نسب الغرق ونسبة النجاة

183

نسب الغرق ونسبة النجاة

إشكالية الهوية في الخطاب السياسي

محمد قاسم الياسري

إن تبني سؤال “الهوية” ليس علامة على مذهب يتجه الى حيث تريد النتائج المنطقية ان تصل اليه. إن تبني سؤال الهوية يضطلع بمهمة المحادثة مع النفس، ومتابعة ذلك حتى الوصول الى الاتفاق مع النفس، ذلك هو اول التفكير بما فيه من فن إثارة المسأليات فيما يفكر فيه المرء ويقوله ويتصرفه في ذلك الواقع الاتي من اعماق الماضي. (1)

ان سؤال “الهوية” يحيلنا دائماً الى الواحد الاحد، الواحد المتكاثر، الخير، الحق، الجمال، وكل ماهو كائن، ساحق الحضور، في نظام الواقع المصنوع في الماضي، والمتلاقح مع الراهن، وكل مايشير الى الدستور السياسي، وطبيعة الدنيا بوصفنا دنيويين بامتياز ميتافيزيقي، بمعنى ان “نسيان الوجود” الهيدغري لايطول دنيويتنا مادمنا نمتلك هوية، فالهوية مضادة للتأويل الماورائي للوجود على انه وجود غفل، صوري، انعكاس لعالم آخر موجود في العدم( = في السمرلاند). اذن، الهوية ثريّة، متحركة وليست دين، أي هي جميع تلك الجهود المنصبّة على المساءلة، والنفاذ الى ماوراء الوجود الجوهري لمعيار القيمة وواقعية الواقع المصنوع من الماضي والحاضر، وليس القصد من ذلك “تذكر الوجود” في مقابل “نسيان الوجود”، وانما استرداد السؤال بوصفه سؤالاً في الوجود العيني الكثيف، لأن تذكر الوجود هو عرض لإعادة الحضور، عرضاً لإرجاء الزوال والنسيان. ان التذكر إعادة لسؤال سابق، تذكر لسؤال ضائع. فالهوية لايمكن ان تتحجّب مهما طال زمن التلبث والمواربة، والتحقق الامثل لها هو الحضور الذاتي للمتذكر وهو يرفض ” نسيان الوجود” بكامل وعيه السياسي، والسياسة هي فن فهم الممكنات تحجباً وانكشافاً، وانجاز مفاهيمها ومقولاتها طبقاً لاندراجها في الواقع “العتيق” بمسكوته ومعلنه. انها تعلن عن نفسها طبقاً لقانونها الخاص، فلا تحجب او تكشف عن نفسها عن نفسها، بل يشغلها انجاز مفاهيمها الخاصة، وكذلك مقولاتها المتجددة تجدد التحديات.

ان سؤال الهوية سؤال جوهراني يضع كل الأسئلة المتعلقة به او المتحلقة حوله في أزمة، لانه لايستجيب دفعة واحدة للتماثل والتطابق، وانما للفروقات والاختلافات. ان سؤال الهوية يتمركز في لجيّة حركة الاضداد، والانفصال اللامحدود للشيء ونقيضه، وللماضي وقد امتد كحاضر مستمر، انه يتكلم باسم حقيقة راسخة، تبدو للوهلة الأولى وكأنها حقيقة مضادة لكل الحقائق المتصارعة معها. ان سؤال الهوية لايندرج ضمن الاسئلة الانطولوجية الاخرى، لكنه يتفاعل معها عندما يحيل اليها ويستدعي منها، ويبقي عليها كخارج له منطقه الخاص وقوانينه الحاكمة. فسؤال الهوية هو سؤال الخطاب، وكل خطاب، بمعنى ما، هو خطاب طبقي عندما تعمل عليه استراتيجيات قراءة تختلف من حيث قربها او بعدها عن العرقية، لأن خطاب الهوية بالوقت الذي يقطع مع التصورات “الخارجانية” يرسي تأريخاً ليست له ذات تسيّره، لكنه يمتلك غاية تعززه، هذه الغاية تعتاش على الزمان الذي تحياه، والمكان الذي ترسف فيه، والجسد الذي يعززها، لذلك صارت الغاية معنى لازباً يوحد ويضم كل المعاني الكبرى ودلالاتها الناجزة، وليست عوداً أبدياً للمعنى ذاته، وانما حركة مندلعة، رجراجة بين الأخذ والعطاء، الأنا والاختلاف، الضرورة ووعي الضرورة، لا استقرار في مركز بعينه وانما مواكبة لانفصال لامتناهٍ يحدد من شمولية الفوضى الدائمة المستثمرة من قبل هويات اخرى مضادة تحاول دائماً إذكاءها، لأن في إذكائها مصلحة تجيّر لصالحها.

الهوية مفهوم انطولوجي وليس مجرد مفهوم انثروبولوجي، انه بالقدر الذي يحدد فيه زمان الكائن ومكانه، يحدد كذلك حركته في التعدد عبر الانفتاح على الآخر المتساكن معه، فالتعدد خاصية الهوية، والانفتاح ديدن الوجود، وان الحراك الذي يسم الفكر بالسمة الماهوية يتطلب ذخيرة حيّة مدججة بالعتاد المفاهيمي لبسط حمايته على طول الحدود التي رسمها لنشاطه، ولكن هل يبقى سؤال الهوية سجين الاطروحات الفلسفية والمقولات التراثية التي تستعمل اشتقاقات اللغة الاكثر صورية وتجريداً؟للاجابة عن هذا السؤال لابد من ربط المعاني الفلسفية والمعارف التراثية ذات الصلة بعمليات التعقل التي تشكل جزءاً مهماً من الثقافة المجتمعية.

خطاب عابر

ان النظر الى الخطاب العقلي العابر للفلسفات والعابر للمقولات التراثية بوصفه خطاباً ثقافياً ترسم حدوده ومعالمه عناصر الاختلاف الثقافي (= الاختلاف الهووي) بين الانا والاخر، الوطني والدخيل، هو نظر قاصر من دون التواصل الذي ينطوي على جدل مفتوح، بالغ الأهمية، بين الأخذ والعطاء وتبادل المصالح، وليس ذلك الجدل المفتوح على الطمس والابتلاع، وبذلك تغدو الهويات (= الثقافات) كيانات عيانية ورمزية تعتمد أصالتها وفرادتها على تشكيلات خطابية معقدة ترتبط بأجندات سياسية لها صلات وثيقة مع المرجعيات التأريخية والعقائدية لكل هوية، تلك المرجعيات التي تصنع او تشرعن “الحدود” بين الهويات (الثقافات)، مستندة في ذلك على التباينات المختلفة الكائنة في رؤى العالم وطرق الحياة، والتي بمجملها تكوّن تمثيلات ثاوية في غايات سياسية شتى تعمل على ترويجها، لذلك نجد ان التمثيلات الماهوية للثقافة تحجب حقيقة مفادها ان التصنيفات او التشخيصات التي تُستعمل راهناً لتمييز او تشخيص “هويات” معينة هي نفسها ذات منشأ تأريخي، وان أي تفريد او تقزيم لهوية معينة او انتقاءها بايولوجياً (=عرقياً) بوصفها “هوية قارّة” كثيراً ما تتغيّر عبر الزمن، وتتغير معها تفكرات تلك المرجعيات التأريخية والعقائدية ذاتها، فالتقدم البشري يفرض نفسه بقوة وبعنف، لأن ما يبقى في هذا العالم هو ما تصنعه السواعد البشرية وما تتفكره العقول المبدعة، بعيداً عن الميتيات المتعالية ابداً على السواعد والعقول البشرية.

تتحدد هوية الانسان (أي انسان) بتوسطية خصائص مائزة، ماهوية او عرضانية، وهذا يعود بنا الى ميتافيزيقيا الجوهر والعرض عند المعلم الاول “ارسطو”. اذن، الهوية موجودة وحاضرة قبل تديّن الانسان وقبل تثقفه، لأنه حالما يصبح للانسان دين او ثقافة معينة يدخل حالاً في دوامة النوسان بين عالمين لهما مغزيان هوويان متمايزان لايسع المرء الا الارتحال بينهما، والاصطدام المر بين اطر مرجعية غير متوافقة، ولم يعد من الممكن- وهذا لب النقاش- تفادي هذا الاصطدام عن طريق العزلة الثقافية او العنف- الذي يمارس حالياً بوتيرة عالية في العراق او في المنطقة العربية- والذي يزيد من حدة المعارضة والمواجهة والضياع، وهنا يتشكل المنطق المغلق القائم على فلسفة متفوقة او اجرومية ناجية لفرقة ناجية، وبذلك يزداد الغموض والتناقض وتتسع الهوّة بين الحدود المفاهيمية.ان التموضع في هذا المفصل لاينخرط في البيئة المحلية ومعقولاتها، وليس له علاقة بالتفلسف العابر للثقافات والهويات- وهو تفلسف عولمي بلا شك- لكنه يشير الى مشكلة الفاعل الهووي الذي عجزت عن فهمه “البنيوية” التي تعد الهوية بناء متراصاً ليس له مركز (أي ليس له معنى)، ولا ” مابعد البنيوية” التي ترى الهوية -بالضرورة- ثانوية ومتشظية وغير جوهرية، ولا “الماركسية” وقد شطبتها من القاموس الطبقي، ولا “الاصولية” وقد سفهتها بوصفها قومانية وصنيعة الهيجانات التي رافقت الصعود المدوي للفاشية والدكتاتورية، ولا ” السلفية” التي تصنع ” الطوطم والتابو” حاكماً ومحركاً للتعدديات الانطولوجية التي تستمد مصداقيتها من الغيب الذي لايغيب. ولا “لصوص الزمن اليانكي الاغبر” الذين ينظرون الى البنى الراسخة على انها غنائم حرب يجب حيازتها قبل ان تنعم بحرية الوجود خارج مناطق نفوذهم. ان هذه الاستبصارات وقد أُخذت من الواقع المعطى المرهون باحتكارات الأقوياء ونسبوية القناعات وغموض مواقف المرجعيات ووجود المتاريس شديدة التحصين وقد احاطت مواقع السلطة وزادتها صلابة وثقة بالنفس، هي التي تعلّمنا يومياً متعة الولوج الى عالم لاتحرسك فيه امتيازات العرق والطائفة والطبقة والمليشيا، وتكون هذه الاستبصارات سبباً معقولاً ووجيهاً لتسدد سهامك نحو الأوغاد الذين جاهدوا ويجاهدون طوال الليل والنهار لمسخ كل مايتعلق بالفرادة والتميّز وعدم الارتحال بين عوالم عدة (= بيئات عدة) حاملين معهم جنسيات مختلفة ووثائق سفر شتى، وفي أدمغتهم هدف واحد هو تحطيم الوطن: جغرافيا وديموغرافيا وتأريخ، وبيعه الى ” الهؤلاء”.

ان اقتصادوية هذا الطرح لاتعفينا من رصد المضامين الواقعية والفنتازية التي أفرزتها الساحة العراقية لاكثر من عشرة اعوام انصرمت، وبمثابرة بالغة تدعونا الى الريبة في كل حركة وانفعال او حتى ابتسامة بصقها هؤلاء الاوغاد وسط ذهولنا القيامي.

ان الهوية عندما تواجه الوجود التأريخي ليست واقعة ولا هي حادثة ثقافية مبرمة، ان الهوية التي ندركها ونتمتع بحملها في سحنات وجوهنا، ولغتنا، وهمومنا، وأحلامنا، هي في حد ذاتها قد انتجتها قوى اجتماعية وتأريخية ناضلت منذ بداية المدونة التأريخية لكي تمسك بسر البقاء على هذه الارض، وهذا السر قد صقلته مختلف الايديولوجيات كسلوك طبيعي حددته الثقافة او كترتيبات اجتماعية شيدها التأريخ، او كصنافة نسالية وثقتها الخارطة الجينية، جملة القول ان السياقات التأريخية والتشكيلات الاجتماعية والظواهر الابستمولوجية(2) هي التي تبني الذوات القابلة لتمييز الهوية والوعي بمعرفتها، وتحديد تعريفاتها الحصرية وتصنيفاتها المتاحة.ان مخاطبة العولمة للعمليات الاجتماعية والسياسية التي تعبر الحدود القومية وتؤثر في كتلة العلاقات التراتبية بين وداخل مجتمعات محلية تعينت هويتها من الناحية التأريخية، لايمكن مقاومتها الا بالالتفات التلقائي للهموم المحلية ذاتها، لانه لاتوجد هموم تشبهها في اية بقعة اخرى من العالم. وهذا التأويل ينطبق على الاقتصاد العولمي، بما فيه من هيئات عابرة للقوميات، وقابلية رؤوس الأموال على الانتقال من مكان الى آخر، والتقسيم الدولي للعمل واختصاصات الانتاج، وما يفاقمه من أمر الترتيبات الهرمية للعرق والطائفة والطبقة والفئة والجنس التي تتراكم مع ما موجود من تراتبات أخرى محلية ابعد و أكثر تعقيداً، لأن الآليات العولمية للعمل والملكية وتحكم الدولة لاتؤثر تأثيراً عميقاً على خيارات الحياة اليومية للناس ومصالحهم، لأن هذه الآليات لايراها الناس ولايمكن لمسها لمس اليد، لذلك لاتحدد الطبيعة الماهوية لهم، وهذا ما نلاحظه جلياً واضحاً في المعقول الوطني العراقي، وكل بلدان الربيع العربي.

فبالإشارة الى أهمية العودة الى الانثربولوجيا الثقافية على حساب إغماض العين عن ما ترتكبه الانثربولوجيا السياسية، لايمكن فهم “الهوية” على انها مقولة معقدة ومتناقضة، وليس بمقدورنا صب تصوراتنا إلا من خلال الاستماع الى الحس الشعبي، وتفهم الحس التأريخي من منطلقات وطنية، وبذلك يتسنى لنا التمعن بمغزى المنظورات المختلفة في العالم الواقعي (وليس الافتراضي) اذا استطعنا ان نتخيل طرقاً كثيرة لمواجهة مرآة الهوية الصافية النقية من الشوائب والاغبشاش، وهي طرق قد تكون غريبة عن أشكال وأساليب النظر الأساسية في المعايير الثقافية المهيمنة، محن الحياة وازمات الازمان المرّة، ومسأليات لها اول وليس لها آخر، وتدخلات الدخلاء وتخرصات الأصدقاء وأطماع دول الجوار وقد البسوها ثياباً عقائدية قشيبة، وكل تلك القصص الكئيبة عن الموت وما بعد الموت والبرزخ الذي لاينتمي الى عالم الأحياء(3)، وضغطة القبر التي تغوّلت على ضغطة الدنيا، وحكايات اخرى تناضل للافصاح عن التناقضات التي تمر بحياتنا الهووية وصبها في سياق محكوم بقوة السلاح ودجل الشرعنات التي لوت اعناق نصوص السرديات الكبرى، باهضة الثمن، لخدمتها.

حكايات وقفت في يوم ما، وبظروف مغايرة، على أرضية موقعنة (من واقع) ورثناها من الماضي التليد، غير انها بتدخلها السافر في صنع هوية مسخ في الراهن المعولم، أسطرت هذا الواقع وحوّلته الى جثة ميتة لايمكن ان يقوم من ميتته تلك حتى وان حقن بزخم من جذوات التأريخ المجيد، فليس من المعقول ان تصاغ اسطورة التقدم من اساطير ميتة، حيث لانفهم التقدم بلغة المستحاثات الطوفانية الثأرية والاستئثارية، وليس بمقدور كابوس ثقيل جاء من الماضي السحيق ان ينتج غذاء او دواء او صناعات يحتاجها الاستهلاك اليومي وتوفر فرص عمل لجيوش من الكاسدين، وعلى الرغم من انها رؤية مدعومة بالعته الشعبوي الساحق، فانها ليست يوتوبيا، وليست انجازاً، ولا هي حداثة او رجعة، انها الخراب بعينه.واذا كان للهوية الوطنية ان  تتماسك وتنقّى من شوائبها، فانها بحاجة الى مراجعة شاملة وجدية للسرديات الكبرى والمرتكزات التي علقت بها، والتي يُساء استخدامها لحد هذه اللحظة، لأن تلك السرديات والمرتكزات غدت ايديولوجيا استعملها المنتفعون وذوو المصالح الدنيوية لخداع الفقراء والمعدمين لجعل ولائهم للطائفة اقوى من ولائهم للوطن، أي اعادة انتاج الطائفة كمقولة هووية، مما يؤدي جدلاً الى اعادة انتاج السياسين ذاتهم، في كل دورة انتخابية ليتربعوا على عرش جنة السلطة، وهكذا ستتحول المصفوفة الطائفية الى شيء واقعي من خلال الممارسات المراسيمية والطقوسية التي تحدث في التفاعلات الاجتماعية اليومية التي لاحصر لها، وكل نكوص او مقاومة لتلك الممارسات من قبل افراد واعين في الطائفة ذاتها، او استهجان ونقد يوجه من قبل افراد من غير الطائفة كافٍ لاشعال حرب اهلية تحرق الوطن بكامله، وهذا هو المطلوب وقد خطط له، وموّل، من قبل قوى خارجية لها مصلحة اكيدة في ضياع البلاد.

حواش وهوامش

ان صميم جينالوجيا التعصب التصفوي للعرق او للطائفة كان منذ بدايته متشابك مع تراتبية هرمية غير وطنية، يمكن العثور عليها في الحواشي والهوامش التي يكتظ بها الموروث الثقافي للطائفة او العرق الذي يطمح بأن يكون في الطليعة، فأن تظل “الاول” او ” المفضل” او في “المقدمة” يتطلب ذلك حروباً واحتكاكات واسعة وتضحيات جسيمة، وهذا هو ثمن “حب الذات”، و ” التمركز حول الانا”، وهكذا يتحول المأزق بمرور الوقت الى عقدة غامضة، ولا يمكن فض اشتباك هذا التعقيد من خلال التحليل الطبقي الذي يعزل الذنب وكأنه من صنع الاغنياء، غير ان مواجهة واقع التفوق العرقي او التعنصر الطائفي يهدد صميم قدرتهم (ان كانوا افراداً او جماعات) على التمسك بوطنيتهم، لأنه يهدد قدرتهم على تصور انفسهم كأصحاب حق سياسي وتأريخي مرتبط بماضٍ وبمستقبل يمكن ان يشعر كل فرد بأنه مشدود اليه.

ان الترحيب الجماهيري الواسع بالاستعارة من كوابيس الماضي والاحتفاء الكرنفالي بايقاظ كل تلك العداوات البائتة والنعرات النائمة سيعادل في ميزان اصدار الحكم والقيمة خيانة عظمى للوطن، بالعكس من الاندماج الثقافي الذي يشكل بصحوته السياسية هوية لايمكن انكار حقيقتها لانها تتعالى على الشوفينية الثقافية في خضم الاستيلاء الثقافي لفكرة جمعوية اسمها الوطن: وجوداً ومستقبلاً.

ان المعاناة المطروحة عبر الاعراق وعبر الطوائف، ليست هي المعاناة العمومية حينما تكتسب الهوية وطناً له حدود دولية مرسمة ومعترف بها من الجميع، تفصله عن كل الاغيار ذوو الهويات المختلفة اختلافاً جذرياً، انما المعاناة تظل اقلوية ومحصورة في الهامش، حيث الاوهام والرهاب وقلق النبذ والاقصاء والمصادرة.

تؤكد معظم الدراسات الانثروبولوجية والسوسيولوجية والثقافية ان العرق بالنسبة الى العرقيين هوية عنصرية غير مرئية، وكذلك الطائفة بالنسبة الى الطائفيين، ويقف وراء كل ذلك الهوس بالعرق او بالطائفة امتيازات سياسية معروفة جيداً، وغالباً ماتعد مبررة. ويتركز كفاح السياسيين الذين يستثمرون في مشكليات العرق والطائفة والمناطقية التضييقية على الهوية الفرعية، الهوية الناقصة، وليس على الخيارات الواعية والمصالح العليا للوطن، والتي يمكن تعيينها بموضوعية وتجرد، بل يتحول همهم الاكبر الى التركيز على قولبة العقول البسيطة الساذجة على الحجج القديمة ذاتها لخلق هستيريا واحباط سيؤدي حتماً الى الاحتقان والتشنج الذي يخرج عن مساره عادة ليتطور الى احتراب.ان محاولة استدعاء كل خلافات الماضي التأسيسي (وهي خلافات سلطوية اصلاً حدثت تحت سقف لساني وايديولوجي قومي حصراً) والنظر الى هذه الخلافات وكأنها النسابة البدئية لكل وجود ولكل حياة راهنية، انما هي محاولة غامضة في ظاهرها وباطنها، تثير الشك والريبة بمروجيها لأنها تغدو ممارسة سياسية بامتياز، هدفها مسخ الهوية الوطنية التي تشكلت عبر القرون، ومحاولة كتابة سردية بائسة لاتصمد امام سرديات التقدم المطرد التي تجتاح عالمنا المتحضر وقد تحكمت بمصيره هويات جبروتية تقوم بتشجيع مبادرات وتغذية منظومات ترفع من قيمة الدولة القومية القوية الموحدة، ومناشطها وانجازاتها فوق تلك التي لـ (بقية العالم)، ولنا في التاريخ الغربي الحديث امثلة كثيرة.

في يوم ما، كتب احدهم (لايستحق حتى ذكر اسمه) في مقالة بائسة ما مفاده: ( ان الدين دولتي وليس العراق، وان العقيدة هويتي وليست الهوية العراقية).لا افهم بالضبط ماذا يريد من هذا الطرح، لكنني افهم الغرضيات السياسية التي تتوارى وراء هذا الطرح.وقبل ان اوجه له اسئلة لها علاقة بحق التملك العقاري في البلدان الاسلامية، وحق منح الهوية المدنية الخاصة بتلك البلدان او اية وثيقة ثبوتية اخرى، وغيرها من الاحتياجات الطبيعية التي تعتبر خطوطاً حمراً في تلك الدول او في كل دول العالم اذا لم يتم التنازل عن الوجه والقلب واللسان والعقل واشياء هامة تمس الشرف والكرامة…الخ، سأستعير اجابة شافية انجزها “تزفيتان تودوروف” في مكان ما(4):

لم تلعب الحروب بين البلدان دوماً الدور نفسه، فخلال مرحلة اولى طويلة الامد، وهي التي نُطلق عليها اسم الحقبة الدينية من تأريخ البشرية، كانت الحدود الحاسمة هي تلك التي تفصل بين السماء والارض، وليس بين مختلف الاراضي. ان المقدس يتحدد بالعلاقة مع الله، وليس مع البشر الاخرين.

في الحقيقة، ان كل شخص يسكن بلداً محدداً، لكن حدود هذا البلد كانت تتبدل على هوى عمليات الزواج والارث او بناء لصفقات بين الملوك والامراء، دون ان يشعر السكان في الحال بمفاعيل ذلك في حياتهم اليومية. لفترة من الزمن كانت هولندا واسبانيا تشكلان بلداً واحداً، ثم انفصلتا، وكانت بورغونيا جزءً من فرنسا، ثم استقلت عنها، وتوصلت حتى الى التآمر عليها مع انكلترا خلال حرب المائة عام، وفي آخر المطاف كانت العودة الى الوضعية الاصلية. لقد باعت فرنسا مقاطعة لويزيانا كما لو انها ملكية خاصة. هكذا حين لاتكون الصفقات بين الامراء هي التي تقرر الحدود، فسترسمها مصادفات الاعمال الحربية، ومواقع الجيوش ساعة توقيع الهدنة.

لقد اعقبت هذه المرحلة الاولى الدينية الطويلة حقبة وطنية، تحول فيها رعايا الملك الى مواطني الامة، واعتبروا التجسيد الحي لها، وعليه لم يعودوا ابداً غير مبالين بمدى اتساعها. بدءاً من هذا الوقت اصبحت الامة هي التي تحدد المقدس، لم يعد الواجب يناديك للموت من اجل الايمان، وانما من اجل الوطن، لهذا السبب فإن المنظّرين الاوائل للامة الحديثة، مثل “جان جاك روسو” اعتقدوا بأن المسيحيين الجيدين سيكونون مواطنين سيئين، ذاك ان تضامنهم يشمل كل البشر، فيما تضامن المواطن يقف عند حدود بلاده. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يبدو ان الاوربيين دخلوا في مرحلة ثالثة، مابعد الديني وما بعد الوطني. ان ذلك لايعني انهم فقدوا اية علاقة بما هو تجاوزي ومقدس، وهو ما لايمكن تصوره بأي حال دون تحوّل جذري للجنس  البشري. لكن اخلاصهم انصب بعد ذلك الوقت على مجموعات بشرية محدودة كالاقارب والاحبة:الاولاد، الاهل، الاحباب، الاصحاب، فكل واحد راح يبني تراتبيته الخاصة للقيم. في هذا السياق عادت الحدود لتخسر الكثير من اهميتها. ان ما يهم قبل كل شيء هو نوعية الاشخاص الذين احبهم ونوعية التجربة التي تربطني بهم، وليس لون جواز السفر الذي يجب ان ابرزه لمأموري الجمارك، واذا كان لابد من حدود، فإنه لايفضل تصورها كجدران وانما كجسور وكمواقع اتصال وكنقاط مشتركة تتيح عمليات التوسط والارتباط.

اننا بهذه الروحية كذلك نمتنع عن رسم حدود لاوربا الا تلك المؤقتة، ونتخيل بأن أي بلد يمكنه في يوم من الايام ان “يتأورب”.

يمكننا مع ذلك ان نتساءل اذا لم تكن هكذا نظرة للعالم المعاصر خيالية جداً. ان الكيان السياسي يحتاج الى حدود، أي بكلام آخر يحتاج للتمييز بين من يُعتبروا مواطنيه ومن ليسوا كذلك. انها بالذات خاصية اية نظرة سياسية، ذاك انه خلافاً لوجهة النظر الانسانية التي تُصاغ باسم كل البشر، فإن وجهة النظر السياسية تتعلق دوماً بجماعة، او بدولة، او بمجموعة دول، او بقوى داخل الدولة، ليس هناك من عمل سياسي دون وجود ارض محددة بالنسبة لاراضي اخرى، ومع ذلك فإن هذا المنظور لايتعارض مع الموقف الشمولي والانساني، حين يكون المرء مضيافاً او كريماً او عطوفاً ازاء الاجانب، فذاك لايعني ان يجهل الفرق بين المواطنين والاجانب، ويمكن لوجهتي النظر ان تتكاملا. ان النظرة ذات التوجه الانساني ترسم افقاً وتضع رادعاً للنظرة السياسية: هناك حدود لايجب على اية مصلحة عليا للدولة ان تتخطاها ابداً.من ناحيته يحتاج العمل الانساني لاطار سياسي، ولا تصبح حقوق الانسان حقيقة ملموسة الا حين تتولى الدول بالذات مهمة الدفاع عنها، أي بكلام آخر حين تصبح ايضاً حقوقاً سياسية.

لقد سبق ورأينا ذلك: ان الحدود، أكانت حدود امة او حدود الاتحاد الاوربي، تبقى حاجة لاغنى عنها. وكذلك “الهوية” انها بطاقة الوجود التي لولاها سيموت الانسان وحيداً، حسيراً، ذليلاً، تتقاذفه الرطانات الاجنبية في الدنيا والاخرة، وهذا يذكرنا بمخاوف الارجنتيني “خورخي لويس بورخيس” عندما اعلنها في حوار اجري له في اخريات ايامه: (انا لا اريد ان اموت بلغة اجنبية).

ان كل النقود الأدبية وكذلك الثقافية، وجميع الشروح المفاهيمية والتأويلات لاتستطيع ان تستنفد مضمون “الهوية” غير القابل للطعن.

المقبوسات والفوات:-

1.         ان هذا الواقع الذي نرسف في اغلاله ليس واقع يوم واحد، او فئة واحدة من الناس، انما هو واقع صيغ في الماضي، وطبخ على نار هادئة في مطابخ أمهاتنا وجداتنا،انه صناعة تتحدر من الماضي دائماً.

2.         ان ما نطلق عليه “ابستمولوجيا” هو في حقيقة الامر ايديولوجيا، وانه لايوجد شيء من قبيل المعرفة العلمية او المعرفة الموضوعية او المعرفة المحضة، حيث ان كلمة “معرفة” صارت مجرد اسم شــــــرفي للرأي المعلن من جانب اولئك الذين يملكون السلطة، وهذه احدى لعــــنات مابعد الحداثة. ان المهمة الاكثر مصداقية، والاكثر وطنية، وعملية، وانسانية لدمج كل الخبرات بالمعقول الراهني التواصلي تتطلب الانخراط بكل ما من شأنه ان يوصم الثقافة بالثقافي، والسياسة بالسياسي، وهذه هي المهمة الأفضل قبولاً ومعقولية والحاحاً في واقعنا الفوضوي وقد ضاعت في ثناياه التباسات ايديولوجية مستنفدة.

هذا الكلام- قطعاً- غير خاضع للتفكير المنهاجي السائد في تناول العلوم لموضوعاتها.

3.         البرزخ في نظرية محي الدين بن عربي هو:( لما كان البرزخ امراً فاصلاً بين معلوم وغير معلوم، وبين معدوم وموجود، وبين منفي ومثبت، وبين معقول وغير معقول سُمّي برزخاً اصطلاحاً، وهو معقول في نفسه، وليس الا الخيال(…) فالخيال لاموجود ولامعدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولامنفي ولا مثبت) محي الدين بن عربي/ الفتوحات المكية/ القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية/ بدون تأريخ/ ص204 .

وفي مكان آخر يقول محي الدين بن عربي: البرزخ يتوسط- بالوصل والفصل- بين عالم الوحدة (الإلهية) وعالم الكثرة (المخلوقة)، وعالم الكثرة هو عالم المخلوقات والموجودات المتنوعة الأشكال والصور] وبحسب عبارة ابن عربي فان [مافي الخيال (البرزخ) الا مادلّت عليه الكثرة، فمن وقف مع الكثرة كان مع العالم] فصوص الحكم/ تحقيق واعداد: ابو العلا عفيفي/ دار الكتاب العربي- بيروت / د.ت /ج1 – ص104 .

4.         انظر كتاب: الخوف من البرابرة- ماوراء صدام الحضارات/ تزفيتان تودوروف/ت:د. جان ماجد جبور/ منشورات هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث- المجمع الثقافي-(كلمة)/ط1-2009/ص194وما يليـــها.