نافذة الصراخ

520

نافذة الصراخ

كان أبي يحدثني و هو يصطحبني إلى أول رحلة صيد في حياتي قائلاً:

(( نحن سمّاكين مذ ولدنا يا بني .. فجدك سمّاك و أبوك سمّاك وستكون سمّاكاً ))

ثم أردف قائلاً :

(( دجلة هذه ماؤها حنون .. سماها الشاعر قديماً أم البساتين و عند السمّاكين هي أم المساكين ))

و ظلت كلماته هذه تتردد على قلبي و أُذني كلما ألتقيتُ دجلة ، لم أنساها حتى بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على رحيل والدي وها أنا أرثُ المهنة.. فأكون سمّاكاً ماهراً و لو منحتني الحياة أبناً واحداً لجعلته سمّاكاً فيكبر مثلي وتداهمه الذكريات كما تداهمني، عندما كنا ننهض فجراً نتوظأ و نصلي و نحمل ابريق الشاي و شِباكِنا الكثيرة ، مسرعين قبل إشراقة الشمس نَصِلُ النهر ، نُسَلِم على دجلة و نركب القوارب ، نرمي الشِباك و نحن نردد :

(( يا الله .. يا رزاق ))

عشرةُ دقائق وتمتلىّ بالجري والسمتي والشبوط ، نضحك ونحتفل ، نعاود جمع الشِباك بلهفة و نكرر العملية مرتين وخمسة و تسعة وعشرة ثم نتوجه إلى سوق السمك في أيمن الموصل لنبيع ما اصطادته شِباكنا..

في فترة الاحتلال الأسود توقفنا عن العمل ، توقفنا عن الصيد كما توقفت الموصل عن الحياة ، دجلة التي أحتضنت شباكنا طويلاً تركتنا و أحتضنت مئات الشبان الأبرياء ، احتضنتهم مياهها الرقيقة رافضةً ان تمنحنا أجسادهم ، فتشبعوا برحيقها العذِب و تشبعت بشذى عبيرهم ، كنا نشعر بعد مجزرة سبايكر ان دجلة ما عادت أم المساكين بل صارت منا و فينا اكثر و هي أم العراقيين جميعاً .. تعلمت على ابتلاع أحزاننا و تحمل مآسينا و شاركتنا الآلام ، أ كل هذا حباً بنا؟! الله أعلم ..

ورغم ان الحرب دمرت سوق السمك في ميدان الجانب الأيمن للمدينة عدنا لعملنا كما عادت الشمس للشروق في وجه الموصل و لكن ..

قبل عدة أيام و في أول محاولةٍ للصيد بعد كارثة العبارة وفي عمق الليل الغامق بعد امتناع طويل عن الصيد لا مخاصمة لدجلة و إنما نقمة على افواه الطمع والجشع التي خيمت على البلاد ، فظلمت الشعب و أبكت دجلة ..

فجأة .. رفرفت قلوبنا و صاح خالد فينا :

(( لابد أنه صيد ثمين .. أسحبوا الشِباك قبل أن تتقطع ))

في الظلام الحالك تعاونا على سحب الشبكة ، كانت واحدة و لكنها كبيرة حتى أننا ظننا أن وزنها سيتجاوز العشرة كيلو غرامات ، عدنا إلى اليابسة و أقسمنا على أن لا نبيع و تهيأت بطوننا لوجبة سمك رائعة ..

أضرمنا النار ، فتحنا الشِباك ، لم تكن سمكة ..

كانت طفلاً صغيراً قضى ثلاثة اسابيع في جوف النهر ..

وسط السكون والدهشة ، صاح صغيرنا عبدالله :

(( ما هذا الرضيع ؟ يجب أن نبحث عن والديه .. إنه معجزة الله .. كيف بقي حياً تحت الماء كل هذه المدة؟ ))

فرد خالد :

(( لا .. سيكبر بيننا ليكون سمّاكاً مثلنا.. هذا أبن النهر و السمك أخيه ))

و في زحمة الصراخ و اختلاف الأراء و تبادل التهم و الشتائم ..

نظرنا اليه و هو يبكي و ينطق قائلاً :

(( الماء البارد و ظلام الليل في عمق النهر اكثر رأفةً بنا من هذا التشتت وهذه الخلافات ))

ونبتت حراشف وقشور على جلده ، ثم صار له زعانف و خياشم .. وصار الطفل سمكة ..

ركضنا إليه و دون أن يتفوه أحدنا بكلمة .. أعدناه لدجلة.

فرح الطه – بغداد

مشاركة