه العلاقة التجذرية لانتماء الشاعر المائي جاءت اختياراً لا اجباراً لذلك فإنه يفتح النص على فضاء واسع باتساع الأفق فوق البحر، وعميق بعمق التراث مما ادى الى توظيف الصور المائية باشكال مختلفة. كمغازلة الشمس وترك القمصان على رياح الشواطئ فالشاعر لم يفصح عن دواخله بطريقة مباشرة؛ بل بانفتاحه على بيئته التي اشتغل عليها بالترميز كي يخلق علاقة مفتوحة بفضاء واسع بين النص والمتلقي. ونلاحظ بأن كل نص عنده يعكس تجربة خاصة به:

البحر الذي ظل جسدي مدى الحياة

نهباً للأمواج

ذلك الواقع الذي أحياه

على الشواطئ

تركوا حفنة من حنين

البحر يغازلهم حيناً

وحيناً يثور ص(14)

استخدام صيغ الجموع نتيجة لمعاناة شديدة أدت إلى أن اصبح البكاء عنده موغلاً متسعاً عن بكاء البشر (الصبايا، الناس) إلى بكاء الجماد والحيوان:

هل للأقمار مسار آخر؟

هل للصبح مجيئ آخر؟

أنا وأنت نورسان ص(53)

جاءت الشمس عند الشاعر بعلاقة مفارقة، ارتبطت فكرياً وشعورياً بالماء في توظيف صورة المعنى العقلي (اليأس) من خلال التجربة الجمعية لمصير الأحلام على هذه الأرض/ فالأحلام يتكالب عليها (الأكل/ الشواء) رؤية كونية عميقة في اختيار الشمس آكله الأحلام تعبيراً عن مائية هذه الأحلام التي بخرتها اشعة الشمس الحارقة. فقلب الدلالة من معنى الشمس الدالة على النور والحياة إلى الفناء التدريجي:

نحن الذين أكلت الشمس أحلامنا

وشوتنا الأقاويل على موقد الشبهات

تركنا قمصاننا للريح وارتدينا العراء

المسوخ التي ألبست اسماءنا الأسمال

لم تنل من شقاوتنا

الأضابير التي علبتنا احتملت الرفوف

فضاقت الدروب

عبأتنا الأماني صفائح الوهم

فغازلت الشواطي اعيننا

وملأت السواقي بانتظاراتنا المؤجلة ص(29)

أما المفارقة الأخرى ففي قصيدة (على البعد تكمن الرؤيا). قام الشاعر بانزال القمر على الأرض ليحتضن الأرصفة فالتجوال على الارصفة لانسان وحيد ومتعب نفسيا لا مأوى لعواطفه سوى القمر، فينزل القمر ويشارك المتعبين أحلامهم:

القمر صافح الأرصفة

فصار واحداً منا  ص(43)

في نصه (ذلك هو أنا) تبرز جدلية الاغتراب التي كان يوحي بها العنوان والذي ينقلنا من الداخل (انا) إلى الخارج. وكأنه يوحد نفسه مع العالم ثم يفصلها عنه لسبب بسيط (انه لديه حلم):

الراكب خيالاته دوماً

ذلك الواقف

عند حافة السفح

متأملاً الوادي

لعينيه بريق

ولأذنيه صدى

على اصابعه ترقص العصافير

وقلبه يغيض حنيناً

ذلك هو أنا

الباحث عن مكان ص(79)

في نصه (ببكائها تبعث الدفء) ص (33) التي اهداها الى الشاعر (بدر شاكر السياب) وظف البصري عنوانات أشهر قصائد السياب وجمعها وخلق منها منحىً سردياً توافرت فيها أركان السرد (الحدث، والشخصية، والزمان والمكان) بتقنيات أسلوبية يلجأ فيها إلى الوصف تارة لتخفيف مجرى السرد مبتعداً عن الحوار المباشر إلا في مواطن قليلة. القصيدة التي ضمت وهج عنوانات قصائد السياب، انعكس فيها وهج تأثري وانساني لتراث البصرة الخالد (السياب) الذي لا يفارق مخيلة أي شاعر فكيف الحال إذاً كان المبدع هو أيضاً ابن البصرة. يبدأ الحدث بالنسق الدائري (الزمن) عندم يدق طيف السياب الباب مساء:

  • المكان بيت اقبال
  • يتطور الحدث

تقوم (ابنه الجلبي) ببيع شناشيلها وشراء شمعدان لتقيم على روحه قداسا.

  • يتطور الحدث اكثر

فينتهز (حفار القبور) الفرصة ليدك اضلاع السياب (يدفنه)

  • تبدأ العقدة بالتأزم

فتقوم (المومس العمياء) بإشعال فانوسها لكن الريح والحيرة والمطر اطفأه (موت السياب) (جيكور) تحزن ولم تر السماء على ارضها

  • تبدأ العقدة بالانفراج تدريجياً
  • عودة الحياة لأن السياب معنوياً لم يمت

(المخبر) استأنف نشاطه (دلالة على عدم فهم قيمة الإنسانية والجمال)

(غيلان) لم يشرب في الصباح الحليب (حزنا)

  • ما بعد الموت

(الحسن البصري) يقيم وليمة على شرف السياب احتفالاً بمقدمه

ثم تبدأ الحياة من جديد لأن الشاعر رفض فكرة موت السياب لأنه يرى مجازاً:

بان الزمن حينها لم يبادر اليك ليودعك

وتنتهي القصيدة من حيث بدأت برحيل طيف السياب.

نلاحظ بروز الأسلوب السردي في القصيدة وله مفردات قابلة لإعطاء مستوى تصويري مهم منها ما ورد في العنوان داخل النص، مما يدل على أنه معني تماماً في خوض الغمار لكي يصل إلى المستوى الفلسفي والقصدي الكامن. بمعنى أن نصه هو رسم ملامح مخيلة صورية أولا ليقود المتلقي إلى المستوى المقصود وهو مستوى تفكيري ربطه شعورياً بإعجابه بما أورثه السياب لنا.

وهكذا نرى أن مجموعة عبد السادة البصري (أصفى من البياض) قد استقت صورها الشعرية، ومن ثم فضاءاتها الحياتية من بيئة مائية، لا تعدو شعراء البصرة الآخرين، كالسياب وسعدي يوسف والبريكان والحجاج وغيرهم. أقول على الرغم من أن قصائد النثر تختلف في تصويرها لغة وتركيباً وايقاعاً عن الشعر الحر عامة والبصري خاصة ولكن يظل شعر عبد السادة متألقاً في صيرورته مع من سبقه من شعراء البصرة.

عبقرية إبن خلدون والبداوة

محمود الفلاحي

عاش العالم المغربي العربي ابن خلدون بين عام 1332  الى عام 1406  وهي العقود التي صاحبت اصعب المراحل التي مر بها العالم العربي منها انتشار الطاعون في عديد من المناطق العربية والغزوا المغولي وفي هذه الاجواء عاش العبقري ابن خلدون وبنى نظرية الاجتماعية وفلسفته في التاريخ وان ابن خلدون كان له اراء اقتصادية لم يتطرق اليها الباحثون حيث ذكر ان التجار الصغار هم الذين يرفعون اسعار البضائع عكس التجار الكبار لان التاجر الصغير راس ماله صغير فيضطر لاخذ زيادة في الربح كي ينمي تجارته في حين ان التاجر الكبير ياخذ اقل نسبة في الربح لان راس ماله كبير كما ان العبقري ابن خلدون له اراء في المهن حيث ذكر ان هناك ثلاث منهن في الاسلام مكروه ولم يقل انها محرمة والذي يهمنا اليوم هو بيان تشخيص هذا العلامة لطبائع وصفات المجتمع البدوي العربي ولكي يكون القارئ العزيز على بينه فنذكر صفات المجتمع البدوي بشكل عام وبعد ذلك نذكر صفات المجتمع البدوي العربي وان صفات البدو بشكل عام 1- اختصاصهم بنكد العيش وشظف الاحوال وسوء المواطن وهذه تكون الضرورة التي يعيشون فيها وان سبب ذلك ان الذين يعتاشون على الزراعة والفراسة تدعوهم طبيعة حياتهم الى الاكتفاء بالضروري من الحاجات اما الذين يقتاتون وانتاجها فان شروط حياتهم تضطرهم الى التوحش في القفر والقفر مكان الشظف والجوع والضيق فاذا لم يتعودوا ماله الى تركه فاذا وجد احدهم السبيل الى الفرار من حاله امكنه ذلك 2- انهم اكثر حركة وانتقال من اهل المدن واحوالهم الطبيعية هي الرحلة والتنقل ويبحثون عن الاماكن الصالحة لرعي ابلهم ويعيشون في الخيام وانهم ليس لهم وطن ياتلفون به ولا بلد يجنحون اليه لهذا تجدهم لايقتصرون على مكان ولا يقتنعون في حدود افاقهم فاذا جمعتهم عصبة واحدة تغلبوا على الامم المجاورة 3- انهم اقرب للخير من اهل الخير وسبب ذلك ان النفس اذا كانت على الفطرة كانت متهيئة لقبول ما يروى اليها وينطبع فيها من الخير او الشر فبقدر ما سبق الى النفس من احد الخلقين تبعد عن الاخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير اذا سبقت اليه نفسه عوائد الخير وحصلت له ملكته بعد عن الشر وصعب عليه طريقه كذلك صاحب الشر اذا سبقت اليه عوائده ولانهم اقرب الى الفطره وابعد عنما ينطبع في النفس من سواء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها 4- انهم اقرب الى الشجاعة من اهل الحضر وذلك ان اهل الحضر الفوا الراحة والدعة والسكون وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا امرهم في الدفاع عن انفسهم واموالهم الى الحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تتولى حراستهم فاستناموا الى الاسوار التي تحيطهم والقوا سلاحهم حتى صارت حقا” لهم اما اهل البدوا فانهم لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحماية وانتباذهم عن الاسوار والابواب قائمون بالمدافعة عن انفسهم ويحملون السلاح دائما” ويتجافون عن الهجوع الا غرارا” في المجالس ويثقون بانفسهم حتى صار لهم الباس خلقا” والشجاعة سجية ومما يزيد سطوة اهل البدوا وشجاعتهم انهم لا يعانون ما يعانيه اهل الحضر والدليل على شجاعة البدو ان سلاطين افريقيا الشمالية كانوا يستنصرون بالقبائل الموالية لهم للتغلب على اعدائهم وكثيرا” ماكانوا يخسرون الحروب اذا خانتهم القبائل لذلك تعذر على اهل المدن الاستغناء عن سلطان قوي اوقبيلة مجاورة ليدفعوا لها ثمن ثلك الحماية ولولا ذلك لتعرض اهل المدن الى السلب والنهب اما صفات البدو العرب لاشك ان معظم الصفات تنطبق على البدوا العرب لانهم يعيشون نفس الضروف الطبيعية التي يعيش بها بدو الصحراء في ارجاء العالم واهم الصفات التي يتصف بها البدوا العرب وذكرها في مقدمته من صفحه (121 الى صفحة404 ) 1- انهم لا يتغلبون الا على البسطاء وسبب ذلك انهم اهل انتهاب وعبث وينهبون ما قدروا عليه من غير مغلبة ولا ركوب ويفرون الى منتجعهم بالفقر ( الصحراء ) ولا يذهبون الى المحاربة الا اذا دفعوا بذلك عن انفسهم وكل مكان انهم تاركوه الى ما يسهل عندهم والقبائل الممتنعة عليهم التي في اعالي الجبال بمنجاة من عبثهم وفسادهم لانهم لا يصلون اليها ولا يركبون الصعاب ولا يحاولون الخطر 2- انهم اذا غلبوا على اوطان اسرع اليها الخراب وسبب ذلك انهم امة وحشية وذلك لانهم بعيدون عن التمدن والحضارة وحياة الالفة بين البشر فانهم متوغلون في البداوة منذ زمن بعيد ويستلذون حالة العزلة والتوحش لما فيها من خروج على الحاكم وعدم الانقياد الى الاوامر والضوابط المعمول بها في المدن التي تفرضها الدولة او الحاكم 3- انهم ابعد الناس عن الصنايع ويبتعدون عن عمل حرفي ذي طابع صناعي دقيق يحتاج الى مهارة ودقة وصبر في العمل لانهم اعرق في البداوة وابعد عن العمران الحضري لذلك كانت او طان كالعرب قبل الاسلام قليلة الصنايع بصورة عامة 4- انهم ابعد الناس عن سياسة الملك وسبب ذلك انهم اكثر بداوة من سائر الامم وابعد في الصحراء مجالا” اذا احتاجوا الى شيء من الرزق اخذوه من الناس في ظل الرماح وكلما امتدت اليه اعينهم على مال ام متاع انتهبوه فاذا تم الاقتدار على ذلك بالتغلب بالسياسة في حفظ اموال الناس ولما كانوا يعتمدون على غيرهم فيما يحتاجون اليه من اعمال الحرف والصنايع فقد اصبحت في نظرهم لاقيمة لها وبالتالي فسدت الاعمال وصارت مجانا” وانهم لا يعتنون بالقوانين والاحكام ولا بزجر الناس عن المفاسد وانهم ياخذون من اموال الناس نهبا” اوغرامة فاذا توصلوا الى ذلك وحصلوا عليه اعرضوا عما بعده والفوضى مهلكة للبشر ومفسدة للحضارة ويتنافسون على الرئاسة وقليل ان يسلم احد” مهم الامر لغيرة حتى وان كان اباه او اخاه او كبير عشيرته الا في الاقل وعلى كره 5- انهم لا يحصل لهم ملك الا بصبغة دينية وسبب ذلك انهم اصعب الامم قيادا” بعضهم لبعض لما فيهم من صفات التوحش والغلظة والانفة وبعد الهمة والمنافسة على الرئاسة فقلما تتفق اهوائهم وتتحد منا زعاتهم الا اذا اثرت فيهم دعوة دينية وحصلت لهم بسببها عصبية جامعة تبدلت اخلاقهم وكان الوازع لهم من انفسهم فيسهل عند ذلك انقيادهم واجتماعهم بما يشملهم من الدين المؤلف لكلمتهم والوازع عن تحاسبهم وتنافسهم فيحصل لهم بذلك التغلب والملك ومع ذلك فان البدوا العرب اسرع الناس قبولا ” للحق والهدى لسلامة طباعهم وبرءاتهم من ذميم الاخلاق الا ماكان من صفات التوحش ومثال ذلك  ففي الصدر الاول للاسلام الف الدين قلوبهم ووحد منازعاتهم وشيد لهم امر الرئاسة بالشريعة واكامها المرئية لمصالح العمران ظاهرا” او باطنا” وكيف امتد ملكهم واقوا سلطانهم حتى شمل الاقاليم البعيدة في العصر العباسي والاموي هذه استقراءات ابن خلدون ومشاهداته الخاصة في ذلك الوقت وهي بالطبع ليست بالظرورة ان تنطبق على جميع وهكذا نجد كيف عالج ابن خلدون صفات البدوا الذين عاشرهم وكثيرا” من المعالجات الخاصة بالاجتماع البشري وقد نشأ ابان الازمات عندما وجدت تلك الازمات عقولا” مفكرة كلما عصفت التاريخ بالاحداث الشدية والانقلابات الصاخبة والاضطرابات المدوية قذفت التفكير الواعي بالاثار الفكرية الضخمة ومما سبق قوله فيما ذهب اليه ابن خلدون يمكن ان نسلم بالامور التالية ان الانسان مدني بالطبع ومن ثم فالاجتماع ضرورة لابد منها وهو وليد حاجتين الاولى الغذاء وقدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل الضروري منه وحاجتة الى الدفاع عن نفسه وقدرة الواحد عاجزة في الدفاع عن الحيوانات المفترسة وعاجز عن قدرتة لوحدة في الدفاع عنها وهو من ثم بحاجة ماسة الى التعاون والمجتمعات تنشا وتنمو وتنحل وفي كل مرحلة تخضع لقانوين ثابتة ياثر فيها ما يؤثر البيئة الطبيعية والمناخ والانتاج والامور الاقتصادية واذا ماتم هذا الاجتماع وتم العمران فلابد للبشر من وازع يدفع بعضهم عن البعض وان ابن خلدون ينظر الى الحياة في هذا المجال بصعوبة لقد فهم ابن خلدون ان البداوة يجتازها الانسان الى الغاية التي هي تاسيس دولة وازدهار عمران ولهذا الدولة اعمار طبيعة كاعمار الانسان غير ان الدولة في الغالب لا تعدو اعمار ثلاثة اجيال فالجيل الاول على خلق البداوه والجيل الثاني يتحول من حالة البداوة الى الحضارة والجيل الثالث فينسى عهد البداوة والخشونة ويفقد حلاوة العز والعصبية لقد عاصر ابن خلدون دويلات عربية كان حكم العرب فيها قاسيا” لذلك حدثت انتكاسة في الحضارة وبناء الدولة .

{ محام واعلامي