نحو تعزيز النموذج الحقوقي للإعاقة –  حازم صافي عودة

نحو تعزيز النموذج الحقوقي للإعاقة –  حازم صافي عودة

يمكن القول ان من اهم العتبات الجوهرية في نص الاتفاقية الدولية لحقوق الاشخاص ذوي الاعاقة ( CRPD ) هي تأكيدها الملفت على اشكالية مهمة تتلخص في : ان مفهوم الاعاقة هو مفهوم متغير ولا يتسم بالثبات والجمود , ولعل هذا الامر يبدو مفهوما حينما نراقب التغيير الذي طرأ على تصور البنية المجتمعية لمفهوم الاعاقة خلال الثلاثين عاما المنصرمة , فبينما كانت الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية في مختلف اصقاع العالم تراهن بشكل حاسم على النموذج الطبي للإعاقة , والذي يعتبر الشخص من ذوي الاعاقة شخصاً مريضاً بحاجة ماسة الى انظمة الرعاية الصحية والاغاثية ذات الطابع الانساني / الرعائي , اصبحنا الان في مواجهة مفهوم جديد للإعاقة يراهن على اعتماد ما يسمى بالنموذج الحقوقي للإعاقة وهو الفهم الذي يبني طروحاته على اساس القراءة الاجتماعية والقانونية لجميع القضايا التي تتعلق بشؤون ذوي الاعاقة وحقوقهم .

  يرى رواد النموذج الحقوقي للإعاقة ان الاعاقة هي نتاج للتفاعل بين ذوي الاعاقة والحواجز التي يمكن ان تواجههم , وكذلك مع البيئة التي تعوق مشاركتهم الكاملة والفعالة في الانشطة المجتمعية المختلفة على قدم المساواة مع الاخرين , وبعبارة اخرى فان العوائق التي تعترض جهود ذوي الاعاقة في الوصول الى تحقيق المساواة مع الاخرين هي نتيجة حتمية للتصورات الاجتماعية السلبية والبيئات الاجتماعية المعطلة التي يصعب عليهم التعامل معها او تخطيها , والتي يمكن ان ينتج عنها انماطاً سلوكية سلبية تجاه ذوي الإعاقة، قد تتمظهر في بعض الاحيان , على شكل سلوكيات تتسم بنوع من العدوانية والتنمر , والميل الى محاولة اقصاء ذوي الاعاقة من جميع مظاهر الفعاليات المجتمعية ذات الطابع التشاركي .

ولعل من ابرز الحجج التي يسوقها الباحثون الاجتماعيون الذين يروجون لدعم وتسويق مفهوم النموذج الحقوقي للإعاقة , هي ان الفهم الطبي للإعاقة , قد ساهم ولعقود طويلة في انتاج وتسويق صورة نمطية سلبية عن الشخص من ذوي الاعاقة الذي تم تقديمه للمجتمع على انه شخص مصحوب بعلة او مرض , وبالتالي فانه لابد من ان يكون بحاجة حصرية الى الرعاية الطبية /السريرية , وهو الامر الذي القى بظلاله الكثيفة على الجهود التشريعية التي تعاملت مع قضايا ذوي الاعاقة , حيث نراها مزدانة لمصطلحات  الرعاية والاغاثة وسد الاحتياجات الطبية من المستلزمات الدوائية واجهزة الاعانة والمساندة , ناهيك عن صياغة الترتيبات الطبية لتشخيص الاعاقة دون اخذ المنطلقات النفسية والاجتماعية والخصائص الشخصية بنظر الاعتبار , حيث يرى اصحاب المفهوم الحقوقي للإعاقة ان التعاطي الطبي الحصري مع الاعاقة , قد ساهم وبشكل منظم في حرمان مئات الملايين من الاشخاص ذوي الاعاقة من امتلاك فرص حقيقية للمساهمة في صياغة القرارات والتصورات عن الحياة التي يمكن ان تناسبهم إضافة الى حرمانهم من صناعة القرارات التي تتعلق بمصيرهم ومستقبلهم . استنادا على ما سبق , فان المفهوم الحقوقي للإعاقة والذي يرى العدالة في متناول الجميع والمنظمات المهتمة بشؤون ذوي الاعاقة الشريكة له , بانه المفهوم الذي سيولد مساحات مهمة من التفهم المجتمعي السليم والمعافى للإعاقة , وهو الامر الذي سيساعد المشرعين وصناع القوانين في مختلف انحاء العالم على حيازة فرص لتثبيت حقوق ذوي الاعاقة وصياغتها وفق منظور قانوني بحت ، وابعادها عن مجرد كونها منحاً وهبات انسانية تعطى لافراد مرضى وفقراء بحاجة دائما للمساعدة .

مشاركة