نحن العارفون بكل شيء – جليل وادي

218

كلام أبيض

نحن العارفون بكل شيء – جليل وادي

ربع قرن قضيته في الوظيفة ، وأكثر منه في الصحافة ، لكني لم أجد الرجل المناسب في المكان المناسب الا بحدود ضيقة جدا، ولضييقها الشديد تبعثرت الجهود حتى لا تلمس لها أثرا في خضم خراب يعم كل شيء . فلا غرابة من تخلفنا ، وتربع بلادنا في مؤخرة البلدان ، فتلك حصيلة طبيعية ، لكن الغريب ان الجميع يرفع هذه المقولة التي استهلكت لفرط تكرارها حتى فقدت بريقها وعمق معناها ، والكل يدعو لها ، والكل ينتقد ، وكأن حالنا لسنا المسؤولين عنه ، مع ان الحال لن يتغير ما لم تتغير طريقة التفكير ، وان يبدأ التغيير بأنفسنا  ، بديهيات ليس فيها ما هو جديد ، حتى ان المرء يستحي ويحتار اذا ما دعاه الأمر الى الحديث عنها . في دواخلنا رغبة عارمة للتسلط ، نحب الامارة وان كانت على حجارة كما يقال ، نستقتل من أجلها وان كنا غير قادرين عليها ، ونفتقد أدني اشتراطاتها ، وان علمنا ان وجودنا فيها يقود الى الخراب ، وعندما ينتهي أمرنا الى الفشل نجهد في ابتكار الذرائع وإلقاء اللوم على الآخرين ، ونسرد ما تيسر من أوهام المؤامرات ، وننزه أنفسنا مما فيها من سيئات ، لكن لم يحدث ولو لمرة ان نقدنا ذواتنا وتجاربنا ومسيرتنا بصراحة وموضوعية ، الكل معتد بنفسه ، وهو العارف بكل شيء ،ورأيه الأصوب ورأي غيره خطأ شنيع ،  هو المدرك الناضج وما عداه جاهل لا يفقه من الأمر شيئا ، لا نريد الاعتراف بكفاءة الآخر وأفضليته ، نحن شعب كل واحد فيه يظن في نفسه المعرفة وليس عند غيره ، وليس من فوارق بينه والآخرين ، مرض مزمن ، يستعصي استئصاله ، وهو أول الخراب لا يمكن للبلدان ان تنهض وتتقدم من دون قيادات كفوءة ، لكن القيادات لدينا تحتل مناصبها بثلاثة طرق لا غيرها ، وما عداها استثناء الصدفة ، أولها المحسوبية والمنسوبية ، وهما مصطلحان عرفتهما الادارة في العراق مبكرا ، وظلا لصيقين بها برغم تبدل الأنظمة من الملكية الى الجمهورية ، ومن الدكتاتورية الى الديمقراطية ، ومن قيادة العسكريين الى قيادة المدنيين . وثانيها ضربة الحظ ، اذ يأتي المنصب الى أشخاص لم يخطر على بالهم في يوم ما ، ومنهم من يعرف نفسه جيدا بعدم امتلاكه أي من المؤهلات ، وان غيره أكثر تأهيلا منه ، لكنه يقبل به  وان كان يعرف مسبقا بفشله ،  فالفشل صار ظاهرة ، وهو ليس الفاشل الوحيد ، فلِمَ التفريط بالفرصة ، واللقمة قد وصلت الى الحلق ، وهل يطرد المرء رزقا أتاه من حيث لا يحتسب . الطريقة الثالثة هي دأب السياسة على احتلال الادارة ، فالسياسيون لن يهدأ لهم بال ما لم يضعون الادارة في جيوبهم ، فبها يتحكمون بالعباد ، ومن خلالها يحاصرون الخصوم ، ومن خزائنها يمولون المشاريع ويلمعون الصور ويستميلون الناس ، والمال سلطة ، والمفلس في القافلة ليس آمنا في زماننا الذي يتنافس والأصح يتصارع فيه الجميع على السلطة ، أي على المناصب ، والامساك بالمؤسسات ، بل تدوسه سنابك (الحمير) ، وليس أمامه سوى مغادرة الحلبة ، او تقديم الولاء للأقوياء ، لعله يحصل على فتات من وليمة السلطة ، والبعض يرضى بالفتات مع ان له تاريخ طويل في الدفاع عن المباديء ، وانه الوحيد الذي يملك رؤية للمستقبل . تأكد من دون أن يساورك شك ألا استيقاظ  للبلاد من رقادها ، وللمؤسسات من كبوتها مالم يتحقق الرضا في النفوس ، وذلك لن يكون بغير علو الانتماء ، ويضعف الانتماء طالما الفاشلون يعتلون المناصب ، أعرف ان هذا الكلام وأمثاله كهواء في شبك ، فليس لأحد الشجاعة على الرحيل وان وصلت الدماء الى الركب .

مشاركة