موجة ثانية من الثورات.. الربيع العربي لم يمت

504

بيروت‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬سقطت‭ ‬أحلام‭ ‬كثيرة‭ ‬بسبب‭ ‬الفوضى‭ ‬السياسية‭ ‬والنزاعات‭ ‬الدامية‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬انتفاضات‭ ‬شعبية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬ضد‭ ‬حكام‭ ‬متسلطين،‭ ‬لكن‭ ‬ثورات‭ ‬جديدة‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬2019‭ ‬لتثبت‭ ‬أن‭ ‬روح‭ ‬الثورة‭ ‬لم‭ ‬تمت‭.‬

قبل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬انطلقت‭ ‬شرارة‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬االعربي‮»‬‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ثم‭ ‬امتدت‭ ‬الى‭ ‬مصر‭ ‬فالبحرين‭ ‬وليبيا‭ ‬وسوريا‭ ‬واليمن‭. ‬حمل‭ ‬المتظاهرون‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬الشعب‭ ‬يريد‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‮»‬،‭ ‬وبالفعل،‭ ‬سقط‭ ‬أربعة‭ ‬رؤساء‭ ‬كانوا‭ ‬حكموا‭ ‬بلادهم‭ ‬لعقود‭. ‬في‭ ‬2019،‭ ‬ردّدت‭ ‬حناجر‭ ‬المطالبين‭ ‬بالتغيير‭ ‬الشعار‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬والسودان‭ ‬ولبنان‭ ‬والعراق‭.‬

ويقول‭ ‬آصف‭ ‬بيات،‭ ‬صاحب‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬دون‭ ‬ثوار‮»‬‭ ‬حول‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬‮«‬أثبتت‭ ‬موجة‭ ‬انتفاضات‭ ‬2019‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬والسودان‭ ‬ولبنان‭ ‬والعراق‭ ‬أن‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يمت‭.. ‬بل‭ ‬تواصل‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬معتمداً‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الممارسات‭ ‬الجماعية‭ ‬نفسها‮»‬‭.‬

وخرج‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬‮«‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬للمطالبة‭ ‬بالحرية‭ ‬والعدالة،‭ ‬فصرخوا‭ ‬ضد‭ ‬فساد‭ ‬أنظمتهم،‭ ‬واشتبكوا‭ ‬مع‭ ‬أجهزتها‭ ‬الأمنية‭.‬

ويقول‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬الشرقية‭ ‬والإفريقية‭ ‬التابعة‭ ‬لجامعة‭ ‬لندن‭ ‬أرشين‭ ‬أديب‭ ‬مقدم‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬‮«‬المحرك‭ ‬الرئيسي‭ ‬للربيع‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يغلي‭ ‬تحت‭ ‬السياسات‭ ‬العربية‮»‬‭. ‬ويضيف‭ ‬‮«‬2011‭ ‬أودت‭ ‬الى‭ ‬2019،‭ ‬و2019‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‮»‬‭.‬

‭ ‬السودان‭ ‬

في‭ ‬2011،‭ ‬وعلى‭ ‬غرار‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬تابع‭ ‬شباب‭ ‬السودان‭ ‬بحماس‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬من‭ ‬حولهم‭.‬

ويقول‭ ‬الناشط‭ ‬محمد‭ ‬العمر‭ (‬37‭ ‬عاماً‭) ‬إن‭ ‬‮«‬مجموعات‭ ‬ضغط‭ ‬شبابية‭ ‬تنظم‭ ‬احتجاجات‭ ‬صغيرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‮»‬‭ ‬تشكلت‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬بعد‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬و»بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الأجسام‭ ‬المهنية‭ ‬في‭ ‬التشبيك‭ ‬والتنسيق‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬النظام‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬نظام‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬الذي‭ ‬تسلم‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬1989،‭ ‬كان‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬تحركات‭ ‬محدودة‭. ‬وقمع‭ ‬تظاهرات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬خرجت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2013‭ ‬ضد‭ ‬رفع‭ ‬الدعم‭ ‬عن‭ ‬المحروقات،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬عشرات‭ ‬القتلى،‭ ‬بحسب‭ ‬مصادر‭ ‬رسمية،‭ ‬فيما‭ ‬تحدثت‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬عن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬قتيل‭.‬

لكن‭ ‬تلك‭ ‬التظاهرات‭ ‬بينت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬شوق‭ ‬كثر‭ ‬لتغيير‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬دول‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭.‬

ويقول‭ ‬العمر‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬2013،‭ ‬بدأت‭ ‬دائرة‭ ‬معارضة‭ ‬النظام‭ ‬تتسع‭ ‬وتتغلغل‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الشعبية،‭ ‬وبدأت‭ ‬حركات‭ ‬شبابية‭ ‬تطالب‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‮»‬‭.‬

بعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬تكرّر‭ ‬المشهد‭. ‬وفي‭ ‬19‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬2018،‭ ‬احتج‭ ‬مئات‭ ‬السودانيين‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬الحكومة‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الخبز‭ ‬ثلاثة‭ ‬أضعاف‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحوّلت‭ ‬التظاهرات‭ ‬إلى‭ ‬حراك‭ ‬يطالب‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭.‬

ويقول‭ ‬العمر‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الحراك‭ ‬السوداني‭ ‬كان‭ ‬اكثر‭ ‬تنظيماً‮»‬‭ ‬من‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬مشدداً‭ ‬على‭ ‬سلميته‭ ‬‮«‬برغم‭ ‬محاولات‭ ‬أجهزة‭ ‬أمن‭ ‬النظام‭ ‬جره‭ ‬إلى‭ ‬العنف‮»‬‭.‬

في‭ ‬11‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬2019،‭ ‬عزل‭ ‬الجيش‭ ‬البشير،‭ ‬وتمّ‭ ‬تشكيل‭ ‬مجلس‭ ‬عسكري‭ ‬انتقالي،‭ ‬لكن‭ ‬آلاف‭ ‬المتظاهرين‭ ‬واصلوا‭ ‬اعتصامهم‭ ‬أمام‭ ‬المقر‭ ‬العام‭ ‬للجيش،‭ ‬واصفين‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬انقلاب‮»‬‭.‬

وقام‭ ‬مسلحون‭ ‬باللباس‭ ‬العسكري‭ ‬بتفريق‭ ‬المعتصمين‭ ‬في‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬2019‭.‬

وبعد‭ ‬مفاوضات،‭ ‬تمّ‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬وقادة‭ ‬الاحتجاج‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬المجلس‭ ‬السيادي‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬غالبية‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭ ‬ويتولى‭ ‬عسكري‭ ‬قيادته‭ ‬لمرحلة‭ ‬انتقالية‭.‬

ويقول‭ ‬العمر‭ ‬الذي‭ ‬اعتقل‭ ‬خلال‭ ‬الاحتجاجات،‭ ‬إن‭ ‬خبرة‭ ‬التنظيم‭ ‬التي‭ ‬راكمها‭ ‬السودانيون‭ ‬منذ‭ ‬2013‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬لصالحهم،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬تشكيلهم‭ ‬‮«‬تجمع‭ ‬المهنيين‭ ‬السودانيين‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬تحركات‭ ‬2018‭ ‬و2019‭.‬

ويتحدث‭ ‬بفخر‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬التظاهرات‭ ‬تنظم‭ ‬يومياً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬ولا‭ ‬تنطلق‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬سماع‭ ‬المحتجين‭ ‬‮«‬زغاريد‮»‬‭ ‬تطلقها‭ ‬إحدى‭ ‬المتظاهرات‭.‬

‭ ‬الجزائر‭ ‬

في‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬2011،‭ ‬حصلت‭ ‬تحركات‭ ‬اجتماعية‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬وقعت‭ ‬خلالها‭ ‬اشتباكات‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الأمنية‭. ‬لكن‭ ‬السلطة‭ ‬عمدت‭ ‬مسرعة‭ ‬الى‭ ‬رفع‭ ‬الأجور‭ ‬والإعانات‭ ‬للمواطنين‭ ‬بهدف‭ ‬إرساء‭ ‬الهدوء‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬لطالما‭ ‬لاحق‭ ‬سكانه‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬سنوات‭ ‬‮«‬العشرية‭ ‬السوداء‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬‭(‬1992-2002‭). ‬ويقول‭ ‬الناشط‭ ‬الجزائري‭ ‬زكي‭ ‬حناش‭ (‬33‭ ‬عاماً‭) ‬إن‭ ‬صدمة‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬‮«‬منعت‭ ‬الجزائريين‮»‬‭ ‬من‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬بالحجم‭ ‬نفسه‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنعهم‭ ‬‮«‬من‭ ‬متابعة‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬وسوريا‭ ‬بحماسة‭ ‬يختلط‭ ‬بها‭ ‬الخوف‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬السلطة‭ ‬أن‭ ‬تستعين‭ ‬بأموال‭ ‬عائداتها‭ ‬النفطية‭ ‬لتهدىء‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬في‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2019،‭ ‬بدا‭ ‬الوضع‭ ‬مختلفا‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬اسعار‭ ‬النفط‭ ‬وفراغ‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭.‬

في‭ ‬22‭ ‬شباط‭/‬فبراير،‭ ‬خرجت‭ ‬تظاهرات‭ ‬حاشدة‭ ‬ضد‭ ‬عزم‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬بوتفليقة‭ ‬على‭ ‬الترشح‭ ‬لولاية‭ ‬خامسة‭ ‬الذي‭ ‬اعتبروه‭ ‬إهانة‭ ‬لهم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عجزه‭ ‬بسبب‭ ‬تراجع‭ ‬صحته‭ ‬منذ‭ ‬إصابته‭ ‬بجلطة‭ ‬العام‭ ‬2013‭. ‬وتوسعت‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬الى‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬التجمعات‭ ‬محظورة‭ ‬فيها‭ ‬منذ‭ ‬2001‭.‬

وأعادت‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬لاحقاً‭ ‬بـ»الحراك‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬الذاكرة‭ ‬مشاهد‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬ضد‭ ‬النظامين‭ ‬اللذين‭ ‬حكما‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬لعقود‭ ‬وسقطا‭ ‬في‭ ‬2011‭.‬

ويقول‭ ‬حناش‭ ‬‮«‬تعلمنا‭ ‬من‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭.‬

وسحب‭ ‬الجيش‭ ‬الجزائري،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومصر،‭ ‬دعمه‭ ‬للحكومة‭. ‬واستقال‭ ‬بوتفليقة‭ ‬في‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭.‬

ولكي‭ ‬لا‭ ‬يتكرر‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬استمر‭ ‬المتظاهرون‭ ‬في‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جمعة،‭ ‬مصرين‭ ‬على‭ ‬رحيل‭ ‬رموز‭ ‬‮«‬النظام‮»‬‭ ‬الموروث‭ ‬من‭ ‬عهود‭ ‬بوتفليقة‭ ‬المتعاقبة‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬عقدين‭ – ‬وبينهم‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬الفريق‭ ‬أحمد‭ ‬قايد‭ ‬صالح‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬الرجل‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتوفى‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬2019‭. ‬وتمسك‭ ‬النظام‭ ‬بمواقعه،‭ ‬ونظم‭ ‬انتخابات‭ ‬رئاسية‭ ‬رغم‭ ‬رفض‭ ‬الحراك‭. ‬وأوصلت‭ ‬الانتخابات‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬نسبة‭ ‬مقاطعة‭ ‬كبيرة‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬تبون‭ ‬الى‭ ‬الرئاسة‭.‬

ودفع‭ ‬تفشي‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المتظاهرين‭ ‬إلى‭ ‬تعليق‭ ‬تحركهم‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬دروس‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬أيضاً،‭ ‬وفق‭ ‬حناش،‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬سلمية‭ ‬التحركات‭ ‬لمنع‭ ‬أن‭ ‬تنزلق‭ ‬البلاد‭ ‬نحو‭ ‬السيناريو‭ ‬السوري‭ ‬حيث‭ ‬يتواصل‭ ‬نزاع‭ ‬مسلح‭ ‬اندلع‭ ‬بعد‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬2011‭.‬

ويقول‭ ‬حناش‭ ‬‮«‬تعلمنا‭ ‬أن‭ ‬خيارنا‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬سلمية‭ ‬تحركنا‭.. ‬استمرت‭ ‬ثورتنا‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬لأنها‭ ‬بقيت‭ ‬سلمية‮»‬‭.‬

العراق‭ ‬

في‭ ‬العام‭ ‬2003،‭ ‬سقط‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬بعد‭ ‬الغزو‭ ‬الأميركي‭ ‬للعراق،‭ ‬لكن‭ ‬البديل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نظاماً‭ ‬ديموقراطياً‭ ‬قوياً‭ ‬خالياً‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬والمحسوبية‭. ‬واحتاج‭ ‬العراقيون‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتفضوا‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬ينهش‭ ‬الفساد‭ ‬مؤسساته‭.‬

ويقول‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الخالق،‭ ‬الناشط‭ ‬والصحافي‭ ‬في‭ ‬الـ34‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬مثل‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬لإصلاح‭ ‬النظام‭ ‬الديموقراطي‭… ‬بعدما‭ ‬كنا‭ ‬خرجنا‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬سيء‭ ‬بقوة‮»‬‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأميركي‭.‬

في‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2011،‭ ‬شارك‭ ‬عبد‭ ‬الخالق‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬مجموعة‭ ‬ائتلاف‭ ‬‮«‬شباب‭ ‬فبراير‮»‬‭ ‬التي‭ ‬نظمت‭ ‬تظاهرات‭ ‬أسبوعين‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ضد‭ ‬حكومة‭ ‬نوري‭ ‬المالكي‭ ‬المتهمة‭ ‬بالفساد‭.‬

هتف‭ ‬المتظاهرون‭ ‬حينذاك‭ ‬‮«‬الشعب‭ ‬يريد‭ ‬إصلاح‭ ‬النظام‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطالبوا‭ ‬بإسقاطه‭. ‬وتراجعت‭ ‬حدة‭ ‬التظاهرات‭ ‬لاحقاً،‭ ‬لكنها‭ ‬شكلت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لعبد‭ ‬الخالق‭ ‬نقطة‭ ‬تحول،‭ ‬إذ‭ ‬‮«‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬الغضب‭ ‬العراقي‭ ‬وبدأ‭ ‬الناس‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مساحة‭ ‬للاحتجاج‭ ‬والمطالبة‭ ‬بالحقوق‮»‬‭.‬

على‭ ‬مر‭ ‬السنوات،‭ ‬شهد‭ ‬العراق‭ ‬تظاهرات‭ ‬متقطعة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬البلاد‭ ‬تغرق‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬صراعاتها‭ ‬السياسية‭ ‬الداخلية‭ ‬ومشاكلها‭ ‬الأمنية‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬الجهاديين،‭ ‬وتجذر‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬مؤسساتها‭.‬

في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر2019،‭ ‬طفح‭ ‬كيل‭ ‬الشعب‭. ‬وعمّت‭ ‬البلاد‭ ‬تظاهرات‭ ‬عارمة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬تطالب‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬والطبقة‭ ‬الحاكمة‭ ‬بالكامل،‭ ‬وأجبرت‭ ‬حكومة‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬على‭ ‬الاستقالة‭.‬

بقي‭ ‬المتظاهرون‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬لكن‭ ‬حدة‭ ‬التحركات‭ ‬تراجعت‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انطفأت‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬متظاهر‭ ‬جراء‭ ‬قمع‭ ‬القوى‭ ‬الأمنية‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬بالقوة‭ ‬وهجومها‭ ‬المتكرر‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬تمركز‭ ‬المحتجين،‭ ‬ثم‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭.‬

ويقول‭ ‬عبد‭ ‬الخالق‭ ‬‮«‬أسباب‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬والخطر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يلاحق‭ ‬السلطة‭.. ‬ومن‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تندلع‭ ‬انتفاضة‭ ‬اخرى‭ ‬العام‭ ‬المقبل‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬أشد‮»‬‭.‬

‭- ‬لبنان‭ -‬

ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬الانتفاض‭ ‬على‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬فالنظام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أحزاب‭ ‬تقليدية‭ ‬تتقاسم‭ ‬كل‭ ‬تفاصيله‭ ‬ولكن‭ ‬منها‭ ‬مصالحها‭ ‬وقواعدها‭ ‬الشعبية‭.‬

ويقول‭ ‬الناشط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬منذ‭ ‬1998‭ ‬عماد‭ ‬بزي‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬منحنا‭ ‬الأمل‭.. ‬حين‭ ‬رأيت‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومصر،‭ ‬سألت‭ ‬نفسي،‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬أيضاً؟‮»‬‭.‬

في‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2011،‭ ‬ساهم‭ ‬بزي‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬لتظاهرات،‭ ‬‮«‬لكن‭ ‬النتيجة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالقدر‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬الأهمية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬للتظاهرات‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬2015،‭ ‬شهد‭ ‬لبنان‭ ‬تظاهرات‭ ‬كبيرة‭ ‬أشعلتها‭ ‬أزمة‭ ‬نفايات‭ ‬اجتاحت‭ ‬البلاد‭. ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لم‭ ‬تستمر‭ ‬طويلا،‭ ‬لكنها‭ ‬نشطت‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬هامشا‭ ‬للتحرك‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬محاصصة‭ ‬طائفية‭ ‬وحزبية‭ ‬ضيقة‭.‬

بعد‭ ‬سنوات،‭ ‬وبالتزامن‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬واقتصادية‭ ‬حادة،‭ ‬انفجر‭ ‬غضب‭ ‬الشارع‭. ‬خرج‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬في‭ ‬تظاهرات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المناطق‭ ‬اللبنانية‭ ‬رافعين‭ ‬الصوت‭ ‬ضد‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬المتهمة‭ ‬بالفساد،‭ ‬ضاربين‭ ‬بعرض‭ ‬الحائط‭ ‬كافة‭ ‬المحرمات‭ ‬الطائفية‭ ‬والسياسية‭.‬

استقالت‭ ‬حكومة‭ ‬سعد‭ ‬الحريري،‭ ‬وتواصلت‭ ‬التظاهرات‭ ‬مطالبة‭ ‬بتغيير‭ ‬جذري‭. ‬لكن‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭. ‬وجاء‭ ‬انفجار‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬ليعيد‭ ‬الناس‭ ‬الى‭ ‬الشارع‭ ‬بعد‭ ‬انكفاء‭ ‬بسبب‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭. ‬وبدا‭ ‬ان‭ ‬اللبنانيين‭ ‬غرقوا‭ ‬في‭ ‬الحزن‭ ‬وفي‭ ‬الإحباط‭ ‬والسعي‭ ‬اليائس‭ ‬لتأمين‭ ‬لقمة‭ ‬عيشهم‭.‬

لكن‭ ‬بزي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬التظاهرات‭ ‬وإن‭ ‬توقفت،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تنته‭.‬

ويقول‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬امر‭ ‬مستمر‭.. ‬موجة‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬الأخرى‭ ‬وكلها‭ ‬مترابطة‮»‬‭.‬

مشاركة