

مُغني الحي
المغني يعبر الأزقة بخطى مترددة
يحمل في صدره شرفةً لم تُفتح بعد.
صوته يتدلى من الأسلاك الكهربائية
مثل مصباح معطوب
يضيء لحظةً ثم ينطفئ
فتظن أن الليل يبتلعه.
في مقهى الحي
الكراسي الخشبية تتهامس
كل واحدة تتذكّر ثِقَل جسدٍ جلس عليها
ولم يلتفت إلى النغمة التي تموج في الهواء.
الفناجين ترتجف قليلاً
كأنها تحفظ في قاعها
أصداء أغنية لم يستمع إليها أحد.
الأبواب نصف مفتوحة
تراقب بصمت من يغني
ثم تغلق نفسها على عجل
كما لو أن الطرب خطيئة
لا يجوز مشاركتها.
المغني يعرف ذلك
ويواصل
كمن يرسل رسالةً في زجاجة
إلى بحرٍ لن يصل إليه أبدًا.
المغني يجلس عند حافة الطريق
صوته يتسرب مثل ماء يتيه في الرمل.
لا أحد يمد يده ليشرب
لكن العطش يملأ العيون.
الحي يواصل صمته
البيوت متلاصقة كصدور حجرية
لا يخرج منها سوى صدى أوانٍ تتكسّر
أو شجاراتٍ يومية عن ثمن الزيت والخبز.
أما الأغنية
فهي عصفورٌ يحوم فوق السطح
كلما اقترب من نافذة
أُغلق الزجاج في وجهه.
هل يمكن أن يكون الطرب اعترافًا بأننا موجودون؟
المغني يتساءل
والريح تجيب بارتعاش الغسيل على الحبال
تذكّره أن الأشياء وحدها
قد تصغي أحيانًا أكثر من البشر.
وفي قلبه
يتحوّل المثل الشائع إلى جرح:
” مُغني الحي لا يُطرِب ” .
مع الفجر
يتسلّل صوته من بين الأزقة المهجورة
ينكسر على الجدران القديمة
مثل شعاع ضوء على الزجاج المتصدع.
الطيور لم تنتظر
لكن الغبار يرحّب به
يحمل الأغنية في الهواء
كأنها رسالة بلا عنوان.
المغني يمشي
خطواته تتوارى بين حجارة الطريق
والأصوات الأخرى تنبش في الذاكرة كأشباح.
كل نافذة
كل باب
يحمل صمتًا مشتركًا
يقول له: لم يُطرِبك أحد
لكنك ما زلت تغني.
الأشياء تتحرك حوله
قطع الأثاث
المصابيح على الأعمدة
حتى الجدران تلتقط الرعشة الأخيرة من صوته.
الغناء صار صمتًا يتنفس
وحيدًا لكنه صادق
يخبره بأن الطرب الحقيقي
هو أن يستمر القلب في الإشراق
حتى حين لا يسمعه أحد.
2
المغني واقف عند زاوية الحي
صوته يخرج مثل ظلّ الماء حين يختلط بالغبار.
لا أحد يصفّق
لكن النوافذ تنفتح على استحياء
وكأن الزجاج نفسه يبحث عن نغمة ضائعة.
الأطفال يركضون خلف كرة مبتلة
وفي خطواتهم ارتعاشة موسيقى لا يسمعها أحد.
النساء يعلّقن الغسيل على الحبال
فتتمايل القمصان كأرواحٍ صغيرة
تُعيد للريح ما لم يقله المغني.
الطريق يتثاءب
والأرصفة تلتقط أنفاسها
كأنها تعبت من عبور الخطوات.
كل حجر في المكان يصغي
لكن الإصغاء هنا صمتٌ مكسور
يضيء لحظة ثم ينطفئ كجذوة في عمق الرماد.
لم يكن الغناء نشيدًا
بل سؤال يتردّد في الأزقة:
هل يكفي أن نسمع كي نعيش
أم أن القلب وحده من يصنع الطرب؟
المغني يجلس الآن
صوته خافت
كأنه يجرّ وراءه ذاكرةً مثقلة بالتراب.
الليل يتقدّم مثل حيوان أعمى
يلمس الجدران بمخالبه
ويستدعي من الشقوق وجوهاً نسيها الضوء.
في المقهى الصغير
يذوب السكر ببطء في فناجين الشاي
الرجال يتجادلون عن أسعار الدقيق
لكن أحدًا لا يذكر أن المغني ما زال هناك
يبحث عن إصغاء
عن قلبٍ واحدٍ فقط يفتح بابه.
تتدحرج الكلمات مثل حصى في مجرى ضيق
تصطدم ببعضها ثم تسقط في الصمت.
أما صوته
فيتفتت إلى غبار ذهبي
يعلّق نفسه في الهواء
ليضيء وجوهًا لا ترفع عيونها.
أحيانًا
يظن أنه يغني للعتمة وحدها
وأن الليل هو الجمهور الذي يصفّق
حين تتشقق نجمة وتختفي.
مع الفجر
ينكسر صوته
مثل زجاجة مهملة عند حافة الطريق.
الطيور تستيقظ قبله
تختبر حناجرها فوق الأشجار
فتعلّم الهواء أن الطرب ليس نشوة
بل رجفةٌ في القلب حين يتذكّر أنه حي.
المغني يمشي مبتعدًا
خطواته تذوب في غبار الأزقة
وكل حجر يتذكّره كجرس لم يُقرع.
لم يترك وراءه سوى صدى
يختبئ بين الجدران
صدى يشبه سؤالًا لم يُجب عليه أحد.
هكذا يصير الحي مرآة:
الأبواب نصف مغلقة
الوجوه نصف يقظة
والأصوات نصف حاضرة.
أما الغناء
فقد تسرّب إلى شقوق الأرض
كأن الروح تبحث عن جسد آخر تسكنه.
وفي قلبه
يظلّ الصمت هو الأغنية الوحيدة
التي لم تُفهم بعد.
3
في زاوية الحيّ
بين جدران متشققة تشبه وجوه نائمة
يقف مغني الحيّ
صوته كطيفٍ يسير على خطوط الهواء
لا يطرب أحد
حتى الجدران تصمت وتتنهد
وكأنها ترفض أن تتذكّر أيامها المشرقة.
الهواء يتحرك
يتنفس بصوت خافت
مثل قطعة قماش قديمة تلتقط ضوء الشمس ثم تخفيه
والأبواب تتحدث بصمتها
كل قفل يهمس: نحن هنا، ولكن لا أحد يسمع.
صوته يمرّ فوق بلاط الشارع
يمسح الغبار عن الأحذية القديمة
يمشط الشعر المجعد للطفلة التي تلعب وحدها في الزقاق
تلتفت
لكن عيناها تبحثان عن شيء آخر
عن فرحٍ لم يولد بعد.
الأقدام تمشي فوق الأرض
كأنها موسيقى خفية
لكن المغني يظل صامتًا أمام صمتهم
يتساءل: هل يسمعني الحيّ أم أني أستمع إليه وحدي؟
زجاج النوافذ يتشقق
يبتسم في وجهه
يمد يده إلى السماء
يريد أن يسأل عن الرحيل
لكن الطيور تعرف أن صوته لن يجد مأوى.
المصابيح تتثاءب فوق الأرصفة
تلون الظلال بألوان لم تُولد بعد
والحيّ ينفض صمتَه مثل رداءٍ قديم
لكن لا أحد يلتفت إلى المغني
ولا إلى الأصوات التي تتساقط من يديه كالندى.
القطط تتجسس من بين البوابات
تهمس بأسماء لا يفهمها أحد
والأوراق المتساقطة على الأرض تتلوى
تبحث عن معنى لرحيلها القصير
وتسأل: لماذا لا يُطرب أحدٌ بصوت المغني؟ .
المغني يمشي بين البيوت
خطواته تصنع خريطة لا يعرفها أحد
تلمس الألسنة،
ترسم خطوطًا خفية على الذاكرة
الناس يمرون بجواره
لكنهم يلتقطون أشباحًا من حياةٍ أخرى
ولا يسمعون صوته.
الرياح تتدخل بين الأصابع
تسرق لحظةً من صوته
تحتفظ بها في زوايا لا تصلها العيون
المغني يبتسم في داخله
يكتشف أن صمته أقوى من أي ترنيمة
وأن الحرية تكمن في الصوت الذي لا يسمعه أحد.
في هذا الحيّ كل شيء يتحرك
الأبواب
النوافذ
أحجار الشارع
حتى الصمت نفسه ينحني
ويتحدث بلغةٍ لا تفسر إلا بالروح
ويترك المغني وحيدًا
لكنه مكتفٍ
مثل قلمٍ يكتب على صفحة لم تُقرأ بعد.
في قلب الليل
تتنفس الحوائط أسرارها
تسرد على القمر حكايات لم يسمعها أحد
والشارع يمد ذراعيه كطفل تائه
يبحث عن صوته الضائع بين صدى الأبواب المغلقة.
المغني يقف
صوته يقطر على الأرض مثل الزيت
يخلق بِركة صغيرة من الوقت
تتوه فيها الخطوات
وتختفي فيها الضحكات
حتى الريح تتوقف
تراقب
وتهمس: “ربما هنا يولد شيء آخر”.
أحجار الشارع تتحرك
تتصالح مع الماضي وتغني صمتها
الأبواب تتنفس
النوافذ تبتسم
والحيّ كله يبدو كلوحةٍ ترتجف على جدار الزمن
لكن لا أحد يطرب.
المغني يغمض عينيه
يسمع العالم داخله
كأن صوته لم يُهدر
بل وجد مأواه في الهواء
في الظلال
في نبض كل شيء حيّ
في السكون الذي يسبق الولادة
في الفراغ الذي يختزن كل الأصوات.
ربما لا يُطرب أحد
لكن المدينة تتذكر
كل حجر
كل نافذة
كل قطة تتسلل بين الظلال
والمغني، أخيرًا، يعرف أن الصوت الحرّ
حتى إن لم يسمعه أحد
يبني عالمه الخاص
ويتسلق فوق الجدران
ويرحل مع الليل
حراً
بلا انتظار.



















