مَنْ المؤهل لتعديل الدستور؟ – جليل وادي

356

كلام أبيض

مَنْ المؤهل لتعديل الدستور؟ – جليل وادي

لو كان السياسيون الذين عملوا في السلطة التشريعية بنسخها المتعددة بدءا من الجمعية الوطنية وانتهاء بما أفرزته الانتخابات الأخيرة مؤهلين سياسيا وثقافيا ووطنيا لما وصلت أوضاع العراق لهذا المنحدر المرعب، فهذه الطبقة هي التي شرعت ما أشاع المحاصصة والاقصاء والأحقاد، وهي التي فضلّت مصالحها الشخصية والحزبية على حساب المصالح الوطنية، وهي التي تميعت مع المحتل، وخيم عليها الصمت يوم كان بريمر يصول ويجول في البلاد خرابا ليدمر كل البني التحتية، ويؤسس مجلسا للحكم على أسس مذهبية وقومية وعشائرية، وهي التي ضللت الشعب وأوهمته بالتصويت على دستور فيه من الالغام ما يهدد مستقبل العراقيين، وهي التي أطربتها المحاصصة فرسختها، ووصلت بها الى أبسط مؤسسة تنفيذية، أليس هي الطبقة التي شرعت لنفسها الامتيازات والمخصصات المهولة من دون أن تستحي من العراقيين؟ أليست هي التي وفرت المناخات المناسبة لنمو وانتشار التطرف، ألم تدفع شبابنا ليكونوا ضحية تضليل التنظيمات الارهابية، وما تبعها من ردود فعل لتشكيل تنظيمات اخرى للدفاع عن الطوائف والمذاهب؟ مَنْ غيرها أستحدث المجالس والبيوتات الطائفية سنية وشيعية، لا أستثني أحدا، فالكل مشترك في المستنقع، كرد وعرب وتركمان، سنة وشيعة وغيرهما، علمانيون واسلاميون، وحدهم من تقاسم السلطة، واستحوذ كل على وزاراته ووظفها لخدمة حزبه، وعند نشوب الأزمات يتبادلون الاتهامات، ويغازلون الجماهير بشعارات وطنية وكأنهم خارج السلطة، كما حالهم الآن، ألم يصل الأمر الى بيع وشراء المناصب داخل قبة البرلمان؟ ألم يتصارعوا عند اختيار أعضاء مفوضية الانتخابات، وصموا الآذان لهمسات الحكمة التي نصحتهم بضرورة أن يكون أعضاؤها من القضاة حفاظا على نزاهة الانتخابات؟ انهم من أحزاب وقوى وتيارات سياسية لا ترى من الامور غير مصالحها، فتوزعت انتماءاتهم لدول مجاورة وغير مجاورة، وصارت لكل منهم عصاباته ومليشياته التي اتخذت من رموزنا التاريخية العظيمة اسماءها البراقة، حتى صودر قرارنا وانتهكت سيادتنا واهينت كرامتنا وخسرنا شبابنا واهدرت ثرواتنا وخربت مؤسساتنا حتى ما عاد لبلادنا وزن يذكر، وعليه فان هذه الطبقة بمختلف أشكالها لا يمكنها اصلاح اعوجاج العملية السياسية، وليس بمقدورها استعادة وطن صار نهبا لمن يشاء، ولذلك فان تشكيل لجنة برلمانية لتعديل الدستور لن تأتي بجديد، بل تُعاد الكرة ثانية، اذ يتعذر على المتخلفين وضيقي الأفق وعديمي الضمير والوطنية أن يعدلّوا الدستور، فالقوى السياسية الفاعلة في المشهد الراهن هي ذاتها التي كتبت الدستور الحالي، وبالتالي فهي غير مؤهلة وغير أمينة على مصائر الناس، كما انها ليست متحررة من التأثيرات الخارجية وأيديولوجياتها المتخلفة، نريد للدستور أن يكتبه أو يعدله خبراء متخصصون في القانون الدستوري وعلم السياسة بمشاركة مختلف الفعاليات النقابية والمهنية ومنظمات المجتمع المدني ويمكن للجنة البرلمانية المشكلة أن تكون جزءا من هذا الفريق، ومثال ذلك: لجنة الخمسين التي تشكلت بعد سقوط نظام حسني مبارك في مصر، نتطلع لدستور دائم يؤسس لعراق ديمقراطي يسوده تداول سلمي للسلطة، خال من الأحقاد والضغائن والأقصاء، يؤسس لمواطنة حقيقية، لا تمييز فيه بين الأفراد، ولا ينطوي على عبارات فضفاضة قابلة للتأويل والتفسير حسب الهوى، دستور يؤسس لمستقبل مشرق لدولة معاصرة وليس دولة القرون الوسطى، يكفل الحريات السياسية والاجتماعية، فلا قيمة لحرية سياسية من دون حرية اجتماعية، ويضمن حياة الانسان ويعدها قيمة عليا، فالدستور للإنسان اصلا، فما زال ثمن الانسان لدينا بخسا، وهو أرخص من أية سلعة في السوق، بدلالة موته المجاني، نريد دستورا يقدس الانسان حتى قبل تقديس الأديان، فما جاءت الأديان الا لتنظيم حياة الانسان، ولزاما أن يجرم هذا الدستور أي سلاح خارج نطاق الدولة، فلنتأمل تجاربنا الفاشلة على مدى العقود الماضية ونستخلص منها العبر لكتابة دستور يوقف بحر الدم الهادر، ويؤسس للثقة بين الناس والدولة وبين المكونات المختلفة للشعب، ويمجد ألوانها الجميلة، فما الكوارث التي نحن بها الا حصيلة انعدام الثقة، وأولها الصراع على السلطة، وثانيها المحاصصة الطائفية والحزبية، ودستور كهذا لا يمكن أن يكتبه الذين لا يفكون الخط من أعضاء البرلمان، يكفي استهانة بالإنسان يا جماعة.

ديالى

مشاركة