نريد وطناً – عبد الهادي الحميري

408

زمان جديد

من‭ ‬بين‭ ‬الشعارات‭ ‬التي‭ ‬رددها‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬إنتفاضتهم‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق:‭ ‬

نريد‭ ‬وطناً!

ما‭ ‬ذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬مواطن‭ ‬أريد‭ ‬وطناً؟‭  ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬حباها‭ ‬لله‭ ‬بالخيرات‭ ‬بحدودها‭ ‬الجغرافية‭ ‬المعترف‭ ‬بها‭ ‬وطناً؟

إن‭ ‬الوطن‭ ‬بالفطرة‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬وحوش‭ ‬الغاب‭ ‬يتمثل‭ ‬بأرض‭ ‬معلومة‭ ‬الحدود‭ ‬فالأسد‭ ‬وغيره‭ ‬يعلم‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬بطريقته‭ ‬الخاصة‭ ‬ويا‭ ‬ويل‭ ‬من‭ ‬يتجاوز‭ ‬على‭ ‬إدرار‭ ‬أبو‭ ‬خميس‭ ‬المنثور‭ ‬على‭ ‬كواعب‭ ‬أشجار‭ ‬حدود‭ ‬أرضه،‭ ‬والمجموعات‭ ‬البشرية‭ ‬منذ‭ ‬الأزل‭ ‬تحدد‭ ‬أوطانها‭ ‬وتحارب‭ ‬حتى‭ ‬الموت‭ ‬إن‭ ‬تجاوز‭ ‬قوم‭ ‬عليها‭.‬

إذن‭ ‬الوطن‭ ‬ليس‭ ‬بقعة‭ ‬أرض‭ ‬بحدود‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعراقي‭ ‬المعاصر‭ ‬الذي‭ ‬ذاق‭ ‬الأمرين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭.‬

العراقيون‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬مواطني‭ ‬الدول‭ ‬المبتلات‭ ‬بالفقر‭ ‬وقلة‭ ‬الأمان‭ ‬والكرامة،‭ ‬إقتحموا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬العشر‭ ‬سنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬وبحر‭ ‬إيجة‭ ‬والمحيطات‭ ‬المحيطة‭ ‬بأستراليا‭ ‬وحتى‭ ‬بحر‭ ‬البلطيق‭ ‬في‭ ‬الأصقاع‭ ‬البالغة‭ ‬البرودة‭ ‬شباباً‭ ‬وعوائل‭ ‬يخاطرون‭ ‬بأن‭ ‬تبلعهم‭ ‬أمواج‭ ‬البحر‭ ‬وتأكلهم‭ ‬أسماك‭ ‬القرش،‭ ‬في‭ ‬قوارب‭ ‬المهربين‭ ‬المطاطية‭ ‬المتهرئة‭ ‬والسفن‭ ‬القديمة‭ ‬المستهلكة‭ ‬بحثاً‭ ‬عما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يسمى‭ ‬وطن‭ ‬يمنحهم‭ ‬الفرصة‭ ‬لتوفير‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬والمدرسة‭ ‬الجيدة‭ ‬لأطفالهم‭ ‬ويوفر‭ ‬لهم‭ ‬الأمان‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يؤمنها‭ ‬قانون‭ ‬عادل‭ ‬وقضاء‭ ‬عادل‭ ‬وحكم‭ ‬نزيه‭.‬

كانت‭ ‬آمال‭ ‬العراقيين‭ ‬كبيرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خلصهم‭ ‬الأمريكان‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬لم‭ ‬يتصوروا‭ ‬حتى‭ ‬بالأحلام‭ ‬أنهم‭ ‬سيتخلصون‭ ‬منه‭ ‬ومن‭ ‬بطشه‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬آمال‭ ‬العراقيين‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الأمريكان‭ ‬لإخراج‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬الى‭ ‬عصر‭ ‬الحرية‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬أيضاً‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬العراقيين‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬فترات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬المنافي‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قد‭ ‬تعلموا‭ ‬منها‭ ‬الكثير‭ ‬وجاءوا‭ ‬ليتحفوا‭ ‬بعلمهم‭ ‬وتجربتهم‭ ‬أهلهم‭ ‬الذين‭ ‬أتعبتهم‭ ‬الأيام‭. ‬وكانت‭ ‬صدمة‭ ‬العراقيين‭ ‬كبيرة‭ ‬بسوء‭ ‬إدارة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬للبلاد‭ ‬وصدمتهم‭ ‬أكبر‭ ‬بالكثير‭ ‬ممن‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬الهاربين‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الأمريكيين‭ ‬لحكم‭ ‬البلاد‭.  ‬فمن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬بضيافة‭ ‬دول‭ ‬جوار‭ ‬العراق‭ ‬جاء‭ ‬بثقافتها‭ ‬الشمولية‭ ‬الإسلاموية‭ ‬وخلق‭ ‬الأتباع‭ ‬الذين‭ ‬يتبعونه‭ ‬بدون‭ ‬تفكير‭ ‬وتحايل‭ ‬بهم‭ ‬على‭ ‬صناديق‭ ‬الإقتراع‭ ‬فهم‭ ‬له‭ ‬مصوتون‭ ‬قامت‭ ‬الدنيا‭ ‬أو‭ ‬قعدت‭. ‬ومن‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬البعيدة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تبين‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتعلم‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬شعوبها‭ ‬ونظامها‭ ‬شيء‭ ‬إذ‭ ‬عاش‭ ‬مع‭ ‬رفاقه‭ ‬حياة‭ ‬عزلة‭ ‬إقتصر‭ ‬الاحتكاك‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬على‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬العمل‭ ‬أوالى‭ ‬مكتب‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لسد‭ ‬الرمق‭ ‬والعودة‭ ‬منهما‭ ‬لقضاء‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬نقاش،‭ ‬هل‭ ‬يتم‭ ‬التشطيف‭ ‬بالماء‭ ‬وحده‭ ‬أم‭ ‬بالخرقة‭ ‬وحدها‭ ‬أم‭ ‬بالماء‭ ‬والخرقة؟‭ ‬والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬عندما‭ ‬استلم‭ ‬المناصب‭ ‬قام‭ ‬بتعويض‭ ‬النفس‭ ‬عن‭ ‬أيام‭ ‬العوز‭ ‬والكفاف‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬والنتيجة‭ ‬كانت‭ ‬إدارات‭ ‬متخلفة‭ ‬شجعت‭ ‬الجهل‭ ‬ونشرت‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البلاد‭ ‬وطولها‭ ‬وطينت‭ ‬عيشة‭ ‬الشعب‭ ‬وجاء‭ ‬دور‭ ‬شباب‭ ‬وعوائل‭ ‬الذين‭ ‬صمدوا‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أيام‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬أن‭ ‬يبحثوا‭ ‬عن‭ ‬وطن‭.‬

مشاركة