ناظم علاوي يعيد رسم الواقع في ” لن تهدأ “

 

ناظم علاوي

 بهجت درسون

 

بعد مجموعته القصصية ” سفر بندورة ” يعيد القاص ناظم علاوي رسم الواقع من خلال مجموعته القصصية ” لن تهدأ ” التي احتوت على قصص عدة هي : الوشم ، ورمو ، والعودة …وفصل اللقاء ، ودفء… الثلوج ، وريح لن تهدأ ، ويقظة .. وبعض حلم ،  إلياك ، وإنانا تغادر.

ففي هذه القصص يرصد القاص الألم الإنساني من خلال نماذج عدة، ويقدمها الى المتلقي عبر متعة السرد ، إذ يعتمد بذلك على نبش التفاصيل الحياتية التي تعترض شخوصه وابطاله ، ففي قصة الوشم : ( أرعبته هذه اللوحة وكأنها أبواب جحيم صلبت عليها آماله .) ص:16. بينما في قصة رمو يشير الى ( كان هذا يقرص ذاكرته التي لم تزل معتلة .) ص:20 . أما لماذا ذاكرته معتلة قد نعثر على الإجابة بعد اسطر : ( ابتعد يجرجر ما تبقى من جسده تاركا روحه ، سعادته ، وأحلامه المقبورة مع بيته المهدم – لم يلتفت أبدا – مثل لمعة برق أومضت ثم تلاشى عن حيه في ” وادي العين “من دون أن ينتبه أحد لذلك .) ص:25-26 .

ففي قصة  العودة …وفصل اللقاء يرسم حياة اسير كالآتي : ( إنها خمس عشرة سنة طارت منه لحظة اشتبكت تلك الأيادي حوله . ثم لترميه في ركن مهمش من زمان ظل مفقودا وضائعا ومتوقفا . وبقيت بعدها روحه تتهادى بين هذا الأسر المقيت وفرح الحرية ولقاء الأهل ! ) ص:34.

بينما في قصة دفء الثلوج  يقارن القاص بين واقع المرير للبطل وبين حلمه الجميل : (فتأكل إحساسه نحو دفء بيته المحشور في رأسه. حيث روحه / نصفه الجميل هناك في بيتهم … فتلاشت تلك الرؤى من مخيلته الآن . فقط عند ازياد فرقعة الانفجارات وتعالي أصوات وأزيز الرشقات والإطلاقات .) ص:41.

وفي قصة ريح لن تهدأ العنوان الذي استوحى القاص العنوان الرئيسي للمجموعة القصصية من هذه القصة فيبدأ القصة بهذا المستهل المعبر عن معاناة البطل : ( أفكاره المنغرسة بالإحباط والمشبعة بالحرمان توهجت مثل قداحة ، توهجت وانطفأت ، لتغادره روحه بعد أن فقد اليقين في هوس الحرب ، وضياع نواميس تذوق جمال الحياة.) ص:51.

وهنا هذا الاستهلال يشير الى الصراع بين آلية الحرب وبين عيش الحياة الجميلة ، ويفاجئنا السرد بوصول رسالة الى بطل القصة كتبت فيها الآتي:( والدتي تذرف دموعها ، وكأنني اتحسس رطوبتها على الورقة ـ اخواتي سيأكلهن الجوع . فالحصار ظالم هنا. وليس بمقدور أحد الحصول على ثمن وجبة طعام. – هكذا سطرت أحرف الرسالة – فإن لم ترجع فإنك ستفقدهن وإلى الأبد .) ص:58.

في قصة يقظة وبعض حلم يحاول القاص ان يؤرخ لجلساته في مقهى الكرم مع اصدقائه الأدباء عبر فنطازيا الحب من طرف واحد من خلال ورقة صفراء اكل الزمن منها واصبحت كالوثيقة المخرومة ويحاول القاص ان يوازي بين ما كتب على الورقة  من قبل امرأة كانت جارة له في الحي القديم وبين لحظات التي يعيشها مع اصدقائه الأدباء ، فنقرأ اسطر اعتراف المرأة المعذبة التي تحب أديبا من طرف واحد ( لهذا قررت أن انتقم منك ، يا أجمل  وأعذب إنسان رأيته في حياتي ، يا أملي الذي لم يتحقق! بأن أجعلك تؤنب نفسك ، وضاعت بقية الكلمات.) ص:67.

ونقرأ في قصة إلياك  ، وتحديدا تحت عنوان فرعي كتبه “رحيل اللقاء ” : ( أعود بعد هذا العمر افترش النهايات وأبعثر البدايات .) ص:72 في هذا المقطع يعود الكاتب ليؤرخ مرحلة اخرى من مراحل حياته عندما كان يعمل في مطعم لعمل اللحم بعجين إذ يقول : ( تلك الكوة التي أحرقت كل شيء إلا أحزاني ، والامي وعبثي الطفولي .) ص:72.

في القصة الأخيرة من هذه المجموعة التي عنونها القاص ناظم علاوي ” إنانا تغادر” فينطلق القاص منذ استهلال قصته الى جوهر الفعل البشري الذي تأسس على العلاقة بين الذكر والانثى أو الرجل والمرأة ( مازالت تستذكر غبار عشقها وحبه غير المعلن وهو يرتعد حتى من مضجعه الذي مله وذاكرته وهي تلح في التذكر.) ص: 81.

يعيد الناقد د. فيصل القصيري قراءة المجموعة القصصية من زاوية الثنائيات التي تشتغل عليها المجموعة القصصية إذ يقول بهذا الصدد: ( تشتغل ” لن تهدأ ” علاوي على ثنائية الداخلي / الذاتي والخارجي / الموضوعي . فالتغيير يشمل الإنسان من الداخل، ويشمل المكان والزمان. بمعنى آخر انه يعني حياة جديدة لإنسان بدأ يولد من رحم التغيير. ثمة ثنائيات عديدة في هذه المجموعة لكن أبرزها هي ثنائية ” الحب والحرب ” التي اشتغلت أقلام المبدعين العراقيين ، وحركت هواجسهم ، ووضعتهم في مواجهة أقدارهم ومصائرهم ، فمعظم نصوص المجموعة كتبت في زمن الحرب ، وعزفت على أوتار حب المرأة والوطن والحياة.) ص:86

 

مشاركة