موسم زراعة الفزّاعات – محمد الحداد

موسم زراعة الفزّاعات – محمد الحداد

الرجلُ الذي رأيتهُ يومَ أمس يُخرّبُ حديقةً جميلةً تضجُّ بالحياة ويحفرُ أخدوداً طويلاً في أرضها الخضراء ليزرعَ مُلصقاً اعلانياً ضخماً لأحدِ المرشحين هل كان يعلمُ أنهُ يغتالُ زهوراً نضرةً باذخة الجمال ليزرعَ مكانها فزّاعةً عقيمة؟

صدقوني هذا ليس سؤالاً استفزازياً مشاغباً أبداً..وأنا لا أنوي هنا أن أتجنى على أحد لكن هذا ما رأيتهُ بالفعل بعينيّ وجعلني مثلَ مخبولٍ مُعتق بجنونهِ أسألُ هذا العامل بغضبٍ عنيف: يا قاتلَ الجمال هل حقاً ضاقتْ بكَ الأرضُ بما رحُبتْ فلم تجد مكاناً لهذا الملصقِ العملاق غير حديقةٍ تكتضُّ بالورودِ والخضرةِ والجمال؟ أجابني الرجلُ ببرودٍ عجيب وهو يشيرُ إلى سيارةٍ كبيرة كانت ممتلئة بالملصقات: ماذا أفعل..هنالك الكثير من الملصقاتِ ويجب أن أجدَ لها مكاناً هنا بعد أن امتلأتْ الساحاتُ والجدرانُ والأعمدةُ ولم يبق لي أيّ خيارٍ آخر من أجل أن أحصل على ثمن عملي..لوهلةٍ سريعة لا أدري كيف تخيلتُ صاحبَ الصورةِ العملاقة التي تنتظرُ زراعتها على هيئةِ فزّاعة تقليدية تنتصبُ عالياً وسطَ حقلٍ تستطيلُ خضرتهُ على امتدادِ البصر.. قلتُ إذن لعلَّ هذا العامل يظنُّ أنهُ يضعُ فزّاعتهُ في مكانها الصحيح ويريدُ أن يطردَ عنها الطيورَ والغربان المزعجة..

أوليست هذهِ وظيفة الفزّاعاتِ على مرِّ العصور؟ لكن كم فزاعة عقيمة ترانا زرعنا من قبل طيلة السنوات العجاف الماضية فهل أثمرتْ لنا في يومٍ من الأيام وردةً جميلة أو فاكهةً يانعة أو نخلةً باذخة العطاء؟ ما أبعدَ المسافة حقاً بين أحلامِ الفلّاح وأحلامِ الغربان؟ متى ترانا سنشعرُ إذن أننا أصبحنا قريبين من موسم قطفِ الثمار؟ حينما عدتُ إلى البيت وزالَ عني غضبي قليلاً استرجعتُ مع نفسي صورة المشهد من جديد ورأيتُ أنَّ ثمة مسافةً شاسعةً أخرى كانت تفصلُ بين ما كان يفعلهُ “حافرُ الأخدود” هذا وما كنتُ أفكرُ فيهِ لحظتها..كانت تلك المسافة تمثلُ فرقاً صارخاً بين ما نستحقهُ نحن وبين ما نجنيه بالفعل..ولأنَّ المشكلةَ لا تقتصرُ على صاحبِ الصورةِ فقط لذا فثمة مسافة تناقضٍ صارخة بين طموحنا الجمعي الذي نتوقُ الوصولَ إليهِ وبين طموح أصحاب تلك الصور.

اعتمار قلب

ربما تشي كلماتي هذه بأني مُحبط جداً..وهذهِ هي الحقيقة بالفعل لأني استشعرُ احباطاً مماثلاً يعتمرُ في قلبِ المواطن البسيط وأتفهمُ تماماً شعورهُ باليأسِ القاتل وهو يمرُّ كلَّ يومٍ من أمامِ تلك الملصقات البرّاقة..يفكرُ في جدوى تلك الأموال الطائلة التي أهدرتْ في صناعتها وطباعتها ونصبها..يتأملُ وجوهَ أصحابها بحسرةٍ وهو يحملُ فوقَ ظهرهِ أثقالَ ماضٍ استنزفَ كلَّ رصيده من الأمل ولم يبقِ منهُ للغدِ أيّ شئٍ غير ومضاتٍ شبحيةٍ غامضة لا يكادُ يرى معها أية ملامح نورٍ واضحة.

أظنكم لاحظتم مثلي كيف أنَّ الجميعَ يمارسُ هواية النظر إلى أصحابِ تلك الصور بصمتٍ غريب؟ بل كأنهم يبادلوننا التحديق أيضاً باهتمامٍ استثنائي ويشعروننا بأننا بالفعل أرقامٌ مهمة جداً لاستكمالِ مشاهد تتويجهم المرتقب رغم أنَّ الجميعَ يدركُ تماماً بأننا محض أرقام مؤقتة فحسب بلا هويةٍ واضحة.

ثمة مخاوف حقيقية أصبح المواطن يدركها الآن لأنهُ بسبابتهِ هذهِ التي يعضُّ عليها الآن ندماً وحسرةً يشعرُ بأنهُ فتحَ أبواباً كبيرةً وَلجتْ من خلالها جراثيمُ الفشلِ والفسادِ والفقرِ وأسرابٍ سوداءَ من خفافيشِ الظلام..أنا أتفهمُ كلَّ ذلك تماماً وأتفهمُ أيضاً تلك المخاوف الجماعية الجديدة من تكرار ذاتِ الأخطاءِ القاتلة القديمة التي وقعَ الجميعُ فيها من قبل بمجرد أن دقَّ جرسُ الانتخابات من جديد.

حزمة طويلة

ذلك المواطن البسيط وهو يرفعُ رأسهُ عالياً نحو تلك الصور ويتأملُ أصحابها بعينيه..تؤرقهُ حزمة طويلة من الأسئلةِ القاسية:

هذهِ الآلاف من الوجوهِ التي تنتصبُ اليوم عالياً فوق رؤوسنا والتي اكتضتْ بها الشوارعُ والأسواقُ والأرصفة ولم تستثن حتى الحدائق لماذا تبدو لنا قبيل تناول الكعكة فقط بمنتهى الوداعةِ والحبِّ والسلام كأنها قراميدُ مصقولة بأزاميلِ الجمال؟ لماذا تتغيرُ تماماً بمجردِ أن تحصدَ فوزها المنتظر؟ حسناً..هذا الذي سأمنحهُ صوتي هل سيكون بعد تذوقه طعم الفوز مرآةً لآلامي بالفعل أم سيكتفي بدورِ تلك الفزاعات الفاشلة التي ذكّرني بها هذا العامل الذي زرعَ ملصقهُ الكبير وسط حديقةٍ خضراء نضرة؟ أتراهُ حينما يجلسُ غداً على كرسي الفخامة سيستأثرُ لوحدهِ بأوكسجينِ الرخاءِ والنعيمِ وينافسني على الحياة؟ كيف سنرى غداً صورَ هؤلاءِ المرشحين بمنظارِ الإنجازِ المحض بعيداً عن منظارِ القداسةِ وإدمانِ الوهم المتكرر؟

لو قيضَ لنا اليوم أن نطرحَ تلك الأسئلة الغريبة فستبدو الأجوبة قطعاً قاتمة جداً كأنها محضُ خيوطٍ سوداءَ ضائعة وسط الظلام مثل كل خيوط الحقيقةِ التي أصبحَ من العسير علينا وسط الظلمةِ الحالكة أن نميزَ أسودها من أبيضها..تماماً كصعوبةِ أن نميزَ وسط عاصفتنا الصفراء القادمة بين جمالِ زهورٍ باذخة العطر وبين قتامةِ ثيابِ فزّاعة عقيمة زرعتْ عنوةً وسط تلك الزهور..بين سوادِ الواقعِ وبياضِ الوعودِ التي تبدو اليوم أشبهَ بمرآةٍ ناصعة لا يريدُ الشعبُ ممن منحهم ثقتهُ اليوم إلّا أن يرونهم غداً فيها فحسب!

مشاركة