(حلال بغيض ) – طالب سعدون

644

نبض القلم

(حلال بغيض ) – طالب سعدون

ليست هذه المرة الاولى التي أكتب  فيها عن هذا الموضوع .. إذ سبق أن كتبت ثلاث مرات ، وربما أكثر عن (أبغض حلال الدستور) في العراق ، وأعود اليه كلما عادوا يطالبون باقامة إقليم هنا أو هناك ، عل كلماتي تصل الى من يعنيه الأمر ليخلص العراق والعراقيين من هذا الحلال (البغيض) ، لكن دون جدوى ، لأن واقع الخدمات المزري والفساد وتراجع الأداء  الحكومي في المحافظات ، وضعف رقابة المركز، وعدم ايجاد حل لمعاناة المواطنين  (يعطي المبرر)  بالذهاب الى هذا الخيار (الدستوري) ، بشكل يكاد يكون موقفا جماهيريا عاما في الكثير من المحافظات ..

 ولكن هل الدستور أقدس من القرأن الكريم ..؟!..

كلا .. والف كلا ..

الأول وضعي من البشر .. والثاني كلام الله سبحانه وتعالى … وشتان بين الأثنين … الاول عرضة للتغيير والتعديل ، والثاني ثابت خالد  متكامل ، لا يتغيرولا يتبدل …

فالله سبحانه وتعالى أحل الطلاق لكنه أبغضه أيضا .. ولو إستند الازواج  الى حلاله ، في أي خلاف بسيط ، يحصل بين الزوجين ، لما تكونت أسرة متماسكة ، وستكون العلاقات الأُسرية في أضعف حالة ، يسودها  التفكك ، وعدم الانسجام ، وتعصف بها المشاكل ، التي تنعكس على الاولاد ، والمجتمع عموما ، وقس على ذلك الكثير ..

ولكن هل تتغير الحال إذا ما تحـــقق لهم ذلك ، وتشكل الاقليم هنا أو هناك ..؟..

ذلك هو السؤال ، ويمكن إستخلاص الجـــواب من تجربة السنوات الماضية ..

ومثلما تهرب الحكومات من فشلها في تلبية حاجات المواطنين ،  ومنها الاساسية الى القطاع الخاص عله يساعدها في تحقيقها ، وهي محاولة غيرموفقة ، لم تحقق على مدى السنوات الماضية  النتائج المطلوبه  في تحقيق إقتصاد تنموي  خدمي ناجح ، لأنه – في نظر من يرى ذلك – قطاع أناني ، بخيل طامع يسعى لجمع المال في أسرع وقت ، نهاز للفرص في بيئة تشكو من الفساد ، لا يملك تجربة  ولا إختصاص دقيق ، ومع ذلك  تصر على هذا الفشل ، وتتخلى عن الكثير من المهمات اليه ، وهي من صلب واجباتها ..

كذلك الهروب الى (الأقلمة) بين مدة وأخرى قد يراه (دعاته) خيار المضطر ، و (بمبررات  تناغم) أحلام المواطن بخدمات أفضل ، وإقتصاد متطور ، وفرص عمل أكثر ، بدلا من مصارحته بالحقيقة بفشل تجربة المجالس المحلية والفيدرالية عموما على صعيد التنمية والبناء والخدمات ، وتأسيس تجربة يحتذى بها ، بعد إن إنشغلت  الاحزاب التي تسيطر عليها بالخلافات بينها ، والاستحواذ على السلطة ، وإمتيازاتها وضعف سيطرة المركز ، بعد إن ترك الأمور للحكومات المحلية ، وكأن الوزارة  في المركز أصبحت حلقة زائدة لا مبرر لها في النظام الفيدرالي ..

لقد مضى من الوقت ما يكفي لاثبات فشل القطاع الخاص في بناء تنمية اقتصادية وخدمية تناسب عمر هذه التجربة الطويل  والانفاق الكبير ، ومع ذلك يستمر في إستنزاف الاموال  بمشاريع غير ذات جدوى بحكم صفاته التي اشرنا اليها ، ووضع الدولة بصورة عامة ، كما تستمر مجالس المحافظات على الوتيرة نفسها أيضا من الفشل في تقديم  الأفضل  للمحافظات ، والتنافس المحموم على المناصب ، وتتيح الفرص  (للاقلمة)  على مستوى البلاد كلها ، وليس في هذه المحافظة او تلك ، بدل أن يعدل  المسار وتراجع التجربة برمتها ،  ويحققوا  طلبات المواطنين  المشروعة  في الخدمات والعمل ، والعودة الى السياقات الادارية الصحيحة ، ومعيار الكفاءة ، ومحاسبة الاحزاب ، وليس الوطن ، وإضعاف وحدته ..

وفي الحالتين يتحمل الشعب  –  في المركز والمحافظات – المسؤولية عندما يعطي صوته لمن لا يستحقه ، أو يكون سلعة تخضع للعرض والطلب ، أوعندما يقاطع الانتخابات ، فيحشد الطرف الأخر أتباعه للفوز والاستحواذ على السلطة وتحقيق مآربه ، وعندها نكون أمام حلقة مفرغة نعود بها الى نقطة البداية ، وهكذا في كل دورة انتخابية تجري بين احزاب بعينها ، تنقسم وتأتلف وتتوحد حسب مقتضيات الفوزوالمصلحة  دون تقدم يذكر للمحافظات ..

وفي هذه الأيام عادت من جديد الدعوات الى إقامة أقاليم ،  بالذريعة  نفسها ، وهي  سوء الخدمات وتراجع الاداء في المجالات كافة والبطالة وقلة التخصيصات في الموازنة  ، علها تعطي في حالة قيامها النتائج المرجوة ..  وهو حلم واحتمال قد لا يتحقق  ما دامت (الأقاليم) الموعودة تخضع لسيطرة الاحزاب نفسها ، والصوت يذهب لمن لا يستحقه ..

لماذا نهرب من الحقيقة ولا نجاهر بها ..؟..

إن من حق المدن بمختلف تسلسلاتها الادارية أن تتمتع بصلاحيات واسعة ومناسبة  تمكنها من أداء واجباتها بصورة صحيحة .. كما أن من حق المواطن في أقصى بقعة في العراق أن يحصل على حقه في ثروة بلاده من خلال خدمات متطورة وعمل مناسب ، وهذا حق مشروع لا يرتبط  بمستوى المدينة الاداري ..

أليس المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات ، بغض النظر عن مستوى البقعة التي يقيمون عليها إداريا … فلماذا نخلق حالة من التفاوت في الخدمات تجعلهم غير متساوين في الحقوق ، كما هم متساوون في الواجبات ، ولم يكن أمامهم غير أن يطالبوا باقامة أقاليم ، أو تغيير صنف المدينة الاداري الى أعلى ، أو نخلق حالة من الأنانية والإثرة  بينهم  عندما يمن بعضهم على بعض بما حبا أرضه من الخيرات عندما تتركز في منطقة ، وتنعدم في  أخرى ، وهم جميعا –  منعمون ومحرومون – لا دخل لهم  فيها ، لان الله أوجــــدها هنا ، ولم يوجدها هناك ….

إن ما يهم المواطن بالدرجة الاساس هو مستوى الخدمات ، وليس مستوى تسلسل مدينته  الاداري ،  سواء كانت إقليم أو محافظة أو ناحية ، أو قرية .. فكم من القرى في العالم هي أكثر جذبا للسكن من مدن كبيرة ، بسبب مستوى الخدمات ، والراحة التي يتمتع فيها المواطن فيها …

لماذا نربط هذا الحق الدستوري بمستوى المدينة الاداري ..؟.. ولماذا نقسم العراق الى أقاليم تحت هذه الذريعة ،  ونضعف وحدته ، بدلا من أن نطالب بحقوقنا المشروعة في الخدمات وغيرها ، وتوفير مستلزمات الحياة المطلوبة ، وتوسيع صلاحيات المدن بما يناسبها ويخدم المواطن فيها .. ؟..

أقول مرة أخرى ..  مثلما أنه ليس كثرة الاحزاب دليل عافية  ، وأمامنا الولايات المتحدة ، التي يتنافس فيها حزبان على الرئاسة ،  وليس خمسمائة حزب  أو يزيد .. كذلك ليس كثرة الاقاليم  ، وضعف المركز، دليلا على الادارة السليمة ، والديمقراطية الرشيدة أو تكون هي الطريق الأمثل لخدمة المواطن ، وكأن الخدمة بمستواها (الديمقراطي الحضاري) لا تقدم إلا من خلال تقسيم  العراق الى أقاليم  ، ولا طريق أخر غيرها ، لحل المشاكل الادارية والتنظيمية والسياسية والخلافية بين المركز والمحافظات ، ومنها تخصيصات الموازنات ، وما الى ذلك من طلبات مشروعة ..

 الديمقراطية الحقة تعزز وحدة العراق ، وتضمن حق الوطن في أن يتساوى أبناؤه في الحقوق والواجبات ، وليس في توزيع الاحزاب والمحافظات والاقاليم .. فلماذا نضطرهم الى أن يلجأوا الى أبغض حلال الدستور للحصول على  مستوى معيشة لائق ، وخدمات تناسب الثروات التي حباهم الله بها ، وفي مقدمتها ماء صالح للشرب ، وهو أساس الحياة وسر ديمومتها ..؟..

فهل ذلك بالأمر العسير ؟!!

{ { { {

كلام مفيد :

من جميل ما قرأت هذه  الباقة من  المعاني في  لغتنا العربية الكريمة ..

المأدبة : لكل دعوة بسبب أو بغيره ..

الوليمة : طعام العرس

الوضيمة : طعام المأتم

النقيعة : طعام القادم من سفر

الزاد : طعام يتخذ للسفر

القرى (بكسر القاف) : طعام الضيف ..

العقيقة : طعام المولود في اليوم السابع ..

تلك المعاني  ما تسمح به مساحة العمود .. والى معان أخرى إن شاء الله ..

مشاركة