
د.فاتح عبدالسلام
ردّت المحكمة الاتحادية في العراق على البرلمان ، فقالت بوجوب اقامة الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر بحسب أحكام الدستور، معللة ذلك في إنّ الشعب أعطى تخويلاً محدداً لممثليه مدة أربع سنوات، لايجوزلأية جهة تخطيها. المحكمة أدّت واجبها ودورها ، وليس لها أن تقول شيئاً آخر، ولو اطلع أيّ انسان يقرأ ويكتب ، لوجد التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية موجوداً في الدستور العراقي الذي لفتت المحكمة في ردها الى انه يجب مراعاة سموه ، وبعده تُرفع الاقلام وتجف الصحف.
الدستور العراقي هنا لا يمنح المحكمة أو أية جهة حرية، الخروج عن النص مراعاة لمقتضى الأحوال، استناداً الى فرضية تتوافر عليها جميع دساتير العالم مفادها إنّ الدستور يراعي مختلف الأحوال وهو يختط طريق أحكامه ، من دون التصريح بأنه راعى ظرفاً أو جماعة أو فئة أو حالة ، لأنّه الحاكم الفعلي بقوة احاطته بالجميع وضبط ايقاع أنواع المسارات في نطاق المسار العام لخط الدولة والمجتمع والانسان . هي الثلاثية التي تنصب دعوات تعديل الدستور من أجلها ، حيث غفل الدستور، وأجبر المحكمة الاتحادية من دون ارادتها أن تغفل مضطرةً كون النص المساعد لتفسيرها غير متوافر. وأقصد هنا ظرف الحرب.
العراق كان ثلثه محتلاً بالكامل من قبل تنظيم ارهابي ،أقام على أرضه دولته الزائفة واستعبد الشعب العراقي في ذلك الثلث المحتل، وذلك على مدى أكثر من ثلاثة أرباع الدورة الانتخابية البرلمانية. ألا يعني ذلك شيئاً في التفسير القانوني أو الدستوري من قبله؟ .
لو قامت الحرب في كل العراق وليس في ثلثه ، ما موقف المحكمة الاتحادية من المواعيد الانتخابية المقدسة بسمو الدستور.؟
العراق انتهك في كل شيء في فترة احتلال داعش التي هي الفترة البرلمانية التي لم يطعن أحد في شرعيتها، ولا تزال تستمر وتشرع وتعطي وتمنع ، وكأنها نتاج فترة طبيعية مستقرة من تاريخ العراق . اذا كان المنطق الدستوري يقول ان الشعب اعطى تخويلاً محدداً بمدة لا تقبل التجاوز ، فإنّ من باب أولى أن يجلس ممثلو الشعب قبل أن ينتهي التخويل الممنوح لهم ليقرروا ما هو صالح لمعالجة هذا الخلل الذي هو نتاج مرحلة ما بعد داعش التي تحتاج الى رؤية أخرى وأدوات جديدة في التعامل .
ما أحلى تحرير الارض ثم نسيان أصوات الشعب النازح والمشرد والمفتوك به في الموصل وتكريت والانبار وقسم من ديالى وسواها، ذلك الشعب النازف من حرب ضروس ، ومن العسير عليه أن يمنح تخويلاً جديداً لفترة استراتيجية أخرى مدتها أربع سنوات، قبل أن تعود الحياة طبيعية في مدنه المحترقة.
هناك تناقضات مهمة في بنية هيكلية المسار الجديد للدولة المنتجَة بعد احتلال العراق.
عام ٢٠٠٣. بالمناسبة هنا ، الدستور نفسه في مأزق ، إذ نعرف انّ العراق كان محتلاً من قبل الولايات المتحدة بعد حرب لا تستند الى تخويل من مجلس الأمن الدولي ، وخرج الاحتلال عام2011 ، فماذا لنا أن نسمي العراق بعد ذلك سوى انه عاد لسيادته وأصبح مستقلاً ، ومن حقه أن يضع دستوره الدائم لنفسه. أليس كذلك؟ ، ولكن الدستور شرع وأُقرّ وجرى العمل به عام 2005 في عزّ احتلال العراق. هذا هو التناقض الأكبر الذي يفرّخ كل التناقضات التي سيشهدها العراق قبل أن يستقر.
رئيس التحرير – طبعة لندن
fatihabdulsalam@hotmail.com


















