
كلام أبيض
نجوم الظهر – جليل وادي
أعرف ماذا خطر في بالكم، ولكم الحق في ذلك، لكن هذا العنوان هو اسم لبرنامج اذاعي يبث ظهرا من واحدة من اذاعاتنا الرسمية، وفيه يلتقون بفنان غنائي اذا جاز لي أن اطلق صفة فنان على بعض الأسماء التي يجري الحوار معها، فبعضهم لا يمت للفن بصلة، كل ما في الأمر سجل مجموعة من اغنيات (الاستخدام الواحد) التي لا تصلح للاستماع مرة أخرى.
ومع ان القائمين على البرنامج يذهبون الى ان هؤلاء نجوم فنية عراقية تقدمهم الاذاعة ظهرا، لكنهم في حقيقة الأمر يُروني (نجوم الظهر) بدلا من الفنان، ويعرف حضراتكم ان عبارة (نجوم الظهر) تستخدم في لهجتنا العامية للدلالة على حالة القهر التي يقاسيها الشخص، فبعض الحالات التي نعيشها او التصرفات التي نتعرض لها تريك حقا (نجوم الظهر)، ورؤية مثل هذه النجوم يعد من المستحيلات واقعا، لكنه تعبير مجازي عن الحالة التي نمر بها في بعض المواقف، وكثيرة هي التعبيرات المجازية المتداولة في لهجتنا، فقد امتلأت بالتشبيهات والاستعارات وغيرها من فنون البلاغة، ألم نقل للماشي سريعا بأنه (طاير)، واكتظاظ الناس في مكان ما (صايرة كتل ) وللجائع (ميت من الجوع) وللمعاناة في انجاز معاملة ( موت أحمر )، وهذا يكشف عن عمق تأثر لهجتنا باللغة العربية الفصيحة، ويبدو ان شخصيتنا بتكوينها النفسي والعقلي المتفرد لا تجد في العبارات التقريرية (العادية) ما يعبر بدقة وعمق عما يجول في خاطرها، ولا سيما في الحالات الانفعالية.
وفي اذاعتنا التي يؤكد القائمون عليها انها الاذاعة العربية الأولى، او التي تأتي بعد اذاعة القاهرة بحسب ما يشير الى ذلك المعنيون بتاريخ وسائل الاعلام، عموما هي من بين أول ثلاث اذاعات على مستوى الوطن العربي في الثلاثينيات بعد انطلاق اذاعة دمشق في العام (1938)، وفي هذه المدة لم يكن للعديد من الدول العربية وجود رسمي، ومع ذلك وفي الأوقات المحدودة التي استمع لها تريني (نجوم الظهر)، فأنفعل وألعن مَنْ ألعن، ففي أثناء بث برنامج أراه مهما: محاضرة ثقافية او أغنية جميلة او برنامج حواري يتناول قضية من التي تشغل الرأي العام ينقطع البث لدقائق، او يكون البث مشوشا حتى لا تفهم من الكلام شيئا، وفي أحيان يذهب بحثي الرقمي عنها سدى، وهي ظاهرة يومية، في حين تظهر لك عند البحث العديد من اذاعات دولة مجاورة ببث نقي حيث الصوت بمنتهى الوضوح. يبدو لي ان الجماعة لم يولوا بثنا الاذاعي اهتماما كما هي الحال في البث المرئي، مع ان الراديو لم ينته، فما زال فاعلا وبالأخص في السيارات، فموته او حياته مرهونة بالمركبات.
الاهمال الاذاعي لم يقتصر على الجوانب التقنية، وانما على طبيعة البرامج التي لا يعدو بعضها سوى ملء مساحات زمنية فارغة لا غير، اذ يُعطى المايكرفون لاحداهن فتشغله بالثرثرة أكثر من النافع من الكلام، وأحيانا يتكرم علينا مخرج البرنامج بأغنية جميلة من أغانينا الأصيلة، لكنه يكتفي بمقطع قصير وينهيها، بينما يعطي للأغاني التافهة وقتا أطول ان لم تبث كاملة، قد يدعون ان الجيل الجديد تبدلت ذائقته، ولم تعد كذائقة الجيل القديم التي تستهويه أغاني السيدة ام كلثوم او عبد الحليم حافظ او نجاة الصغيرة، ولذلك يتماهى المخرجون والمعدون مع الشباب، بالرغم من انهم معنيون بتنمية الذائقة الفنية المسؤولة عن تذوق الجمال في الموسيقى والغناء والكلمات، ولو تأملنا أغاني اليوم من باب النقد الفني العلمي الذي من خلاله تُكشف الجوانب الجمالية للأعمال الفنية لوجدنا ان نسبة كبيرة من تلك الأغاني لا تستحق البث او الترويج لها، لأنها بالأصل تخرب الذوق ولا تنميه، بخاصة عندما يتولى الشباب غير المختصين بالفنون الموسيقية اعداد هذه البرامج، فتجرى الاختيارات بطريقة عشوائية، وعلى هوى الشارع، وليس وفقا لرؤية حريصة على تنمية الذوق الفني.
أما نجوم الظهر في حياتنا فنكاد نراها يوميا، فالأزمات تحيط بنا من كل جانب ، من السياسة الى الخدمات، فلا تستغرب أن تقضي عمرك وانت تتحسر على النفط الأبيض في كل شتاء، وبلمعان شديد وأكثر من مرة في اليوم الواحد ترينا الكهرباء نجوم الظهر.
jwhj1963@yahoo.com


















