نديم الياسين: صدام أرسل من خلالي رسالة تهديد إلى مدير السجن فكفّ عن إيذاء المعتقلين

1227

{ صدام حسين طلب من نديم الياسين ومحمد سعيد الصحاف تأسيس مكتبة داخل السجن رقم 1

{ إجبار صدام حسين على الرقود في سرير صلب لمدة شهر كامل

{ حماد شهاب يرفض انقلاب 17 تموز فيتعهد له صدام بحفظ كرامة عبد الرحمن عارف وصرف

استحقاقاته التقاعدية

{ صدام وضع خطة سرية للهرب من السجن لكنه عدل عنها وألغاها قبل تنفيذها بأيام قليلة

{ ندوة ثقافية يعقدها صدام حسين داخل سجنه ويتحدث فيها عن منح الأكراد الحكم الذاتي

رئيس المراسم في عهد صدام يروي ما جرى في مذكرات 8-8

نديم الياسين: صدام أرسل من خلالي رسالة تهديد إلى مدير السجن فكفّ عن إيذاء المعتقلين

السجن رقم (1) معروف أنه أشد السجون وأقساها وأمرّها في العراق، وعادة ما يحتجز فيه العسكريون المتهمون بقضايا أمن الدولة (التآمر لقلب نظام الحكم).

يقول مؤلف كتاب (40 عاماً مع صدام حسين) الدكتور نديم أحمد الياسين: ما إن استقر بنا المقام في السجن رقم (1) حتى أخذت الإجراءات الشديدة تفرض علينا من آمر السجن وحرماننا من الاختلاط وفتح كل زنزانة، في توقيت معين، للذهاب إلى الحمامات، ومنع الصحف والكتب، كما منعت عائلاتنا من زيارتنا، إلى غير ذلك من الأوامر القاسية والمضايقات الشديدة، والموانع الثقيلة، وقد علمنا من بعض الحراس أن آمر السجن ضابط موصلي اسمه “علي الأشقر”، وقد أسعفتني ذاكرتي، وأنا أردد هذا الاسم، فذكرت أنني قابلت هذا الشخص في العام 1956 في معسكر الجيش بمدينة أربيل، إذ كان هو الضابط الخافر في الليلة، التي تم نقلي فيها من الموصل مخفوراً، في الطريق إلى معسكر رواندوز، حيث تم جمع الطلبة المفصولين دراسياً من جميع أنحاء العراق، بعد انتفاضة العام 1956  التي قامت في العراق إثر العدوان الثلاثي على مصر، وسوق الطلبة المنتفضين بصفة مجندين في الجيش.

سلام الشماع

صدام يرعب الأشقر

ذكر الياسين ذلك لـ”صدام حسين”، الذي كان منزعجاً ومتبرماً من سلوك “علي الأشقر” وموقفه أزاء البعثيين، وخلال أوقات خروج أفراد الزنزانة التي كان فيها الياسين، في ساعة التمشي، اقترب الياسين، مرة، من زنزانة “صدام” وأبلغه بذلك، فقال له صدام حسين: “ما دمت تذكره وأنت موصلي أيضاً، فأطلب مقابلته، وأبلغه عن لساني ما يأتي: (أنت تعلم يا سيد علي الأشقر، أننا متهمون بالتآمر لقلب نظام الحكم، وعقوبة ذلك الإعدام فإذا كنا لا نخشى ولا نهاب ذلك فكيف لنا أن نخشاك ونهابك أنت ونصبر على إيذائك لنا، لابد وأنك حريص على نفسك وعائلتك ومستقبلك، إذن لتراجع سلوكك معنا، وتكفّ عن إجراءاتك التعسفية والتضييق علينا)، وفعلاً قدم الياسين طلباً لمقابلة مدير السجن علي الأشقر، الذي استجاب بسرعة، ربّما ظناً منه أن لديه ما يبوح به، وعندما تم إدخاله إلى مكتبه، طلب منه الجلوس، منادياً حارسه لجلب الشاي، فبادره الياسين: (هل تذكرني؟)، أجاب الأشقر بالنفي، فسرد له حادثة مروره بمعسكر أربيل، ليلة كان هو الضابط الخافر وكيف اعتنى به، وخصص له غرفة ضابط، بالإضافة إلى وجبات الطعام تلك الليلة وصباح اليوم الثاني، حيث تم تسفيره بعدها إلى راوندوز، لاحظ الياسين أن الأشقر يجاهد لتذكر ذلك الحادث، وقد مضى عليه ثمان سنوات، ويبدو أنه تذكر بعضاً منه فابتسم، وسأله: أنت من الموصل؟، أجابه نعم.. فأضاف: خير.. ماذا عندك هل عندك معلومات أو تريد أن تقدم “براءة” من حزب البعث؟، أجباه الياسين: لا هذا ولا ذاك، أنا طلبت المقابلة لأنقل لك رسالة من “صدام”.

لاحظ الياسين أن ذكره لهذا الاسم، جعل الأشقر يقف لا شعورياً ويغادر كرسيّه، وأجابه بشيء من الانفعال: (ما هي الرسالة.. ماذا يريد؟).

نقل الياسين الرسالة الشفهية إلى مدير السجن بحذافيرها، فعاد مدير السجن وجلس على كرسيه ليرتشف ما تبقى من شاي في كأسه وبدا عليه شيء من الارتجاف في يده وشفتيه، وبعد صمت قصير، أجابه: “وصلت الرسالة”، ونادى على الحارس لكي يعيده إلى السجن ففعل، وأبلغ الياسين “صدام” بما جرى، من وراء قضبان زنزانته، قبل أن يدخله الحراس إلى زنزانته..

لاحظ المعتقلون، في اليوم الثاني، أن ثمة تخفيفاً للإجراءات بدأ يسري، مثل فتح زنزانتين في وقت واحد، وزيادة وقت الراحة والذهاب إلى الحمامات، وفوجئوا، بعد أيام قلائل، بخبر نقل مدير السجن الضابط علي الأشقر إلى مكان آخر، وتعيين ضابط آخر مديراً للسجن بدلاً عنه هو (غازي أحمد الجنابي)، الذي ما إن باشر في وظيفته حتى بدأ بتشديد الإجراءات وكان قاسياً للغاية في تعامله مع المعتقلين، ولكن سرعان ما تم نقل هذا المدير إلى مكان آخر وتعيين مدير جديد هو (غازي عبد الرحمن الجنابي)، الذي بدأ عهداً جديداً من التصرفات الايجابية حيث سمح لجميع الزنزانات بالخروج في وقت واحد إلى باحة القاطع، الواسعة  للتمشي، كما أمر بنصب سماعة راديو في قاطع المعتقلين البعثيين، يتحكم في محطاتها من مكتبه، وقد استفسر المعتقلون منه عن إمكانية تكليف من يشتري لهم بعض الكتب، فوافق على أن لا تكون الكتب سياسية، فوضع المعتقلون قائمة بالكتب، وهي مجموعة من أهم القصص العالمية وأروعها.

صدام” كلف الياسين وزميله في الزنزانة محمد سعيد الصحاف بتنظيم مكتبة بما توفر لديهم من كتب وترتيب استعارة المعتقلين لها، وكان أكثر من أنكب على الاستعارة والقراءة هو “صدام” نفسه، فما كان ينتهي من كتاب حتى يطلب الآخر!

مع المنشقين في زنزانة واحدة

كان في القاطع المجاور للبعثيين من القيادة الشرعية، والمطل على الباحة نفسها مجموعة من البعثيين الذين اعتقلوا، بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 وكانوا جميعاً ينتمون إلى الجناح الذي انشق عن الحزب بقيادة (لجنة تنظيم القطر)، وكانت هذه اللجنة قد عبأت مؤيديها ضد القيادة الشرعية للحزب وركزت بالذات على “صدام” زاعمة أنه شارك في انقلاب تشرين، وأنه قتل بعض البعثيين في هجوم على الإذاعة العراقية يوم الانقلاب، إلى غير ذلك مما كانوا يروجونه.

التخطيط للهرب من السجن

يقول الياسين: في أحد الأيام، وفيما كنا نتمشى في الباحة سمعنا ضجيجاً وأصواتاً عالية من قاطع البعثيين المنشقين، وقد كان بعضهم يحيي “صدام”، من خلال الشبابيك المطلة على الباحة، وخلال دقائق هرع الحراس إلى المكان، وعلمنا، بعد قليل، أن معظم هؤلاء تمردوا على مسؤوليهم وطلبوا نقلهم إلى قاطعنا، وهذا ما حصل، فعلاً، حيث وجه “صدام” بالاعتناء بهم وتوزيعهم بيننا.

يضيف: مرت بعض الأيام على هذا المنوال، إلى أن استدعي يوماً كل من الضباط عدنان شريف ومحمد إسماعيل الويس إلى مقر آمر السجن، وعلمنا أنه تم السماح لأهلهما بزيارتهما، وشاع بيننا أن ذلك تم بوساطة العقيد حماد شهاب، الذي كان آمراً لوحده عسكرية وذا علاقة طيبة بالطبقة الحاكمة، آنذاك، وهو عم عدنان شريف وخال محمد إسماعيل، فكانت تلك الزيارات نافذه جديدة فتحت أمامنا، ويبدو أن “صدام” حاول الإفادة من الزيارات لكل من عدنان ومحمد، فكلف عدنان أن يطلب إلى عائلته تهريب “منشار” صغير خاص لقطع الحديد، وهذا ما حصل، وذلك ما عرفناه، في وقت متأخر، إذ كان “صدام” قد وضع خطة سرية لا يعلم بها إلا عدد قليل من رفاقه، تقضي بكسر بعض قضبان الحديد المطلة على الباحة بوساطة المنشار، ومن ثم الولوج من الفسحة إلى الباحة، والتسلق من إحدى زواياها إلى حيث كانت هناك سدة تفصل معسكر الرشيد عن شارع عام واستخدام البطانيات لتجاوز الأسلاك الشائكة.

كانت الخطة قد نضجت لدى “صدام” ولم يبق على التنفيذ سوى ساعة الصفر في ليلة مظلمة لكن المعتقلين فوجئوا في أحد الصباحات بعدد من الحراس يصلون إلى الباحة والفرحة واضحة عليهم، إذ طلبوا إلى كل من عدنان شريف ومحمد إسماعيل إعداد حاجياتهما للمغادرة، لوصول أمر بإطلاق سراحهما.

عمت الفرحة بين المعتقلين، وبدأوا يتزاحمون على تقبيلهما وتهنئتهما بالحرية، التي حصلا عليها…

غادرا المطلق سراحهما القاطع وهتافات التوديع تلاحقهما إلى أن اختفيا عن الأنظار…

م يمض يوم أو يومان حتى صدرت أوامر جديدة بإطلاق سراح معتقلين آخرين منهم صفاء الفلكي والياسين، مما عزز آمال الجميع، ويبدو أن ذلك دفع “صدام” إلى تأجيل خطة الهروب من السجن، حتى لا ينعكس سلباً على رفاقه مما قد يدفع السلطة إلى إيقاف إجراءات إطلاق سراح من تبقى.

وتوالى إطلاق السراح، وجبة بعد وجبة، ولم يبق في القاطع سوى “صدام” ورفيقاه عضوي القيادة: (عبدالكريم الشيخلي وحسن العامري)، إذ تم نقلهما على عجل إلى قاطع آخر في السجن كان يعتقل فيه بعض الضباط، منذ انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 ومنهم علاء كاظم الجنابي، عبدالسلام الشكرجي، عبدالكريم مصطفى نصرت، وفاضل الجبوري).

ندوة عن الحكم الذاتي

يشير الياسين إلى أن “الرفيق صدام”، وقبل بدء عملية إطلاق سراح بعض المعتقلين، عقد ندوة سياسية وفكرية أدارها في زنزانته، التي اضطر بعض الحاضرين أن يشاركوا فيها واقفين، بسبب ضيق المكان، وكان عنوان الندوة (القضية الكردية والحل الأمثل)، وقد بدأ “صدام” استعراضاً تاريخياً لهذه القضية والمشكلات، التي سببتها للعراق ولوحدة أبنائه، وخلص إلى القول إن الحل الأمثل لهذه القضية هو (الحكم الذاتي)، وقد فوجئ بعض الحاضرين بهذا الطرح لأنه، وللمرة الأولى، يرد على لسان قيادي بعثي، فيما كانت الأطروحات الحزبية لهذه المسألة تتجه نحو اللامركزية الإدارية والحقوق القومية والشفافية للأكراد، وحينها، أبدى بعض الحاضرين ملاحظاتهم على هذه المسألة، فأسهب “صدام” في شرحه لمعنى الحكم الذاتي وأهميته بالنسبة للشعب الكردي، ولترسيخ الوحدة العراقية، وكان المنطق، الذي استند إليه في هذا الشرح بسيطاً ومقنعاً.

صدام وخطة هروبه من السجن

لم تكن عملية إطلاق سراح المعتقلين غلقاً للقضية، وإنما أطلق سراحهم بكفالات، وكانت اللجنة التحقيقية قد صنفت المعتقلين إلى وجبات أحالت قضاياهم إلى محكمة أمن الدولة، وكانت الوجبة الأولى تضم أعضاء القيادة: صدام حسين وحسن العامري وعبد الكريم الشيخلي، بالإضافة إلى المكتب العسكري، الذين سبقت الإشارة إليهم، وهم الضباط عدنان شريف ومحمد إسماعيل وعبد سلمان وفارس حسين، كما أن هذه الوجبة تضم المسؤولين عن الأوكار الحزبية والأسلحة، ومنهم طلال الفيصل وحسين محمود وعلي عليان وبهجت شاكر والياسين، وضمت الوجبة الثانية، أعضاء تنظيم فرع بغداد لحزب البعث، فيما ضمت الوجبة الثالثة أعضاء منظمة حنين “الفدائية”.

وقد بدأت المحاكمات للوجبة الأولى أمام محكمة أمن الدولة، وبادر محامون بالعشرات للتطوع دفاعاً عنها، وكان يقود هذا التجمع من المتطوعين المحامي علاء الدين البكري.

يروي الياسين: توالى حضورنا إلى محكمة أمن الدولة، مرات عدة، وكنت في بعضها خارج السجن، وفي بعضها الآخر معتقلاً إذ أثيرت عليّ قضية الوكرين الحزبيين، اللذين لم ينكشفا، وهما وكر عائلة سالم الشكرة والعائلة الموصلية، واللذين تم كشفهما وتردد اسمي خلال التحقيق مع المتهمين فيهما، مما دفعني إلى التوجه إلى الموصل والتخفي فيها أياماً عدة إلى أن نجحت بالتسلل بوساطة “مهربين” إلى سوريا واللجوء فيها، وخلال مدة لجوئي في سوريا، كان حضور “صدام” ومن معه إلى قاعة محكمة أمن الدولة أو اللجنة التحقيقية مستمراً، ولأن الأوضاع السياسية بدأت بالانفراج والتساهل، نوعاً ما، فقد كانت إدارة السجن رقم 1 وفي كل مرة يطلب فيها إرسال صدام ورفيقيه إلى المحكمة تبتعد عن إجراءات وضع القيود في معاصمهم وتكتفي بحارس واحد لاستصحابهم.

خطط “صدام” للإفادة من هذه الفرصة للتخلص من السجن، لكنه تصرف بصبر وعقلانية، حيث كان يعود ورفيقاه إلى السجن على رغم توفر فرص الإفلات، وهذا ما طمأن إدارة السجن والحارس، الذي، عادة، ما يرافقهم، وقد تعوّد “صدام” اصطحاب رفيقيه وحارسهم، كل مرة، بعد انتهاء المهمة في المحكمة أو لجنة التحقيق، إلى شارع أبي نؤاس حيث مطعم “الجندول” لتناول وجبة الغداء هناك.

ولأن الزيارات العائلية والشخصية لهم كانت مستمرة في السجن، فقد رتب “صدام”، خطة جديدة للإفلات من السجن والعمل على لملمة شتات الحزب وتضميد جراحه، وترصين صفوفه وتنظيماته، وهكذا تم وضع الخطة، بالاتفاق مع سعدون شاكر الذي كان طليقاً حيث انتظر بسيارة خاصة قرب مطعم الجندول في أحد أيام استدعاء “صدام” ورفيقيه إلى المحكمة، وكالعادة كان معهم حارس واحد، وتوجهوا، بعد انتهاء المهمة في المحكمة، إلى مطعم الجندول في شارع أبي نواس لتناول وجبة الغداء، وكان الاتفاق هو أن يبقى رفيقهم حسن العامري مع الحارس على طاولة الطعام لتطمينه، فيما يذهب صدام حسين وعبد الكريم الشيخلي إلى المغاسل كالعادة، ولكن، في هذه المرة، كانت الوجهة غير ذلك، ففي لحظات، وفيما كان حسن العامري يشغل الحارس بالحديث توجه صدام وكريم إلى الباب الخلفي للمطعم القريب من المغاسل لينفذا منه إلى حيث ينتظر سعدون شاكر في السيارة، التي انطلقت بعيداً عن ذلك المكان، ما إن استقلاها، وبدأت بذلك مرحلة جديدة من حياة “صدام”، الذي أعاد التماسك والحيوية إلى الحزب، ولكن، هذه المرة، بقيادته الفعلية، وإن سمّت القيادة أحمد حسن البكر أميناً لسرها.

يقول الياسين: لم يعد لي، بعد ذلك، اطلاع مباشر على تحركات “صدام” ونشاطاته إلاّ أنني، من خلال الاجتماعات الموسعة لمكتب الثقافة والإعلام الحزبي، الذي كان نائب مجلس قيادة الثورة “صدام” يترأسه، بعد حين من ثورة 17 تموز 1968  ويعقد اجتماعاته أسبوعياً، كنت ألحّ، في مداخلاتي، على ضرورة توثيق نضال الحزب، قبل ثورة 17 – 30  تموز 1968 وكان “النائب صدام” يرد عليّ بالتريث أحياناً، وبابتسامة صامتة أحياناً أخرى، إلى أن حلّ العام 1976 وكنت، حينها، اشغل منصب مدير الإعلام العام في وزارة الثقافة والإعلام حيث تم الاتصال بي من استعلامات القصر الجمهوري للحضور إلى مبنى الاستعلامات، ووجدت أن الشاعرين كمال الحديثي وعبد الأمير معلة والقاصين موفق خضر وعادل عبد الجبار قد وصلوا قبلي، ولم أستطع، لحظتها، الربط بين وجودهم ووجودي في هذا المكان إلى أن اقلتنا سيارات إلى داخل مجمع القصر الجمهوري وتوقفت أمام دار لا تبعد كثيراً عن القصر، حيث ترجلنا منها، وتم إدخالنا إلى صالة الاستقبال، التي انتظرنا فيها بضعة دقائق حتى قدم إلينا مرافق “صدام” الملازم، حينذاك، أرشيد ياسين ليصافحنا بحميمية مع عبارات الترحيب ودماثة الخلق المعروفة عنه، ويطلب إلينا مرافقته ليقودنا إلى غرفة نوم، كان نائب رئيس مجلس قيادة الثورة “صدام” يتمدد على سرير فيها وهو يرتدي ثوباً عربياً “دشداشة” سمائية اللون، فرحب بنا وصافحنا وجلسنا على الكراسي المحيطة بالسرير والمعدة لنا سلفاً، وقد التفت إلي، قائلاً: (لقد حان الوقت يا رفيق نديم، فأنت كنت ملحاً على موضوع توثيق نضالنا.. وها قد حانت الفرصة، فالأطباء اجبروني على الرقود على هذا السرير الصلب لمدة شهر كامل بسبب آلام فقرات الظهر “الدسك”، وصار بإمكاني التفكير معمقاً بمقترحك).

من حكايات التمهيد للثورة

روى “صدام”، في ذلك اللقاء، حكاية أخرى عن فشل إقناع العميد حماد شهاب بالمشاركة في ثورة 17 – 30 تموز 1968 فقد كانت القيادة القطرية قد كلفت أحمد حسن البكر أمين سر القيادة القطرية، حينذاك، في خضم إعداد الخطط لتلك الثورة، أن يلتقي حماد شهاب، وكان يقود وحدة عسكرية مهمة، هي اللواء العاشر المدرع المتمركز في محافظة الانبار، غرب بغداد وليس بعيداً عنها، وكان هذا اللواء يضمّ عدداً من الضباط البعثيين، ويبدو أن البكر لم ينجح في إقناع حماد شهاب بالمشاركة، فدعا البكر إلى اجتماع للقيادة القطرية، وأبلغها بذلك.

يقول صدام حسين إنه، بعد أن فرغ البكر من حديثه، طلب من البكر والقيادة إعطاءه فرصة لقاء حماد شهاب والحديث معه عن الموضوع كمحاولة ثانية لإقناعه، فوافق أعضاء القيادة، وتوجه صدام إلى حيث يقيم حماد شهاب، والتقاه، وطرح عليه موضوع المشاركة مجدداً، فرفض، في البداية، أن يسهم في الثورة على النظام القائم، آنذاك، بسبب علاقاته الحميمة برئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف، والعهد الذي قطعه له بالإخلاص والولاء.

الاسباب الموجبة

يضيف صدام أنه بدأ يشرح لحماد شهاب الأسباب الموجبة للثورة، من الفساد المتفشي في جهاز الدولة إلى التكتلات العسكرية المتصارعة الطامعة في الحكم، والمحاولات المتعددة، التي جرت للانقلاب على النظام القائم، وانتشار شبكات التجسس في العراق، بما فيها الإسرائيلية والوضع الاقتصادي المتردي، وهيمنة شركات النفط الأجنبية على ثروات العراق الرئيسة مؤكداً له أن عدداً من الكتل العسكرية المشبوهة تعد للإطاحة بالنظام مما قد يدفع العراق إلى مصير مجهول، بل إلى الهاوية.

يواصل صدام أن حماد شهاب أصغى، بانتباه شديد، إلى شرحه، وبعد تأمل طلب من صدام، أن تساعده قيادة الحزب على احترام عهده لعبد الرحمن عارف بأن لا يمس بسوء، وأن تُحفظ كرامته، وأن يُسفّر إلى البلد، الذي يختاره ليعيش وأسرته باطمئنان، وأن تتكفل حكومة الثورة بصرف استحقاقاته التقاعدية.

ويؤكد صدام أنه أقسم لحماد شهاب أن تحترم رغبته هذه، وأن الثورة، بعد نجاحها، لن تمس عبد الرحمن عارف بأي سوء وستعامله بشرف واحترام، وهكذا وافق حماد شهاب قائد اللواء العاشر المدرع، على المشاركة الفعلية في تنفيذ الثورة، حيث وضعت القـــــــيادة خطة الثورة وضمنتها مشــــــاركة اللواء العاشر الذي يقوده حماد شهاب.

وقد التزم صدام والقيادة بالوعد، الذي قُطع للعميد حماد شهاب، وعومل عبد الرحمن عارف، بعد نجاح الثورة واستسلامه في القصر الجمهوري، معاملة لائقة، إذ خصصت له طائرة عسكرية خاصة أقلته إلى مدينة اسطنبول في تركيا حسب رغبته، حيث أقام وعائلته هناك.

انتهى

مشاركة