موجة الصحافة الإستقصائية – جليل وادي

367

كلام أبيض

موجة الصحافة الإستقصائية – جليل وادي

كثر الحديث في السنوات الاخيرة عما اطلق عليه بالصحافة الاستقصائية ، ونجح دعاتها في الترويج لها في الأوساط الصحافية حتى تمكنوا من اقناع المؤسسة الأكاديمية بادراجها مادة دراسية في مناهجها ، وكأنها فن اعلامي جديد ، لم تعهده وسائل الاعلام في تجربتها الماضية التي امتدت لأكثر من قرنين بصدور جريدة ( التايمز ) البريطانية كأول جريدة في العالم عام  178 وبعدها بما يقرب القرن صدرت في عهد الوالي محمد علي باشا اول جــــــــريدة عربية في مصر بعنوان ( الوقائع المصرية ) وتحديدا في العام 1828.

وكانت التحقيقات الصحفية واحدة من أبرز الفنون التي اعتمدتها ومازالت وسائل الاعلام بمختلف أشكالها المقروءة والمرئية والمسموعة ، وكان يراد بالتحقيقات التي شبهها البعض بالإجراءات التحقيقية في اقسام ومراكز الشرطة ، الوقوف على الحقيقة وكشفها للرأي العام ، بوصف ذلك وظيفتها الأساسية. وبالرغم من اختلاف البيئة الاتصالية التي سادت خلال تلك المدة وملكية وسائل الاعلام والقوى المهيمنة عليها عما هو سائد الآن ، اذ أحدثت ثورة الاتصالات تحولات جذرية في بنية العملية الاتصالية الجماهيرية ، وانتجت فضاء اعلاميا مفتوحا ، واضعة الجمهور امام خيارات لاتعد ولا تحصى ، فضلا عن تحرير الوسائل الاعلامية من القيود التي تكبل حركتها وما يعيق عملها ، لتنعم بمساحة كبيرة من المرونة والحرية ، بالرغم من اختلاف البيئتين الا ان وسائل الاعلام التقليدية انتجت العديد من التحقيقات التي كشفت فيها عن حقائق مهمة أثارت الرأي العام العالمي وأقلقت سلطات سياسية واجتماعية على مستوى عال من المسؤولية ، ومثال ذلك التحقيق الذي قام به الصحفي الامريكي (بوب وودوورد) الذى كشف فيه فضيحة تنصت الرئيس الأمريكى الأسبق (ريتشارد نيكسون) فيما عرف بقضية (ووترجيت) عام 1972 والتي انتهت به الى الاستقالة  ، وكذلك قضية (الأسلحة الفاسدة) التي فجرها الكاتب القصصي الكبير احسان عبد القدوس في مجلة روز اليوسف التي كان يرأس تحريرها عام 1950 وفضيحة (سجن ابو غريب) التي كشفها الصحفي الامريكي سيمور هيرش عام 2004 بمعنى ان الاستقصاء كان هدفا من أهداف فن التحقيق الصحفي ، ومن خلال قراءاتي في أدبيات الصحافة الاستقصائية وحضوري العديد من الفعاليات بهذا الشأن وآخرها الأصبوحة التي نظمتها نقابة الصحفيين العراقيين فرع ديالى بعنوان (الصحافة الاستقصائية) التي حاضرت فيها الدكتورة بشرى الحمداني المتخصصة بالصحافة الاستقصائية ، لم أجد ما يميز الصحافة الاستقصائية عن فن التحقيق الصحفي بمعناه الحقيقي . يحاول منظرو الصحافة الاستقصائية الاقتراب بها من اجراءات البحث العلمي على مستوى انتقاء الموضوع وتحديد الأهداف ووضع الفروض والأبعاد القانونية وغيرها عبر خطة تخضع لدراسة متأنية ، وكأن هذه الاجراءات لا يُعمل بها عندما يفكر الصحفيون بتحقيق معين ، والحقيقة ان الصحفيين يضعون كل ذلك بحسبانهم ، والعمل على وفق خرائط ذهنية واضحة. ان غالبية التحقيقات السائدة في وسائل الاعلام سواء أكانت عالمية او عربية لا تنطبق عليها الاشتراطات الفنية التي حددتها الأدبيات الاعلامية لفن التحقيق الصحفي، ولا يعني ذلك عيب في هذا الفن بقدر ما يتعلق ذلك بالصحفيين أنفسهم والمؤسسات التي يعملون بها والمهارات التي يتوافرون عليها . ما يقلق في الأمر الترويج اللافت في السنوات الاخيرة للصحافة الاستقصائية ، وانشاء الشبكات المعنية بها والمرتبطة بإخرى اقليمية او دولية ، وما تتلقاه من دعم مالي من مصادر مجهولة ، وتزويد العاملين بها بأحدث التقنيات وتوفير الحماية القانونية ومتابعة تلك الشبكات التفصيلية لكل خطوة من خطوات الصحفيين المنتمين لها والمكلفين بإنجاز تحقيقات بعينها ، وبدأت هذه الشبكات تنشط وبفاعلية   وبخاصة في البلاد العربية وتحديدا في المناطق التي تشهد تغييرات سياسية واضطرابات أمنية.

كل ذلك يثير الريبة الى درجة جعلت البعض يرى ان الصحافة الاستقصائية لدى هذه الشبكات ماهي الا عمل مخابراتي لجمع المعلومات والبيانات السرية عن الدول، ولا يمثل نشر بعض الحقائق الا تغطية على تلك الغايات ، نحن مع اكساب الطلبة والصحفيين مهارات الاستقصاء ، لكننا بالضد من الارتباط بالشبكات الاقليمية والدولية وامتداداتها المحلية.

مشاركة