موقف إنساني لا يُنسى – حسين الصدر

400

موقف إنساني لا يُنسى – حسين الصدر

-1-

كان أحد الأحبّة قاسياً في حكمه على العراقيين ، وكان ينظر اليهم نظراً سلبياً يُبعده عن تسجيل المآثر والمواقف النبيلة التي تزخر بها حياتهم الاجتماعية …

فقلتُ له :

انّ الشعب العراقي شعب عريق وفيّ ، فحين يراك مخلصاً في حبك له، وساعياً من أجل رفعته وكرامته، يبادلك الحب بالحب، ويتفاعل معك بكل ما لديه من حيوية وفاعلية وابرز الأمثلة على ذلك :

موقف الشعب العراقي من الامام الشهيد أية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر – رضوان الله عليه – فقد وظّف آخر قطرة من دمه الزكيّ ودماء الأعلام الشهداء من أهله وطلابه ووكلائه وأنصاره، من أجل انقاذ العراق من براثن الدكتاتورية الظالمة الغاشمة، فَحَمَلَتْهُ تلك المواقف الخالدة الى قلوب العراقيين وعقولهم ،وجعلتهم يلهجون بفكره وعطاءاته وفتوحاته واخلاقياته الفريدة …

انهم أدركوا أنه كان شديد الاعتزاز بهم وكان واثقا من أنهم لن يركعوا الطاغوت ،

انّ الامام الشهيد الصدر خاطب الشعب العراقي  ووصفه بانه (الشعب الحرُّ الأبيُّ الكريم )

وقال :

( اني أخاطبك .. وأنا أشد ايماناً بك وبروحك الكبيرة وبتاريخك المجيد ،

 واكثرهم اعتزازا بما طفحت به قلوب أبنائك البررة من مشاعر الحب والولاء والبنوة للمرجعية ..)

وهكذا كانت المعادلة قائمة على التلاحم الأكيد والتفاعل الشديد بين (المرجعية) الصالحة وبين أبنائها الميامين .

نعم انّ العراقيين لا يثقون، بتُجّار الحروف والمواقف، ولن يحتل هؤلاء اي مكان لهم من وجدانهم

وهذا مسلك صائب … صحيح لا يُلامون عليه .

فسارَعَ صاحبي الى التسليم بهذه الحقيقة ووافقني في الرأي .

-2-

انّ النقاط المضيئة في مسارات العراقيين أكبر من أنْ  تحصر وهي ممتدة بامتداد الأيام والحوادث دون انقطاع ، وما تدوين بعض تلك دون انقطاع وما تدوين بعض تلك الومضات الانسانية الاّ محاولة مخلصة للتذكير بما للنُبل العراقي مِنْ أهميةٍ بالغة في الميزان الأخلاقي والاجتماعي .

بمجرد ان شاع خبر اعتقال السلطة الغاشمة للامام الصدر ، التهب الشارع العراقي وخرجت العديد من المظاهرات الغاضبة في العديد من المدن والمحافظات العراقية .

لقد سميّت تلك الاحتجاجات العارمة بانتفاضة رجب / 1397 هـ ، مما اضطر السلطة الغاشمة الى اطلاق سراح السيد الصدر وارجاعه الى النجف الأشرف، لتبدأ عملية فرض الاقامة الجبرية عليه في منزله دون ان يسمح لأحد بالدخول الى داره، وهنا يبرز الموقف الرائع الذي لا ينسى  للمرحوم العلامة السيد مير حسن أبو طبيخ – الذي اخترق جموع الجلاوزة وتقدّم نحو باب دار السيد الصدر وطرق الباب فهُرع الجلاوزة واحاطوا به فقال لهم :

 انا لا اريد الدخول في الدار ،

ولكن هل تريدون قتل الاطفال جوعا ؟

سأذهب معكم الى حين تريدون “

فطرق الباب وسلّم ما كان قد جاء به من المواد الغذائية ..

وهذه أول عملية لفك الحصار الغذائي .

راجع ص 198 / الامام السيد محمد باقر الصدر في ذاكرة

العراق للاستاذ السيد صلاح الخرسان

أرايت كيف أَقَدَم على فكّ الحصار الغذائي عن الامام الشهيد الصدر وعائلته ، وهو يعلم ان السلطة الغاشمة المعروفة بالبطش والفتك سوف لن تتركه دون ان يدفع الثمن ولكنه لم يُبالِ بها ولا باجراءاتها ، وانطلق – وبكل بسالة وشهامة – ليقدّم ما قدّم في الساعات الصعبة مُعبّرا عن ولائه العميق وحبه الوثيق ونبله الكبير وانسانيته العالية وحفر في ذاكرة التاريخ عملاً لا يُنسى على الاطلاق .

حسين الصدر

مشاركة