
نحو برنامج حكومي واقعي لمعالجة الوضع الراهن – وصال العزاوي
مما لاشك فيه القول ان البرنامج الحكومي لاي دولة هو بمثابة خارطة طريق ونجاة وهي بمثابة الوثيقة السياسية والدستورية التي تحدد المبادىء والسياسات للحكومة في ادارة الدولة ، وفي هذه الورقة سنناقش فرضيات تساؤلية حول البرنامج الحكومي انموذج العراق : اين فشل النظام بعد 2003 ؟ ولماذا فشلت كل محاولات الاصلاح ؟ هل تم تطبيق البرامج الحكومية خلال الحكومات المتعاقبة ؟ لماذا البرامج الحكومية لم تطبق وتصطدم دائما بجدار صلب ؟ ماذا يمكن اصلاحه فعلا ؟ ماذا لا يمكن المساس به مرحليا ؟ كيف يمكن صياغة برنامج حكومي لايصطدم بأنهيار الدولة ؟
تحقيق اهداف
المنهاج الحكومي ( الوزاري ) هو الرؤية السياسية العامة التي يقدمها رئيس الوزراء للبرلمان ، يحدد مبادئه واهدافه الكبرى للحكم ، بينما البرنامج الحكومي هو التنفيذ التفصيلي لهذا البرنامج ، يضم المشاريع والخدمات والآليات لتحقيق تلك الاهداف على ارض الواقع ، فالمنهاج هو الوعد الاكبر والبرنامج هو الخطة التنفيذية لتنفيذه .
بمعنى اكثر دقة يعتبر المنهاج الحكومي ( الوزاري ) وثيقة سياسية ودستورية تحدد المبادىء والاولويات العامة للحكومة في ادارة الدولة خلال فترة ولايتها ، تقدم لرئيس البرلمان لمناقشتها في المجلس والاتفاق عليها ، تشمل الاهداف الاستراتيجية الكبرى ، الرؤية والسياسات العامة مثل ( تطوير التعليم ، تعزيز الصحة ، النمو الاقتصادي ) ، اما على المستوى السياسي والاستراتيجي يتلخص في فرضية مفادها ( ماذا نريد ان نحقق ) ؟
بينما البرنامج الحكومي فهو مجموعة المشاريع والخدمات والانشطة المحددة التي تشرف عليها او تقدمها الحكومة لتنفيذ المنهاج الوزاري ، ويفصل الخطوات لتحقيق الاهداف ، فهو يركز على الاجراءات التنفيذية ، الميزانيات ، الجداول الزمنية ، والقطاعات المستهدفة ( مثل بناء المستشفيات ، اصلاح طرق ، دعم مشاريع ) اما على المستوى التنفيذي والعملي يتلخص في تحقيق فرضية ( كيف سنحقق الاهداف ) ؟ .
خلاصة القول المنهاج الوزاري هو اعداد ملامح موجزة للحكومة وطرحها على مجلس النواب لنيل الثقة ، ويتبع ذلك ان حصلت الحكومة الجديدة على ثقة النواب يتم تقديم برنامجا حكوميا يتسق ويتماشى مع المنهاج الوزاري ولكنه اكثر تفصيلا ويضم اتجاهات العمل في جميع الوزارات والهيئات الحكومية ، فالبرنامج الحكومي هو خارطة طريق للحكومة والوثيقة الرسمية التي تعبر عن توجهاتها وسياساتها العامة ، ويحدد اولوياتها في ضوء المحددات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية ، وضمن توقيتات زمنية تمتد لاربع سنوات ، ويجب ان يقدم البرنامج الحكومي خلال الايام ( 100 ) الاولى من عمر الحكومة ليكون خارطة طريق للحكومة من جهة واداة للرقابة والمحاسبة من قبل مجلس النواب من جهة اخرى .
والسؤال الذي يطرح بعد هذه المقدمة : كيف سيبنى هيكل الدراسة في حالة الانموذج العراقي ؟
اولا : القاعدة الحاكمة (الدولة) مركز القرار – قبل اي برنامج – يسأل خمسة اسئلة : مالذي يهدد بقاء الدولة ؟ من يملك القوة الحقيقية على الارض ؟ مالذي يمكن تغييره دون تفجير النظام ؟ مالذي يجب تأجيله وليس الغاءه ؟ كيف نكسب الوقت ونمنع الانهيار ؟
ثانيا : التشخيص السيادي المختصر ( غير المعلن ) ويتمثل في مايلي :
1* طبيعة الازمة ، العراق ليس دولة فاشلة ، بل دولة معطلة عمدا ، النظام السياسي الحالي لاينتج حوكمة ، بل يدير توازن قوى ، فأي محاولة اصلاح جذري سريع معناه انتحار سياسي .
2* التهديد الحقيقي ليس الفساد ولا الطائفية فقط ، بل : ازدواج القرار والسيادة ( قرار رسمي + قرار مواز مسلح / حزبي / خارجي) .
3* موازين القوى ( كما تكتب في الملفات السرية ) :
الداخل ويضم ( البيت الشيعي : (تهميش الدولة + قوة السلاح غير الرسمي )
( البيت السني : ضعف سياسي + نفوذ محلي )
( البيت الكردي : شراكة مشروطة + ورقة الاقتصاد والنفط ) .
الخارج ويضم الدول الاقليمية غير العربية ( تركيا + ايران ) والعربية + المنظومة الغربية الاوربية والامريكية وجميعها تدور مصالحها حول تحقيق فرضية : عراق غير معاد وغير قوي ، عراق مستقرا بلا فوضى ، عراقا سوقا لا منافسا ، بمعنى لا احد يريد انهيار العراق ، ولا احد يريد عراقا قويا مستقلا بالكامل . وهنا تصمم السياسة .
4* اذن عند تصميم فلسفة البرنامج الحكومي ( بمنطق الدولة ) ليس : تفكيك شامل / مواجهة مباشرة / شعارات سيادة فارغة ….. بل : ادارة ذكية للصراع تحييد الخصوم بدل كسرهم ، اعادة الدولة كمنظم للمصالح .
5* البرنامج الحكومي السيادي ( النسخة الواقعية ) وتضم المحاور التالية :
المحور الاول : اعادة تعريف الدولة ، بمعنى الدولة هي المنظم + ضابط + موزع ، مهمتها وقف تمدد الفوضى بدل محاولة فرض السيطرة الكاملة اي حصر « القرار السيادي « تدريجيا ( مال / امن / سياسة خارجية ).
المحور الثاني : الاقتصاد كأداة تهدئة ، الوظيفة ليست رفاهية ، بل اداة استقرار . مشاريع سريعة الاثر ( خدمات / اسكان / طاقة ) واخيرا شراء الوقت الاجتماعي لا الوعود .
دمج وظيفي
المحور الثالث : الامن بلا صدام ، لا تفكيك فجائي للفصائل والعشائر المسلحة واي تنظيم خارج الدولة الرسمي بل دمج وظيفي + تجفيف ادوار + ضبط حركة … هنا الدولة تستعيد التحكم لا الاحتكار فورا .
المحور الرابع : ادارة الشارع لا قمعه ، المطلوب : تفريغ – احتواء – توجيه … لا تكرار لسيناريو الصدام المفتوح .
6* سيناريوهات تقدم لصانع القرار :
سيناريو الدولة الوظيفية : استقرار هش لكنه قابل للادارة ، اصلاح بطيء + دولة حاضرة .
سيناريو الجمود : لا انهيار ولا اصلاح تآكل طويل الامد .
سيناريو الصدمة : صدام سياسي / اجتماعي / انهيار السيطرة .
اذن نحن نحتاج لتصميم برنامج يمنع السيناريو الاخير الصدمة والانهيار ، ولا نطمح لبرنامج يحقق المدينة الفاضلة ، ولكن نطمح ان يكون البرنامج الحكومي جريئا اصلاحيا ( يواجه مراكز النفوذ مباشرة ) برنامج براغماتيا واقعيا ( اصلاح تدريجي ضمن الممكن ) والافضل ان يكون مزيجا بين الاثنين جريئا اصلاحيا براغماتيا واقعيا .
في العراق نحتاج عقل دولة تحاول البقاء ، هو العقل الذي لايبحث عن الكمال ، لايرفع شعارات لايستطيع حمايتها ، لايخوض معارك لا يملك ادواتها ويعرف ان النجاة احيانا هي اعلى درجات الحكمة السياسية .
لماذا استخدمنا مصطلح عقل الدولة التي تحاول البقاء ؟ عقل يوازن بين الشرعية والقوة ، بين الداخل والخارج ، بين الممكن والضروري.
في الحالة العراقية تحديدا هذا العقل يفهم ان : السيادة ليست قرارا واحدا بل عملية طويلة ، الدولة لا تستعيد هيبتها دفعة واحدة بل قطعة قطعة ، الخصوم لا يلغون بل يعاد ترتيبهم ، الوقت مورد سياسي ثمين لا ترف ورفاهية .
فالوثيقة او البرنامج الذي تتبناه الدولة يجب ان تخلو من الوعود والشعارات ، بل مليئة بقرارات قابلة للدفاع عنها ، تشرح لماذا نؤجل هذا وننفذ ذاك ، تقرأ في مكتب مسؤول لا في ندوة ، وثيقة لا تهدف الى بناء دولة على ورق بل الى منع انهيار الدولة وتهيئة شروط اصلاحها حين تسمح موازين القوة بذلك ، قرارات لا تعلن ولكن تنفذ برنامجا يخاطب الداخل والخارج ويؤكد بأننا لا نكتب نصا نحن نبني منطق حكم .
واخيرا وليس آخرا في الحالة العراقية يجب ان يكون البرنامج الحكومي واقعي مبني على تحليل حديث للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني في البلد ، مع اقتراحات عملية يمكن ان تشكل اساسا لسياسات او برامج تنفيذية ، وقبل ذلك الاعتراف بأن العراق يواجه ازمة متعددة الابعاد بين هشاشة اقتصادية وسياسية وامنية متشابكة ، فالهدف العام هو تحويل العراق من حالة هشاشة الى دولة مستقرة اقتصاديا ، سياسيا ، وامنيا عبر اصلاحات مؤسسية شاملة ، تنمية اقتصادية مستدامة ، وتماسك اجتماعي ، يمكن تقديم اجراءات مقترحة :
1* اصلاحات سياسية ودستورية / تطوير نظام انتخابي عادل يحد من المحاصصات الطائفية / تعزيز استقلالية القضاء ومكافحة الفساد بطريقة شفافة وقانونية / دعم المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية بما يعزز التمثيل الحقيقي للمواطنين / تحديث قانون الاحزاب والنظام الانتخابي ليكون قائما على البرنامج الوطني بدل الانتماءات القومية والطائفية .
2* اصلاح اقتصادي وتنمية مستدامة / تنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط بنسب واضحة / خلق فرص عمل حقيقية للشباب / دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة / حزمة دعم لاعادة تصميم القطاعات الانتاجية / تطوير نظام الضرائب / تحفيز الاستثمارات الاجنبية بشفافية .
3* تعزيز الامن والسيادة الوطنية .
4* التماسك الاجتماعي والخدمات / ازالة عوامل التفرقة الطائفية / تعزيز الهوية الوطنية / برامج اجتماعية واقتصادية تستهدف الفقر والبطالة / تحسين الخدمات الصحية / دعم الاسكان والتعليم المجاني / برامج توعية وطنية عبر الاعلام والمدارس والجامعات .
بأختصار برنامج حكومي شاملا ومنظما يبدأ بالسياسة والحوكمة ويمتد الى الاقتصاد والامن مع اشراك المجتمع المدني والشباب كركائز اساسية للتغيير ، برنامج حكومي ليس « ماذا نريد « بل ماذا يمكن فرضه دون كلفة وجودية ، نحن نكتب بعقل يعرف ان الدولة لا تعلن كل ماتفعل لكنها تفعل مايكفي لتبقى .
أستاذة النظم السياسية والسياسات العامة العميد الاسبق لكلية العلوم السياسية /جامعة النهرين
رئيس مركز الابحاث للدراسات المستقبلية


















