ندوب على لحاء الإنتظار

624

قصة قصيرة

ندوب على لحاء الإنتظار

محمد الكاظم

لم أره شخصياً، لأنني ولدت بعد موته بشهرين، لكنها تردد دائماً ان أبي كان رجلاً طويلاً وضخماً ومهيباً يرتدي عقالاً شطريّاً و(چماغ) بنقاط سوداء داكنة، وكان الكل يهابه. تقول إنه كان أطول رجال العشيرة، وأنها كانت تميزه من بين الاف الرجال فهو الأطول والأكثر هيبة بينهم، قالت أيضاً انهم ماتوا اثناء محاولة قتله، وأنهم تكاثروا عليه وصلبوه على عمود وأطلقوا عليه النار، لكنه أطلق النار عليهم وقتلهم. ماتوا جميعاً، لكنه لوحده صعد الى السماء بإرادته، شيعت جنازته بالكثير من الخوف، وأجبروا أمي على دفع ثمن الرصاص الذي أطلق عليه، واستمروا بمراقبتنا، لكنها لم تصدق موته فهو يحمل خرزه تقيه من الرصاص. وتمائم تمنع عنه الموت، ثم ادعت بعد سنوات من الوحدة انه عاد حاملاً بندقيته على كتفه وأعترف لها بأنه لم يمت، حرصت أمي على ألا أراه، لكنها كانت تصر على انه مازال حياً. وأنه سيظهر في الوقت المناسب. وأوصتني بالحفاظ على بندقيته التي تركها عندها.

لم يكن في كوخنا الذي نسكنه انا وامي من طعام غير الصبر والانتظار ورائحة أبي، وبندقيته الكلاشنكوف الصدئة.

كثيرا ما كانت تسألني في المساء: هل احكي لك قصة؟

لم تكن مهتمة بأن تكون الإجابة نعم او لا، فهي ستروي في كل حال من الأحوال قصة فارسها الطويل الذي نزل ذات يوم من فرسه وأمسك بأصابعه جديلتها حينما كانت صبية، فعرف كل أهل القرية انه يشتهيها، فلم يخطبها أحد منهم حينما كبرت خوفا منه، حتى تقدم هو لخطبتها. قبل نهاية الحكاية كانت تقول عرضاً دون اهتمام كبير

– حتى لو قتلوه، سيعود يوماً ما.

حينما تريد ان تنام كانت تخاطب جميع من تعرفهم من الموتى وتشكو لهم قليلاً وتوصيهم ببعض الأشياء ثم تستأذنهم وتنام، لكنها لم تكن تستأذنه فهي مقتنعة بشكل ما انه لم يمت وأنه سيعود ليمسك بجديلتها مرة اخرى. وكانت تحلم به عائداً على حصان أدهم تتبعه كتيبة من الخيالة، ليملأ القرية خيراً وخبزاً بعدما امتلأت بالجوع والقسوة.

كانت أمي مشغولة اغلب الوقت في خيالاتها وانتظارها المقدس، وكانت تغرق لسنوات في غيبوبة طويلة لا تعرف فيها احداً غير خيال فارسها المصلوب الذي سيأتي على فحل أدهم فاحم السواد، ولم يكن في البيت غير بندقية الكلاشنكوف، والصبر.

كنت أحدث بندقية أبي أغلب الوقت.

الكلاشنكوف الصديقة التي اعتدت عليها مثل قطة المنزل، وحفظت اسمها مثلما حفظت أسماء الاولياء، أتذكر صوت اطلاقاتها مثلما اتذكر اسمي، وأعرف رائحة حديدها المغسول بالكاز مثلما أعرف رائحة فتاة أحبها، وأحفظ ملمسها الغامض مثلما أحفظ ملمس جلدي، وأعرف كيف أدخل ترباسها في بيته مثلما أضاجع امرأة وانا مغمض العينين، وأعرف كيف أضع غطاء البدن على حجرة الاطلاق دون تركيز مثلما ارتدي ملابسي الداخلية، وأعرف خطوط خشب الأخمص مثلما اعرف خطوط يدي.

في الماضي كانت الكلاشنكوف الروسية تحوي ثقبا في أخمصها الخشبي خبأت الشركة الروسية فيه قطعه قماش وسلكاً ملفوفا للتنظيف، ومع استمرار الحروب صار الاخمص بلاستيكياً، واختفى الثقب أسفل الأخمص، وصارت الكلاشنكوف رومانية ومصرية وعراقية وصينية

كنا نتعامل مع الكلاشنكوف المصرية كحصان هجين، لأنها كانت مزودة بقبضة إضافية لتسهيل الإمساك بها، وأطلق عليها البعض اسم بنادق البنات وكان تسليم المجند بندقية مصرية الصناعة يثير سخرية رفاقه، ويعتبر المجند ذلك طعناً في رجولته.

عمد البعض على قص المقبض الثاني ليعيد للكلاشنكوف هيبتها، قص البظر الخشبي للكلاشنكوف يجعل منها جديرة بالرجال، وختان البندقية يطهرها ويرفعها الى مراتب البنادق التي ترفع الرأس وتسترجع الرجولة التي خنثتها المدافع النمساوية وطائرات F16

لقد ألِفنا الكلاشنكوف حتى صارت جزءًا منا، لم يعد أحد ينظر لها على انها آلة للقتل، بل صديقاً، وطريقة لأخذ ثأر الآباء المغدورين، وثروة منزلية يمكن ان تباع إذا ما أحتاج صاحبها لثمنها وكانت صديقاً وفياً وضماناً ممتازاً،

في العادة يشتري الناس ذهباً ليضمنوا تقلبات الزمن، لكن إذا ما نشبت اية حرب اخرى من الذي سيشتري الذهب؟ كان الضمان في البندقية، فهي آلة المرحلة القادمة التي تتغذى على الدم. وهي الوسيلة الوحيدة لاستعادة الإباء إذا ما يئست الأمهات من الانتظار.

لم اتعلم شيئا في حياتي سوى الصبر وحب البنادق، والذين أدمنوا حشيشة الصبر في هذه الحياة يتحولون الى جنود في العادة، لذلك أصبحت جندياً، شغلتني الحروب كثيراً واستهلكت سنوات عمري، فنسيتُ أمي وانشغلت عن انتظارها لفارسها الملهم بالبحث في الأرض الحرام عن فرصة للنجاة، وتركتها تعيش لوحدها تأكل من ماعون الصبر الأثير الذي يضع فيه الجيران بعض الخبز، ولا يسليها شيء سوى انتظار عودة أحدنا. انا أو أبي.

ذات مرة كنت عائداً مشياً على الأقدام بعد ان خسرنا حرباً أخرى، وجدتها في حالة سيئة، واكتشفت انها أصبحت عجوزاً متهالكة، أصبحت نحيفة وسقطت أسنانها وتدلى ثدياها حتى وصلا الى سرتها، وأصبحت تبول في ثيابها، وخشن صوتها حتى صار مثل صوت جرار غرزت قوائمه في الطين، كان العرق يرسم خطوطا ملحية على ثوبها العتيق الذي لم ترتد غيره، كانت تسميه ثوب الصبر، لكنه هذه المرة كان ممزقاً لدرجة انه لم يخف شعر ابطيها. أقلعت عن الكلام وأكتفت بمراقبة حلم يمر أمام عيونها بهدوء وهي تغمس أنفها في علبة جبن زرقاء مملوءة بالنشوق، تأخذ بأنفها شفطة من سائل أسود، ثم تتمخط وتنظر الى الفراغ. كنت أبكي وانا اراقب قطرات النشوق وهي تخرج من فتحة انفها التي كانت فيما مضى مكانا تتعلق فيه خزّامة ذهبية فيها فص فيروز رضويّ.

 فجأة تصاعد الضجيج وأرتفع الصخب أمام باب الكوخ، فرفعت أمي أذنيها مثل أرنب بري مستنفر. قالت لي هل تسمع الصهيل؟ انه الحصان الادهم. غزا جسدها النشاط فهبت واقفة لتسابقني الى الباب. كانت هناك سيارات سوداء ضخمة كثيرة تتوقف أمام الباب لينزل منها رجال مسلحون يضعون جعب عتاد على صدورهم، دخل بعضهم ليفتش البيت، فوجد أحدهم بندقية أبي فأخذها ولم نجرؤ على الاعتراض بعد أن قالوا إنهم سيأخذونها لأغراض أمنية. لم تكترث إمي للبندقية، وسمعتها وهي تقول إنها كانت تشعر بأن أبي سيعود اليوم، وإن الانتظار سينتهي. وستمتلئ القرية بالطحين ونعمة الله بعد ان امتلأت بالقيح والخراء، وأخذت تبحث في وجوه الرجال عن شخص ما. نزل صحفيون من السيارات السوداء ووضعوا كاميرتهم وانشغلوا بتصوير المشهد، ثم نزل رجال أنيقون كثيرون من السيارات ببدلات رسمية، يتقدمهم رجل قصير مثل (تَنَكة) بابتسامة جميلة ووجه طفولي، كان رأسه يشبه كرة قدم مثالية الاستدارة، بلا أي استطالة او نتوءات او زوائد، صلعة كبيرة ووجه دائري ممتلئ وذقن شحمي أكمل استدارة تلك الكرة. كان الرأس مركباً على جسد كروي مثالي الاستدارة أيضا، بطن كبيرة يعلوها ثديان دائريان، وأليتين منتفختين مثل كرتين مع انتفاخ يملأ المسافة بين السرة وسحاب البنطلون، فبدأ كأنه وضع كرة قدم أخرى تحت سحاب بنطلونه. كانت مجموعة الكرات تلك تتحرك على قدمين ممتلئتين قصيرتين، وسط العشرات من المساعدين والحرس الشخصي.

قبل أن يدخل الرجل الكروي القصير الى كوخنا انسَلَت بنطلونه الى الأسفل فرفعه الى الأعلى بحركة مضحكة لم تخف عن عيون الكاميرات، ثم دخل ليتحدث معنا بلهجة طفل مترف يلثغ ببعض الحروف قائلا انه يريد منا ان نصوت له في الانتخابات القادمة، وأعطانا بطاقة فيها صورته ثم مضى تاركاً لنا بطانية وكيساً من مسحوق الغسيل.

مشاركة