نصر عراقي على القواعد الذهبية لأرسطوطاليس – سلام الشماع

لأول مرة .. كشف يضع اللبنة الأولى لبناء منطق موّحد

نصر عراقي على القواعد الذهبية لأرسطوطاليس – سلام الشماع

تحديث المنطق بعد ثلاثة وعشرين قرناً

{ زيارة يدحض قسماً من قواعد الاستدلال المنطقي ويحلّ بدلاً منها قواعد تختص بمباحث العكس المستوي والنقيض وعكس النقيض

{ ما تناول المنطق الأرسطي التقليدي من مؤلفات كان بين مترجم عن اللاتينية للمؤلفات المنطقية لأرسطو ومحقق لها وأخرى كتب شارحة

(المَنْطِق المُوَحَّد.. تحديث المنطق الأرسطي) كتاب جديد يتناول تحديث المنطق الأرسطي التقليدي وإعادة إِنتاجه على نحو مغاير لمؤلفات أرسطوطاليس وشرّاحه من بعده وما يُدرّس في أَقسام الفلسفة والمدارس الفقهية.الكتاب من تأليف التدريسي، بدرجة مدرس مساعد في هيئة التعليم التقني بجامعة الفرات الأوسط التقنية، عبد الرحمن كاظم زيارة، وصدر عن دار الورشة للطباعة والنشر في بغداد، وأبرز ما يميزه أنه تجاوز منهج أرسطو إلى منهج مستحدث وضعه المؤلف، إذ أزال من خلاله أوهاماً ظلت المؤلفات المنطقية تردده طوال ثلاثة وعشرين قرناً، إذ دحض قسماً من قواعد الاستدلال المنطقي وأحلّ بدلاً منها قواعد تختص بمباحث العكس المستوي والنقض وعكس النقيض، كما تضمن مباحث مستحدثة في الاستدلال المباشر تُطرق لأول مرة في تاريخ المنطق وهي القضيتان التوأمان والقضيتان المتتامتان والقضيتان المتخالفتان، فضلاً عن تضمنه مباحث ومصطلحات وقواعد أخرى.

كان الكشف عن الأساس المشترك بين المنطقين الأرسطي والرياضي، ممثلاً بمفهوم المجموعة الاعتيادية، اللبنة الأولى لبناء المنطق الموحّد الذي يقدمه المؤلف لأول مرة في هذا الكتاب، وهو كشف يؤدي الى توحيد المنطقين في نظام بديهي واحد، إذ يُهيئ للمنطق الأرسطي أدوات التحليل المنطقي من جهة، ويُعطي القضية الحملية مكانتها في المنطق الرياضي من جهة أخرى.إن المقصود بالمنطق الأرسطي التقليدي مؤلفات أرسطو المنطقية، ومؤلفات العلماء العرب في بسطه وشرحه، والمؤلفات التي حققها الأقدمون والمحدثون، وكذلك المنطق الأرسطي الذي تبنّاه الرياضيون والذي تظهر عليه بوضوح بصمات عالم الرياضيات (فريجه)، وهذا بدوره لم يبتعد كثيراً عن النسخة التقليدية لمنطق أرسطو، أضفْ الى ذلك المنطق الذي يدعى بالمنطق الحديث.شكل الكشف عن الأساس المشترك بين المنطقين الأرسطي والرياضي، ممثلاً بمفهوم المجموعة الاعتيادية الذي تضمنه الكتاب، اللبنة الأولى لبناء المنطق الموّحد الذي يقدمه المؤلف، لأول مرة، في كتابه، وهو كشف مثّل نقطة انعطاف في مسار العلاقة التاريخية بين المنطقين المذكورين، وبداية لتوحيدهما في نظام بديهي واحد يتوفر على مقومات النظم البديهية كلها، وفي المقدمة منها الاستقلالية والكمالية.

أساس مشترك

واضح أن غياب الأساس المشترك بين المنطقين المذكورين لثلاثة وعشرين قرناً خلت أدى الى خلق فجوة باعدت بينهما، ونشأت عنها إِحالات واعتلالات منطقية في المنطق الأرسطي التقليدي من جانب، وقصور في المنطق الرياضي تمثل بإهماله للقضايا الحملية من جانب آخر. بُنيَ المنطق الموحّد على ركيزتين: النظام البديهي، وبنية العلاقات. يتألف النظام البديهي من بديهيات مفروغ من صحتها بالبداهة، لاستغنائها عن البرهان كما هو معروف، وبُنيت بموجبها قواعد الاستدلال. أما بنية العلاقات فهي البنية المؤلفة من العلاقات المنطقية المسؤولة عن إِنتاج القضايا وهي أيضاً العلاقات التي تقرر صدق أو كذب القضايا.

إن مبدأ التحليل المنطقي الذي انتهجه الكتاب تمثل بتعريف القضية البسيطة (الحَمْلِيّة كما تُدعى في المنطق الأرسطي التقليدي) بوصفها بنية تتألف من مكونين، هما: الدعامة والعلاقة. تتألف دعامة القضية البسيطة من المفهومين اللذين يؤلفانها، كالمفهومين: الكاتب والإِنسان، فهما يؤلفان القضايا الصادقة: بعض الإِنسان كاتب، كل كاتب إِنسان، ونحوهما من القضايا. أما العلاقة، فهي العلاقة الداخلية للقضية البسيطة، وهي علاقة بين طرفي القضية، كالعلاقة بين (بعض الإِنسان) و(كاتب) في المثال المتقدم. وبالمثل، عرّف الكتاب القضية المركبة بوصفها بنية تتألف من مكونين هما: دعامة، وأداة ربط؛ حيث إن دعامتها مجموعة من القضايا البسيطة التي تتركب منها بوساطة إحدى أدوات الربط المنطقية. ومن الواضح أن دعامة البنية المنطقية هي مجموعة اعتيادية غير خالية في البنيتين المذكورتين. وعلى هذا فإن التحليل المنطقي الذي انتهجه المؤلف ينظر الى القضايا بوصفها بُنى منطقية، أو بتعبير أدق بنية علاقات منطقية، وأن ذلك التحليل يدور حول العلاقات في تلك البنى. استبعد المنهج الذي اعتمده المؤلف في بناء المنطق الموّحد ما خالط المنطق الأرسطي التقليدي من زيادات غير منطقية؛ فلسفية ولغوية، ليستقل بنفسه عن تلك الزيادات، ويكون حلقة تتقدم ما يعرف الآن بالمنطق الرياضي، وليكون بناؤهما قائماً على نظام بديهي واحد. هذا النظام تجتمع فيه قواعد المنطق الأرسطي التقليدي بعد تحديثها، وقواعد المنطق الرياضي بعد تكييفها، في تسلسل متعاضد ومتصاعد في البناء المنطقي. وبهذا التوحيد يكون المنهج الجديد قد أكمل ما ينقص المنطق الأرسطي في مجال العلاقات المنطقية والقضايا المركبة وأَحكامَها، بعد أن كانت معتلة وغير مكتملة هناك. كما أكمل ما ينقص المنطق الرياضي في مجال القضايا البسيطة، بوضعها في محلها اللائق بها بالاعتبار المنطقي بعد أن كانت مهملة هناك.يمكننا تصنيف المؤلفات التي تناولت المنطق الأرسطي التقليدي الى ثلاثة أصناف: الكتب المترجمة عن اللغة اللاتينية لمؤلفات أرسطو المنطقية، والكتب المحققة لتلك الكتب، والكتب الشارحة له. ولم يحدث في أيّ من هذه المؤلفات تحديث للمنطق الأرسطي يتناول مبادءه الأساسية وطرق استدلاله، سوى أَنها تفنَّنت في العرض والتبويب وأطنبت في الشرح والإِيضاح. باستثناء أعمال ابن سينا وابن رشد، إذْ وردت فيها إِضافات جديرة بالاعتبار إِلّا أنها بقيت أسيرة تحديدات المنطق الأرسطي التقليدي. كما أن بعض أعمال (فريجه) و(كانت) وسواهما لم تُفلح في إِيجاد صلة بين المنطقين الرياضي والأرسطي توحدهما في نظام بديهي واحد.

يقول المؤلف: لا شك في أن المنطق واحد برغم اختلاف أَسماء المنطقيات، إِلّا أن الاختلاف المعتبر عندنا الذي يؤسس لأنواع أو لأَقسام المنطق يتمثل في طبيعة أو نوع الدعامة التي يتخذها في بناء قضاياه، فيما إذا كانت تلك الدعامة مفاهيم كلية وجزئية أو كانت مجموعات اعتيادية أو كانت مجموعات ضبابية أو غير ذلك من الدعامات. ومع هذا التعدد، فإن المنطقيات كلها التي تأسست تنقاد الى عمليات وعلاقات وأدوات منطقية واحدة، تستند قبل كل شيء الى الحقائق التي بينتها نظرية المجموعات الاعتيادية.عدّ المنطق الأرسطي التقليدي الكليات الخمس أَقساماً للمفاهيم الكلية، واتخذها دعامة في بناء القضايا التي يطلق عليها القضايا الحمْلية، وهي: النوع والجنس والفصل والخاصة والعرض. هذه الكليات واحدتها تحتوي الأخرى، أشملها النوع وأدناها العرض. إلّا أن المنطق الرياضي اتخذ من المجموعة الاعتيادية، ومن ثم القضايا البسيطة، دعامة في بناء قضاياه المركبة. في حين حددت منطقيات أخرى دعاماتها الخاصة بها وهي لم تخرج من حيز المنطق الرياضي، كالمنطق البُوْولي نسبة الى الرياضي جورج بُوْول، إذ استند منطقه الى جبر القضايا، وشكّل هذا الجبر واحداً من مرتكزات التقدم التكنولوجي في العصر الراهن، بخاصة في تصميم الأجهزة الكهربائية والمكائن التي تستخدم الدوائر الكهربائية. أما المنطق الضبابي الذي أسسه العالم أذري الأصل وأمريكي الجنسية لطفي زادة فقد اتخذ من المجموعة الضبابية دعامة للمنطق المذكور في بحث نشره في مطلع الستينات من القرن الماضي بعنوان المجموعات الضبابية (Fuzzy Sets, 1965). يُعدُّ المنطق الضبابي توسيعاً للمنطق بكل أنواعه وأَقسامه، لأن المجموعة الضبابية بدورها توسيع للمجموعة الاعتيادية.

لكن الكتاب، إذ نقدم المنطق الموّحد، فإنما ينقل المنطق الأرسطي التقليدي من الكليات الخمس الى المجموعات الاعتيادية، ليكون المنطق الأرسطي بنسخته المحدثة هذه أحد المنطقيات التي تُردّ كلها الى مفهوم المجموعة.

أثمرت منهجية التحليل المنطقي في هذا الكتاب استحداث طرق تحليل، وقواعد استدلال، ومباحث ومصطلحات، لم تكن مطروقة في المنطق الأرسطي التقليدي منذ أرسطو: كالعلاقات بين المفاهيم الكلية، والعلاقات الموجبة والعلاقات السالبة والعلاقات المتعادلة بين المفاهيم الكلية، والعلاقات الداخلية للقضية البسيطة، والفرق بين النفي والسلب، وانسجام حدَّي القضية، والقضيتين المتجانستين، والمعنيين اللغوي والمنطقي للقضية، والقضية الفعلية والقضية الاسمية، والمفهومين الكليين المطلقين، والمفهومين الكليين المتراصّين، والمفهومين الكليين المتباعدين، والأصل المحصل للقضايا المعدولة وغير المنسجمة، والقضية المركبة الأساسية والقضية المركبة الممتدة، وأدلة صدق وأدلة كذب القضية البسيطة، والقياس الاقتراني البسيط والقياس المركب.

من قواعد الاستدلال المستحدثة دليل صحة القياس وخوارزمية القياس اللّذين يغنيان عن ركام القواعد والشروط الموضوعة للقياس الاقتراني بأشكاله الأربعة.

تاريخ المنطق

تضمن الكتاب، أيضاً، مباحث مستحدثة تُطرق لأول مرة في تاريخ المنطق؛ ففي حيز القضايا المتقابلة تم استحداث مبحثين هما: القضيتان المتخالفتان والقضيتان المتتامتان. وفي حيز القضايا المتكافئة تم استحداث أربعة مباحث هي: القضيتان التوأمان، والقضيتان المتحاويتان، والقضيتان المتطابقتان، والقضيتان المتساويتان. وفي حيز قواعد الاستدلال تم استنتاج قواعد العكس المستوي للجزئية السالبة وقواعد العكس النقيض للجزئية الموجبة وقواعد النقض التام ونقض الموضوع للجزئيتين الموجبة والسالبة. أتت هذه القواعد، بعد تبديد الأوهام الأرسطية بارتفاعها، وبلغ عديد قواعد الاستدلال المباشر الأرسطية التي تم نقضها في هذا الكتاب تسع قواعد، تختص بمباحث العكس المستوي والنقض وعكس النقيض، ووضعنا بدلاً عنها خمس عشرة قاعدة.إن تحديث المنطق الأرسطي التقليدي برؤية رياضية لا يعني بالضرورة إِغراقه بالرموز والصيغ والعبارات الرياضية، بل إن التحليلات التي يقدمها المؤلف، في كتابه، صيغت، في معظمها، بلغة الكلام الاعتيادي، وكان استخدام الرمز الرياضي على قدر ونحو يتناسبان مع متطلبات التحليل. وبالنسبة للقرّاء الذين لا يستسيغون التعامل مع الرمز الرياضي يمكنهم الاكتفاء بالعبارات البديلة المكتوبة بلغة الكلام الاعتيادي، وهذا ليس تساهلاً من المؤلف، بل لأن الرمز الرياضي ليس إِلّا صيغة رياضية مجردة لعبارة لغوية. وفي الحقيقة، إِن اعتماد الرمز في القواعد والتحليلات المنطقية يمنع تأويل النص وتفرق معانيه. مرّ تأليف هذا الكتاب بثلاث مراحل عبر اثني عشر عاماً غير متصلة ابتداءً من عام 2009. كانت مرحلته الأولى تأليف مقالات في نقد المنطق الأرسطي التقليدي نشرها المؤلف في موقعه الشخصي (فضاء أوروك)، وكانت الدليل لبلورة فكرة الكتاب وأهدافه، باشر، بعدها، بتأليف الكتاب. وفي تلك الاثناء، ظهرت، أمام المؤلف، مشكلات علمية في بسط مباحث المنطق الأرسطي التقليدي تتطلب المعالجة وإِيجاد الحلول، فشرعت بإِجراء بحوث أَكاديمية محكمة، ضمن تخصصي (الرياضيات)، ذات صلة بالمنطق ونظرية المجموعات لتكون مرجعية علمية لمباحثه ونتائجه، ويعود تأخر طبع الكتاب، في الحقيقة، الى بطء نشر البحث الأساسي في المجلات العلمية المحكمة الموسوم (استنتاج المجموعات الاعتيادية المتداخلة باستخدام عملية  الإِتمام)، أضفْ الى ذلك البحث عن دار تضمن نشره وتوزيعه داخل العراق وخارجه. سبق للمؤلف أن أصدر ثلاثة كتب هي: (مقابسة المقابسات – التعريفات والمباحث والمسائل والفروق الفلسفية لمقابسات أبي حيان التوحيدي)، و(المساعد في الرياضيات للسادس العلمي)، و(المساعد في الرياضيات للسادس الأدبي)، وكلها صدرت عن دار الجواهري في بغداد، سنة 2015 كما نشر العديد من البحوث في مجال الرياضيات في مجلات عالمية مُحكّمة.

خلاصة القول إن هذا الكتاب شكّل إِضافة نوعية الى المكتبة العربية المنطقية. والأمل أن يتصدى أحد المترجمين لترجمته إلى بعض اللغات الأجنبي ةالحية.

مشاركة