مَنْ سبق مَنْ في التطبيع ؟ – طالب سعدون

365

 

 

 

 

 

نبض القلم

مَنْ سبق مَنْ في التطبيع ؟ – طالب سعدون

مرالاعلان الرسمي للتطبيع (الاماراتي–  الاسرائيلي) ، ومن ثم البحريني مرورا عابرا ، دون ضجة كبيرة ، أو (غضب عارم) إعتادت الاسماع على نبرته عقودا طويلة ، أو إنفعالات بأشد العبارات وأقوى كلمات التهديد والوعيد  ، بل وجدنا من يدافع عنه ، ويدعو له ، أو يبرره ، أو يسكت عنه كاضعف أنواع القبول …

ردود فعل (باردة)  لم  تزدها حرارة تلك الاصوات الرافضة  ببيان أو تصريح هنا او مقال هناك ، ولذلك لم يتوقف المراقب عندها طويلا أو يتابع  تأثيرها ، أوتذهب به التوقعات بعيدا ، بل يراها شيئا عاديا جدا ،  فينصرف الى ما هو أهم منها من مشاكل وازمات تشغل بال العرب اليوم ، وكل بلد له نصيبه منها!..

هناك اسباب كثيرة لهذا المستوى من  (اللامبالاة) مع حدث كان (يحرق) من يتقرب منه ، ويُعد من المحرمات تناولتها في مقال سابق (الزمان – 20 أب الماضي) في مقدمتها ( الانشغال بالهموم المحلية الخاصة ، وكثرة الازمات العربية)  فبعد كانت لنا (فلسطين واحدة) ، (تناسلت) بمرورالزمن ، و(فرخت فلسطينات) كثيرة ، ولا نعلم كم سيبلغ عددها في قادم السنين وتوالي الحكام والسلاطين ..

هذه الكثرة جعلت العربي من غير الفلسطينيين  ينسى الاولى ، وينشغل (بفلسطينه) الخاصة ..

تطبيع الامارات ومن ثم البحرين وما سيتبعهما من أسماء تتردد حاليا لتلحق بهذا الركب في الوقت المحدد لها ضمن خطة مرسومة ،  لم يكن مفاجئا ، وربما تأخر كثيرا ، قياسا على مستوى العلاقات القائمة  (المعلنة والمستترة) ، ولذلك لم يشكل صدمة ،  أو حالة غريبة  أو غير متوقعة ..

لكن ..

هناك ما هو أخطر من التطبيع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي ، كنا نعيشه على مدى سنوات بهدوء  تحت مسمى أخر ، ساعد بقدر معين في إلاختراق للعقول منذ وقت مبكر وفرض  (التطبيع النفسي) عليها  فرضا ، وجعلها (مطبعة) وإن لم  تكن راغبة ..

التطبيع الاعلامي جعل الناس يستمعون ، ويتابعون رغما عنهم وجهة النظر الأخرى ، ودخل (الأخر المرفوض) بيوتهم عنوة ، وأقنعهم بوجهة نظره قسرا ..

التطبيع الاعلامي .. مهد (بطريقة ناعمة)  للتطبيع ، وسبق  كل انواعه الاخرى في الدور والتوقيت ، تحت ذريعة المهنية  والرأي  والرأي الاخر والسبق الصحفي ..

هناك وسائل إعلام هيأت – بقصد أو غفلة – على مدى سنوات طويلة الارضة المناسبة والاجواء النفسية للجماهير، ومهدت الطريق بعرض المقدمات والمبررت والاغراءات لقبول  ما كان مرفوضا ومقاطعا ، وجعلت الرأي العام يعتاد على التعامل مع (اسرائيل) ، حالها حال الدول الاخرى في التغطية الاخبارية والاستضافة  والحوار والرد والتعليق والتوضيح ، فقد ظهر في الفضائيات والصحف من يتحدث ويعرض وجهة نظرها من الناطقين باسمها أو محللين وإستراتيجيين وإعلاميين وصحفيين وسياسيين  وناشطين بحجة سماع الرأي الاخر ، يعرضون ما يشاءون من حجج وبراهين تؤيد وجهة النظر الاسرائيلية التي تتقاطع مع الرأي الفلسطيني والعربي .

وإمتد التطبيع الاعلامي الى مجالات أخرى منها الزيارات والوفود المشاركة في الاعمال الفنية والمؤتمرات والندوات  والظهور على  المنصات الاعلامية الاسرائيلية بمسمياتها الكثيرة ومناقشة اوضاع المنطقة بما يوحي أن (اسرائيل) لاعب اساسي فيها ، أو هي من تقرر مستقبل المنطقة وإظهار (مزايا) التطبيع وعائده الايجابي لما تمتلكه (اسرائيل) من قوة وامكانات مادية وعلمية وتكنلوجية وعسكرية كبيرة، وستساعدها وتقف معها وستفتح امامها فرصا كبيرة للعمل والاستثمار والطاقة ..

لقد لعب التطبيع الاعلامي – ببراءة أو بقصد – دورا واضحا في تغيير نمط العلاقة مع (اسرائيل) من (عدو  وكيان غاصب الى صديق مسالم  ومؤثر) وستكون حامية ومساندة  للمنطقة من اعداء (مفترضين أو حقيقيين) وستشهد بعد التطبيع طفرة نوعية على الصعيد الامني والاقتصادي والعلمي  والسياحي وحالة من الاستقرار والتطور والسلام خلاف حالة القطيعة  !!..

 وعلى هذا الاساس .. هناك من يرى أن الاعلام  كان (القوة الناعمة) التي مهدت لكل انواع التطبيع الاخرى وتسويقها وجعلها مقبولة لدى الرأي العام أو اظهارها وكأنها (متفوقة) على الاخرين ..

وكانت المقارنة في الاعلام تبدو واضحة بين طرف (ينعم) بالديمقراطية والسلام وحقوق الانسان ويزداد  قوة وتأثيرا وإمتدادا في المنطقة والعالم ، وطرف أخر  يتراجع ويعاني  من الفساد والاضطهاد والفوضى والخراب والفشل في توفير الحياة المناسبة وتمسك القائمين على الحكم بالسلطة دون مقابل يقدم للمواطنين..

باختصار.. الاعلام  تمكن  على مدى سنوات طويلة من أن  يجعل المتلقي  يقتنع بان (اسرائيل) أصبحت أمرا واقعا ورقما مهما في المنطقة ، وبيدها مفتاح السلام والاستقرار ولا بد من قبولها والتعامل معها لتسوية وحل مشاكل المنطقة وازماتها ومن بينها القضية الفلسطينية ، وهناك من ذهب أبعد  فيرى أن مستقبل المنطقة تقرره (اسرائيل) وحدها ، وليس غيرها .. (!!!) ..

هذا هو ((نضال)) الحبر والورق ، فهل له أن يمحو نضال عقود من الدم والعرق ؟..

– قضية فلسطين  أكبر من التطبيع ..

– فلسطين قضية شعب وحق لا يسقط بالتقادم ولا  ينال التطبيع  من عدالتها ، أو يؤثر على مشروعيتها ، فقد سبق هذا التطبيع تجارب عربية  تطبيعية  معروفة ، سارت على هذا الطريق ، ومع ذلك بقيت القضية  الفلسطينية حية ولن تحل  إلا بطريق واحد هو الاعتراف بالحقوق المشروعة لاهلها واقامة دولتهم على ترابهم الوطني بموجب القرارات  والمواثيق الدولية..

00000000000000000000000

كلام مفيد :

الطريق الاسرع للهدف هو الخط المستقيم .. (غاندي)

مشاركة