مُربَّع الصعلكة (١)

389

حسن‭ ‬النواب

أيقظتنا‭ ‬شمس‭ ‬الباب‭ ‬الشرقي‭ ‬مبكراً؛‭ ‬وحديقة‭ ‬الأُمَّة‭ ‬مزدحمة‭ ‬بالهائمين‭ ‬والجنود‭ ‬الذين‭ ‬عمدوا‭ ‬بشتَّى‭ ‬الحجج‭ ‬تأخير‭ ‬موعد‭ ‬التحاقهم‭ ‬إلى‭ ‬الجبهات،‭ ‬مثلنا‭ ‬كانوا‭ ‬يتوسَّدونَ‭ ‬عشب‭ ‬الحديقة‭ ‬القذر‭ ‬فِراشاً‭ ‬لهم!‭ ‬اكتشفنا‭ ‬أنَّ‭ ‬الغجري‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معنا،‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّهُ‭ ‬تسلَّلَ‭ ‬تحت‭ ‬جُنح‭ ‬الظلام‭ ‬ونحنُ‭ ‬بغفوةٍ‭ ‬عميقةٍ‭ ‬والتحق‭ ‬إلى‭ ‬وحدته‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬جبهة‭ ‬الشمال،‭ ‬بيدَ‭ ‬أنَّ‭ ‬شاعرنا‭ ‬القروي‭ ‬سخرَ‭ ‬من‭ ‬ظنوننا‭ ‬قائلاً:‏

‏-‭ ‬لا‭ ‬أصدّق‭ ‬أنَّ‭ ‬الغجري‭ ‬يترك‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد‭ ‬ويعود‭ ‬إلى‭ ‬الجبهة؟

‭ ‬وقبل‭ ‬أنْ‭ ‬ينهي‭ ‬زعيمنا‭ ‬الوشق‭ ‬البري‭ ‬مهمَّة‭ ‬سقي‭ ‬شجرة‭ ‬الأثل‭ ‬الحزينة‭ ‬من‭ ‬صنبور‭ ‬الماء‭ ‬المالح!‭ ‬المتدفق‭ ‬من‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬سروالهِ‭ ‬الرمادي،‭ ‬كُنَّا‭ ‬حينها‭ ‬نسمع‭ ‬خرير‭ ‬تساقط‭ ‬إدرارهِ‭ ‬مع‭ ‬سحابة‭ ‬من‭ ‬البخار‭ ‬تتصاعد‭ ‬منهُ؛‭ ‬أطلَّ‭ ‬‭ ‬الغجري‭ ‬بُغتةً‭ ‬بعينين‭ ‬لامعتين‭ ‬يحملُ‭ ‬جريدةً‭ ‬مليئةً‭ ‬بشيءٍ‭ ‬نجهلهُ،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬فتحها‭ ‬وفاحت‭ ‬منها‭ ‬رائحة‭ ‬الشلغم‭ ‬المسلوق،‭ ‬صرخ‭ ‬الوشق‭ ‬مبتهجاً:‏

‏-‭ ‬أنتَ‭ ‬شاعر‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬جدار‭ ‬حقَّاً؟!‭ ‬

كانت‭ ‬فرحة‭ ‬الوشق‭ ‬عارمة‭ ‬فهو‭ ‬نباتي‭ ‬ويندر‭ ‬أنْ‭ ‬تراهُ‭ ‬يأكل‭ ‬لحماً؛‭ ‬ويحسب‭ ‬الشلغم‭ ‬المسلوق‭ ‬من‭ ‬أطعمته‭ ‬اللذيذة‭ ‬والمفضلة‭ ‬لديه‭ ‬لسهولة‭ ‬تناولها‭ ‬بمعونة‭ ‬نابه‭ ‬الوحيد؛‭ ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬سرّ‭ ‬محبته‭ ‬للأطعمة‭ ‬الطريَّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهد‭ ‬وفم‭ ‬عامر‭ ‬بالأسنان،‭ ‬ولأنَّ‭ ‬الوشق‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬سوى‭ ‬نابه‭ ‬الوحيد‭. ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬تناول‭ ‬حساء‭ ‬العدس‭ ‬والفاصولياء‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬متبرِّعاً‭ ‬لنا‭ ‬بحصَّتهِ‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬المشويَّة‭ ‬التي‭ ‬يغدقُ‭ ‬بها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬محبيه‭ ‬عندما‭ ‬يصادفونه‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬أو‭ ‬حانة‭. ‬لكنَّهُ‭ ‬كان‭ ‬يرفضُ‭ ‬دعوات‭ ‬الطعام‭ ‬الموجَّهة‭ ‬لهُ‭ ‬من‭ ‬أدباء‭ ‬الزيتوني؛‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬كبريائه‭ ‬الكاتدرائي‭ ‬كما‭ ‬يسميه‭ ‬القروي،‭ ‬فهو‭ ‬يتطيَّر‭ ‬منهم‭ ‬ولا‭ ‬يطيق‭ ‬رؤيتهم‭ ‬‎‎ويحتقرهم‭ ‬ويراهم‭ ‬صواميل‭ ‬غبيَّة‭ ‬في‭ ‬ماكينة‭ ‬السلطة‭.. ‬لذا‭ ‬كانَ‭ ‬يتركهم‭ ‬في‭ ‬حرج‭ ‬عندما‭ ‬يعرضونَ‭ ‬عليه‭ ‬‏‏مغرياتهم‭ ‬ويفضّل‭ ‬البقاء‭ ‬جائعاً،‭ ‬كان‭ ‬يستثني‭ ‬بعضهم‭ ‬ويعلّل‭ ‬ذلك‭ ‬لطيبة‭ ‬قلوبهم؛‭ ‬ويقول‭ ‬عنهم‭ ‬متهكماً:‏

‏-‭ ‬إنَّ‭ ‬قلوبهم‭ ‬معنا‭ ‬وسيوفهم‭ ‬علينا‭…‬

بعد‭ ‬أنْ‭ ‬استيقظ‭ ‬معظم‭ ‬نزلاء‭ ‬حديقة‭ ‬الأُمَّة‭.. ‬كان‭ ‬لابدَّ‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬جديدة‭ ‬تهبط‭ ‬على‭ ‬رؤوسنا‭ ‬المشبَّعة‭ ‬بالخمر‭ ‬الرخيص‭ ‬لكي‭ ‬نمضي‭ ‬نهارنا‭ ‬الجديد‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أنظار‭ ‬الفضوليين‭ ‬والانضباطية‭ ‬والوشاة‭.. ‬أقول‭ ‬الوشاة‭ ‬لأنَّ‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬المحسوبين‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬صاروا‭ ‬ينظرون‭ ‬لنا‭ ‬بعين‭ ‬الريبة‭ ‬وباتوا‭ ‬يظنون‭ ‬أنَّ‭ ‬جهات‭ ‬سياسية‭ ‬معارضة‭ ‬تمدَّنا‭ ‬بالمال‭ ‬سرَّا‭ ‬ًلكي‭ ‬نقاوم‭ ‬شظف‭ ‬العيش؛‭ ‬وأنَّ‭ ‬تلك‭ ‬الجهات‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬ديمومة‭ ‬حياتنا‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬نقل‭ ‬لنا‭ ‬أحد‭ ‬المحبين‭ ‬أنَّ‭ ‬واشياً‭ ‬التقى‭ ‬بمسؤول‭ ‬ثقافي‭ ‬يتمتع‭ ‬بمنصب‭ ‬رفيع‭ ‬وأخبره‭ ‬بحيرة:‏

‏-‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬أين‭ ‬وكيف‭ ‬ومتى‭ ‬يكتبون‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصعاليك‭ ‬نصوصهم‭ ‬المبدعة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬نطالعها‭ ‬منشورة‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭ ‬في‭ ‬الصحف؟‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬يعيشون‭ ‬بطريقة‭ ‬غامضة‭ ‬داخل‭ ‬العاصمة،‭ ‬ومن‭ ‬أين‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬النقود،‭ ‬فهم‭ ‬يشربون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم؟

والحق‭ ‬أقول‭ ‬إنَّ‭ ‬حياتنا‭ ‬كانت‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المصادفات‭ ‬ليس‭ ‬إلاَّ‭. ‬كُنَّا‭ ‬نستيقظ‭ ‬صباحاً‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬سلَّم‭ ‬فندق‭ ‬الصياد‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الميدان‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬شروى‭ ‬نقير‭. ‬أحياناً‭ ‬ينتصف‭ ‬علينا‭ ‬النهار‭ ‬دون‭ ‬أنْ‭ ‬نتذوَّق‭ ‬قدح‭ ‬الشاي‭.. ‬عادةً‭ ‬ما‭ ‬نمضي‭ ‬ظهيرتنا‭ ‬في‭ ‬المكتبة‭ ‬الوطنية‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬نقرأ‭ ‬ما‭ ‬تيَّسر‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬الشعر‭ ‬والرواية‭ ‬والنقد‭ ‬وأحياناً‭ ‬ننصرف‭ ‬لقراءة‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬قبل‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬الوشق‭ ‬البري‭ ‬أكثرنا‭ ‬شغفاً‭ ‬بالقراءة‭ ‬خاصة‭ ‬دواوين‭ ‬الشعر‭ ‬باللغة‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬اذكرُ‭ ‬أنَّهُ‭ ‬استعار‭ ‬قصائد‭ ‬لتيد‭ ‬هيوز‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬وضع‭ ‬هويته‭ ‬الشخصية‭ ‬كرهينة‭ ‬عند‭ ‬أمين‭ ‬المكتبة‭ ‬ولم‭ ‬يسترجعها؛‭ ‬ومن‭ ‬يومها‭ ‬ظلَّ‭ ‬بلا‭ ‬أوراق‭ ‬تُثبت‭ ‬شخصيته،‭ ‬وهكذا‭ ‬فعل‭ ‬القروي‭ ‬بعد‭ ‬أسابيع‭  ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬استعار‭ ‬كتاباً‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬تروتسكي،‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬تلك‭ ‬المكتبة‭ ‬طالما‭ ‬كتبنا‭ ‬قصائدنا‭ ‬وعروضنا‭ ‬عن‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬نقرأها،‭ ‬كُنَّا‭ ‬نحرص‭ ‬على‭ ‬زيارة‭ ‬تلك‭ ‬المكتبة‭ ‬هرباً‭ ‬من‭ ‬مفارز‭ ‬الأمن‭ ‬والشرطة‭ ‬والانضباطية،‭ ‬ومن‭ ‬أوجاع‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬تنهق‭ ‬وتنحب‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬غدتْ‭ ‬تلك‭ ‬المكتبة‭ ‬ملاذ‭ ‬هروب‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬الجحيم‭ ‬الذي‭ ‬يقطر‭ ‬بجمره‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬والبلاد‭ ‬بأسرها،‭ ‬وبسبب‭ ‬الجوع‭ ‬الذي‭ ‬يحاصرنا‭ ‬كنتُ‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬أعلس‭ ‬قشور‭ ‬الليمون‭ ‬لأغيّر‭ ‬من‭ ‬مرارة‭ ‬مذاق‭ ‬فمي‭ ‬ولكي‭ ‬أطرد‭ ‬رائحة‭ ‬الخمر‭ ‬الكريهة،‭ ‬أذكر‭ ‬ذات‭ ‬ظهيرة،‭ ‬كنّا‭ ‬بطريقنا‭ ‬إلى‭ ‬جريدة‭ ‬الجمهورية‭ ‬عندما‭ ‬اقترح‭ ‬عليّ‭ ‬القروي‭ ‬إزالة‭ ‬الغبار‭ ‬الذي‭ ‬يغطي‭ ‬وجهي‭ ‬بأوراق‭ ‬شجرة‭ ‬قريبة‭ ‬بعد‭ ‬دعكها،‭ ‬ولم‭ ‬أتردَّد‭ ‬من‭ ‬تنفيذ‭ ‬الفكرة،‭ ‬إذْ‭ ‬مسحت‭ ‬وجهي‭ ‬بأوراق‭ ‬اليوكالبتوس؛‭ ‬وإذا‭ ‬بالقروي‭ ‬ينفجر‭ ‬بالضحك،‭ ‬ولما‭ ‬طلبتُ‭ ‬منه‭ ‬توضيح‭ ‬الأمر،‭ ‬أخبرني‭ ‬أنَّ‭ ‬وجهي‭ ‬اصطبغ‭ ‬باللون‭ ‬الأسود‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬أوراق‭ ‬الشجرة‭ ‬متلوّثة‭ ‬بدخان‭ ‬عوادم‭ ‬السيارات‭.. ‬حتى‭ ‬الأشجار‭ ‬كانت‭ ‬تختنق‭ ‬مثلنا‭ ‬في‭ ‬العاصمة؛‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬فرغنا‭ ‬من‭ ‬تناول‭ ‬الشلغم‭ ‬المسلوق،‭ ‬اقترح‭ ‬علينا‭ ‬الغجري‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬من‭ ‬جديد‭.. ‬لكي‭ ‬نقتل‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬صالته‭ ‬المزدحمة‭ ‬بالأدباء‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬قراءات‭ ‬الجلسة‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬الرشيد،‭ ‬الغريب‭ ‬أنَّ‭ ‬الوشق‭ ‬تحمَّس‭ ‬إلى‭ ‬الفكرة؛‭ ‬والسبب‭ ‬أنَّ‭ ‬إشاعة‭ ‬سرتْ‭ ‬بين‭ ‬جمع‭ ‬المثقفين‭ ‬مفادها‭ ‬وجود‭ ‬سركون‭ ‬بولص‭ ‬وسعدي‭ ‬يوسف‭ ‬وحتى‭ ‬مظفر‭ ‬النواب‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬وصلت‭ ‬الأنباء‭ ‬أنهم‭ ‬سيقرؤون‭ ‬قصائدهم‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬الشعرية‭ ‬صباح‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬والواقع‭ ‬أنَّ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإشاعات‭ ‬كان‭ ‬يروّج‭ ‬لها‭ ‬بعض‭ ‬الموظفين‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬والإعلام‭ ‬وبتوجيه‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة؛‭ ‬وربما‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬عليا‭ ‬كانت‭ ‬تصل‭ ‬تلك‭ ‬التوجيهات‭ ‬إلى‭ ‬صالة‭ ‬فندق‭ ‬المنصور‭ ‬ميليا،‭ ‬وهي‭ ‬محاولة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬لجذب‭ ‬الجمهور‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬قاعة‭ ‬الشعر،‭ ‬ذلك‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معظمه‭ ‬من‭ ‬منتسبي‭ ‬الوزارة‭ ‬،‭ ‬وهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬القسرية‭ ‬بحضور‭ ‬الجمهور‭ ‬وصلت‭ ‬أسرارها‭ ‬إلى‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬والضيوف‭ ‬الذين‭ ‬فضّل‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬غرفهم‭ ‬يحتسون‭ ‬الخمر‭ ‬مع‭ ‬ثلَّة‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الحضور‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬الشعر،‭ ‬وقد‭ ‬لعب‭ ‬الشاعر‭ ‬الغجري‭ ‬دوراً‭ ‬بارزاً‭ ‬بكشف‭ ‬ألاعيب‭ ‬وخدع‭ ‬الوزارة‭ ‬وكان‭ ‬يتجوَّل‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭. ‬ويردِّد‭ ‬دون‭ ‬انقطاع:‭ ‬

‏-‭ ‬أي‭ ‬جمهور‭ ‬شعر‭ ‬هذا؟‭ ‬كلَّه‭ ‬من‭ ‬موظفات‭ ‬الوزارة‭ ‬؟!‏

وكان‭ ‬يعرّض‭ ‬حياته‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬فادح،‭ ‬ينجو‭ ‬منه‭ ‬بأعجوبة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرّة‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬أنَّهُ‭ ‬كان‭ ‬ثملاً‭ ‬ولا‭ ‬يعي‭ ‬‏‏ما‭ ‬يقول‭ …‬!‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الوشق‭ ‬يتحدَّث‭ ‬بلوعة‭ ‬للأدباء‭ ‬الضيوف‭ ‬عن‭ ‬بطش‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وكنت‭ ‬أعزّز‭ ‬حديثه‭ ‬حين‭ ‬أصف‭ ‬لهم‭ ‬المجازر‭ ‬الدموية‭ ‬للمعارك‭ ‬والإعدامات‭ ‬العشوائية‭ ‬للجنود‭ ‬المتسربين‭ ‬من‭ ‬المعركة؛‭ ‬كانَ‭ ‬الضيوف‭ ‬يلوذون‭ ‬بصمت‭ ‬مرير‭ ‬كأنَّ‭ ‬على‭ ‬رؤوسهم‭ ‬الطير،‭ ‬أما‭ ‬القروي‭ ‬فكان‭ ‬هندامه‭ ‬البائس‭ ‬وحزنه‭ ‬المستديم‭ ‬يفضحان‭ ‬بجلاء‭ ‬الحرمان‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك،‭ ‬أصبحنا‭ ‬نلتقي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬نحن‭ ‬الأربعة‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬رطبة‭ ‬مطلَّة‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬النصر‭.. ‬وصار‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬يطلقُ‭ ‬علينا‭ ‬مُربَّع‭ ‬الصعلكة‭.‬

*من‭ ‬رواية‭ ‬حياة‭ ‬باسلة‭ ‬

[email protected]‭.‬com

مشاركة