مَقْهَى – البرهان حيدر

 

البرهان حيدر

فِي مَقْهَى “قَهْوَة وَكِتَاب”،
الْوَاقِعِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ،
يَجْلِسُ بَعْضُ الْبَشَرِ،
وَالْبَاحِثَاتُ عَنِ التَّدْخِينِ الْيَوْمِيِّ وَالشَّهْوَةِ،
وَالْإِعْلَانَاتِ عَلَى مَنْصَّةِ “تِيك تُوك”.
الْقَهْوَةُ الْعَرَبِيَّةُ مُرَّةٌ جِدّاً،
مِثْلُ وَاقِعِ الْمُثَقَّفِينَ.

حَدِيثٌ عَقِيمٌ يَدُورُ عِنْدَ الطَّاوِلَةِ الْمُجَاوِرَةِ عَنِ الدِّينِ!
يَا إِلَهِي، لِمَاذَا لَا يَكُفُّوا عَنْ هَذَا الْجِدَالِ الْأَغْبَرِ؟
فِي دَاخِلِ الْمَقْهَى مَكْتَبَةٌ صَغِيرَةٌ،
أَرْشُفُ الشَّايَ الْمُطَعَّمَ بِعَصِيرِ اللَّيْمُونِ الْحَامِضِ،
وَأَقْرَأُ بَعْضَ الْعَنَاوِينِ:
هَنَا مَجْمُوعَةُ سَعْدِي يُوسُفَ،

كَامِلَةً فِي سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ.
أَتَصَفَّحُ الْجُزْءَ السَّابِعَ مِنْهَا،
أَوَّلُ قَصِيدَةٍ تَبْدَأُ مِنْ طَنْجَةَ وَالْقَهْوَةِ!
الْحَدِيثُ هُنَا يَرْتَفِعُ وَيَهْبِطُ…
الصَّرَاخُ هُوَ طَابِعُ الْجَالِسِينَ.

حَقِيقَةُ الْحَيَاةِ دَائِرَةٌ وَمُرَّةٌ!
بِالْأَمْسِ، كُتِبَتْ قَصَائِدُ الْمَدِيحِ لِجَلَّادِ الْعِرَاقِ.
مُثَقَّفُونَ تَكَاثَرُوا فِي الطَّوَابِيرِ لِيَمْدَحُوا.
وَالْيَوْمَ، هُنَا فِي الْمَقْهَى، يَصْرُخُونَ فِي بَعْضِهِمْ:
“أَنْتَ مِنْ قُلْتَ كَذَا…”
“وَأَنْتَ مِنْ نَاصَرْتَ كَذَا…”
وَالْغَرِيبُ فِي الْأَمْرِ،
أَنَّهُمْ يَمْدَحُونَ الْأَحْزَابَ الْجَدِيدَةَ وَالسُّلْطَةَ،
وَيَقِفُونَ أَذِلَّاءَ لِلْحُصُولِ عَلَى سُحْتٍ حَرَامٍ
وَبَقَايَا فَضْلَاتٍ…
ابْنُ آوَى يَقُودُ الْقَطِيعَ نَحْوَ مَدْحِ السَّلَاطِينِ.
الِانْتِهَازِيُّونَ يَقُودُونَ سَفِينَةً تَائِهَةً فِي عَرْضِ الصَّحْرَاءِ،
وَيَجُرُّونَ بِالْحِبَالِ أَخْطَاءَهُمْ ضِدَّ الشَّعْبِ…
الشَّعْبُ!

 

أَيُّ شَعْبٍ هَذَا؟
الطَّبَّالُونَ يَقُودُونَ أَوْكَارَ الْفَنِّ الْمُبَعْثَرِ مُنْذُ قُرُونٍ،
وَيَدْفَعُونَ بِهِ إِلَى الشَّارِعِ الْحَزِينِ.
يَلْبَسُونَ أَثْوَابَ الزُّهْدِ،
وَفِي قَاعَاتِ الِاحْتِفَالَاتِ،
يَتَبَخْتَرُونَ مِثْلَ طَوَاوِيسَ تَعِيسَةٍ.
فُلَانٌ كَانَ لَا يَنْبُتُ لَهُ رِيشاً،
وَآخَرُ تَبَرَّعَ بِالْقَوَادِمِ لِأَحْفَادِ الْجَلَّادِينَ.
عَجِيبٌ أَمْرُهُمْ!

بَعْدَ نَفْيٍ دَامَ أَكْثَرَ مِنْ 35 عَاماً،
عُدْتُ إِلَى الْعِرَاقِ،
لِأَجِدَ الْوُجُوهَ نَفْسَهَا تَمْدَحُ وَتَخْدُمُ بِلا كَلَلٍ.
الْحَاضِرُونَ يَشَاهِدُونَ الْمَسْرَحِيَّةَ الْمُقْرِفَةَ الدَّمَوِيَّةَ،
وَيَعُودُونَ لِيُمَثِّلُوا الْأَدْوَارَ نَفْسَهَا فِي مَسْرَحِيَّةِ الْحَاضِرِ الْمُتْعَبِ.
هَلْ أُسَمِّي هَؤُلَاءِ؟
وَأَنْعِتُهُمْ بِصَرَاحَةٍ بِـ”تُجَّارِ التَّمَلُّقِ وَالضَّاحِكِينَ عَلَى الذُّقُونِ”؟
نَفْسُ كَأْسِ الْمِيَاهِ الْآسِنَةِ يَشْرَبُونَ.
تَدَرَّبُوا عَلَى الْمَهَانَةِ مُنْذُ حَرْبِ الثَّمَانِينَ.
تُجَّارُ الثَّقَافَةِ الْخَرْسَاءِ.