نزعة الغنيمة التي ركبت العقل السياسي في الرئاسات الثلاث  وبدع العقول المدبّرة للضياعات المالية

341

 

 

 

 قصة الغبار المالي من الهدر إلى الإستدانة

 نزعة الغنيمة التي ركبت العقل السياسي في الرئاسات الثلاث  وبدع العقول المدبّرة للضياعات المالية

عادل سعد

تظل الاستدانة علاجا مؤلما في كل الحسابات ، ليس عندما تتدفق الاموال على المستدينين ، لسد حاجات  معينة تفاقمت بسبب العجز في ميزان مدفوعات ، بل عندما يحين وقت تسديد الديون ضمن الجداول الزمنية  المتفق عليها ،والحال هناك ثلاث انواع من الديون  ، ديون قصيرة الاجل واخرى متوسطة الاجل ، وثالثة طويلة الامد

ويظل حساب كلفة  الديون على اساس  الفترة  الزمنية المخصصة لتسديدها ، فكلما كان موعد تسديدها قصير ومتوسط تكون الفوائد المترتبة عليها ليست عالية اصلا ، وبعكس ذلك  تكون الديون طويلة الامد ذات كلفة فوائد مرتفعة  ، بل يحاول البعض ان يتصورها  ديونا ميتة على اساس قياس الفترة الطويلة التي تسبق  التسديد في حين انها ديون مجحفة في الغالب لأنها تتيح للقارضين املاء شروط  اشد من شروط النوعين الاول والثاني   واستطرادا لهذا التشخيص تعد الديون التي يقدمها صندوق النقد الدولي  اشبه بولائم بنات اوى لحجم ما يرافقها من املاءات بفرض بيئة معينة لصرفها ، وفي المقدمة  ،رفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات  ، بمعنى مضاف ايقاف التدخل الحكومي المساند للشرائح الاجتماعية الفقيرة ، او ذات الدخول المحدودة ،وفتح المجال لسطوة السوق ان تسود  وفق ايقاعات العرض والطلب فحسب ، وبتوضيح اضافي تقليص واجبات الحكومات التي تستدين في مسؤوليات الرعاية الاقتصادية الا في اضعف صورها . واستكمالا لهذه الطبخات المالية ، تخوض الجهات القارضة مفاوضات مرثونية في بعض الاحيان  من اجل ضمان شروطها مسبقا  اما  من خلال جهات ائتمان  ضامنة للتسديد ، او   برهن اصول ثابتة  ، وعندما  يحصل العجز عن التسديد في التوقيتات التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين يعاد جدولة الدين مقابل فوائد اضافية ، وهكذا تتزايد كلفة الديون ويقع المحظور عندما ترتفع خدمة الديون لتكون اعلى من اصول الديون بنسختها الاولية .

لقد حصل ذلك للمكسيك والبرازيل ودول افريقية عديدة واليونان  ، اما النسخةالاحدث فالشاهد ، الحالة اللبنانية  الحالية عندما اوقفت الحكومة  تسديد مستحقات الديون التي عليها  في موعد استحقاقها خلال شهر نيسان 2020  لقد ذهب لبنان ضحية  فخ   جميل ظاهريا يعرف بالهندسة المالية  غذته  اطراف سياسية طائفية فاسدة متحالفة  مع كارتل مصارف وضعت يدها على القروض وسيرتها الى غير وجهتها التنموية المطلوبة ، اي اضعفت الكفاءة  الانتاجية للديون  ولذلك  تكرر  تأجيل التسديد الوضع الذي وفر سيولات مالية تقاسمها فاسدون في سلف ميسرة خصيصا لهم  ، وعندما شعروا ان الفضيخة بدأت تتلملم عليهم دخلوا في سباق مع الزمن في تهريب مدخراتهم البنكية الى خارج البلاد لكي تكون في منأى من اي اصلاح  اقتصادي جاد  استجابة لمطالب التظاهرات والاعتصامات التي انطلقت احتجاجا على تردي الاحوال المعاشية .  ضمن هذه الاجواء المشحونة  طلبت الحكومة  اللبنانية  الدخول في مفاوضات مع الجهات الدائنة لتخفيف  وطأة ما على لبنان من ديون  . ان ظاهرة الديون على الساحة الدولية هي واحدة من اشد القيود التي تحول دون  التنمية البشرية الحقيقة في الدول النامية ، وكذلك في الدول التي تعدت هذه الحالة الى الحالة الناشئة لكنها لم تستطع بعد ان تمسك ارادتها وهي الان تراواح بين الحالين.

لقد تعدت كلفة الديون على الساحة الدولية  خلال الربع القرن الاخير  الفي مليار دولار  ولذلك شهدت السنوات العشر الاخيرة حراكا دوليا لجهات ضغط حقوقية تدعو الى اطفاء الديون التي بذمة الدول الاشد فقرا  ، كما طرحت دول مجموعة البريكس (جنوب افريقيا البرازيل الهند الصين روسيا) مشروع تاسيس بنك دولي يمكن ان تلجأ  اليه الدول الفقيرة للاستدانة منه بشروط ميسرة وليس مجحفة ، كما تأسست بنوك  ذات طابع تعاوني صرف ومن هم التجارب في هذا الميدان مبادرة الاقتصادي البنغالي  محمد يونس خان  الذي نال جائزة نوبل للسلام عام 2006  لما دأب عليه في تقديم  قروض بفوائد طفيفة جدا لصغار المزارعين والفلاحين و قد حققت هذه التجربة الرائدة مردودا تنمويا مهما في المناطق الزراعية هناك حيث انعشت اقتصاديا الالاف من الاسر الفقيرة

ديون العراق

كان لدى العراق  على وفق معلومات توفرت لي ،  واحدا واربعين  مليار دولار  احتياطي نقدي بغطاء الذهب عام  1980 عندما دخل الحرب ضد ايران ، ومع استمرار الحرب ثمان سنوات تبخر هذا الاحتياطي على صفقات السلاح  واثر توقف الحرب عام1988 ترتبت على العراق مديونية خارجية هائلة مع تدهور  مرعب في قيمة الدينار العراقي ،  ثم ازداد الحال المالي للعراق سوءا بعد اجتياحه للكويت .

وفي الوقت الذي توهم فيه  النظام السياسي  انذاك ان اجتياحه لدولة الكويت سيحل ازمته المالية المتفاقمة  حصل العكس تماما ،فقد تدهورت قيمة الدينار العراقي اكثر وترتبت على الخزينة العراقية استحقاقات مالية باهظة جدا بموجب قرارات مجلس الامن الدولي وخضوع العراق الى برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تولت الامم المتحدة الاشراف على تنفيذه وبعد عام 2003  اثر الغزو الامريكي للعراق  دخلت البلاد حيز ما يمكن ان اصطلح عليه الغبار المالي  خلال ادارة مجلس الحكم  الا ان  البنك المركزي بدأ يستعيد بعض عافيته  ترافقا مع اول تشكيل مجلس وزاري اثر اول انتخابات نيابية جرت في العراق على القواعد الطائفية الحصصية بعيوبها الكبيرة المعروفة  وهنا تمددت دشم الفساد الاداري والمالي مع سياسات نقدية لم تأخذ بعين العناية تغذية الرصيد المالي العراقي   رغم تحذيرات خبراء عراقيين من كوارث اقتصادية تنتظر البلاد قد تصل الى اعلان افلاسه تماما اذا استمرت متوالية الفساد والهدر المفتوح للمال العام

  ان ما عمق هذا الهدر ، نزعة الغنيمة التي ركبت العقل السياسي الطائفي والمناطقي في الرئاسات الثلاث وحاشياتها  ، وبدعة مجالس المحافظات ، وتعقد المشهد الامني ، والخصومات المتلاحقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم  وتحضرني  هنا اشارة لوزير التخطيط الاسبق علي غالب بابان عندما حذر من تحول الحكومات المتعاقبة الى جمعيات خيرية لتوزيع الهبات المالية وهو ما حصل بالفعل ، وبتفسير مضاف ان الازمة المالية الحالية هي بأرجل طائفية ومناطقية حصصية ، والسؤال هنا ، هل يستطيع العراق حل عقدته المالية الحالية بالاقتراض ،لقد اشار رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمى الى هذا التوجه في اول اجتماع  للحكومة التي  يرأسها ، ولكي اناقش هذا الموضوع بالمزيد من الدقة  علينا ان نتوقف عند العلل الثمان الاتية :-

العلل العراقية

{ان انتظار تحسن في اسعار النفط  امر في علم الغيب ، بل هناك احتمالات قوية ان تظل اسعاره تراوح بمعدلات واطئة  ولذلك على الحكومة ان تستبعد الوقوع في فخ هذا النوع من الانتظار السائب وبمعنى مضاف ان اي اقتصاد ريعي  لابد ان يقع ضحية متواليات ازمات اقتصادية بنيوية  يحتمه  المنهج  الاحادي الذي يسيره وفق مدخولات الدولار النفطي .

{ ان الميزانيات التشغيلية للدولة العراقية تأكل الان الكثير من الكلف المالية في امتدادت صرف  تصل الى حد الهدر اذا بقيت تلك التوجهات على ماهي عليه من نزف خاصة وان هناك  مشاريع تشغيلية توقفت بسبب انقطاع الامدادات المالية عنها نتيجة الفساد او سوء التخطيط الذي انطلقت على اساسه

{ هناك صرفيات مالية هائلة بل وخارج المألوف تغطي الرئاسات الثلاث ،  رئاسة الجمهورية ، ورئاسة الوزرا ء والوزارات والدوائر التابعة لها ، ورئاسة مجلس النواب والمفوضيات والحلقات الزائدة  ، مرتبات ومكافات ونثريات وتغطية نفقات حاشيات ،وحسب تقديرات منصفة ، ان ماتستنزفه هذه الدوائر الحكومية في الشهر الواحد ينبغي ان يغطي ذات الدوائر في ستت اشهر لو كانت الصرفيات معقولة

{ يعاني الواقع الضريبي العام من التلكوء المدغوم بالفساد حيث تتعرض التقديرات الضريبية على العقارات والمهن والرسوم التجارية لضياعات كثيرة مع نقص عام  في منظومة التنفيذ ، وتخلف متكرر  في التسديد وفق المحسوبيات والشطب المتعمد السنوي ويأخذ هذا الانحراف واقعه المرير في ظاهرة التأجيلات رغم اكتساب بعض الاجراءات الدرجة القطعية  اضافة الى عينات بوجود منافذ حدودية لا تخضع للرقابة

{ شهدت الاعوام العشرة الاخيرة منح سلف وقروض لسياسيين وجماعات حزبية تتمتع بنفوذ كبير ولم تسدد ما بذمتها من هذه القروض لأسباب سرية في اغلبها ، وبالمقابل مازالت القروض الصغيرة المتوسطة تخضع الى اليات معقدة في الاغلب مع ان القروض الصغيرة والمتوسطة اصبحت مصدرا مهما  من المصادر القضاء على البطالة ، وان هذا المصدر  التنموي هو الان اساسا  في العديد من دول العالم بعد ان اجرت تعديلات مهمة على الانظمة المصرفية من اجل شرائح  اجتماعية  ، مهندسين زراعيين واطباء بيطريين  وخريجي معاهد وكليات ومدارس زراعية  ومهنية اخرى .

مشاركة