(موت الأب ) لأحمد خلف – كريم جبار الناصري

711

قراءة في رواية

(موت الأب ) لأحمد خلف – كريم جبار الناصري

موت الأب رواية للأديب ( أحمد خلف) تضعنا أمام تساؤلات كثيرة عن موت الأب فأي موت كان يقصد فهناك موت غامض لابي البطل (امجد ) الصحفي وهناك موت الشخصية (نوح ) عم البطل التاجر الذي قتله أخوه ابو البطل وهناك موت الزوجة أم البطل التاجر وهناك موت ركاب الحافلة التي كان سببها ابو البطل التاجر.. ولكن لا يوجد ذكر لموت ابي البطل التاجر فأي موت الأب هذا ؟

فالأستاذ (احمد خلف) أغنانا واغنى السرد العراقي والعربي بثيمة هذه الرواية التي سيذكرها التاريخ على مداه الواسع والتي حملت فترة زمن السلطة الدكتاتورية التي انهارت وانتهت ، إضافة إلى الجانب المعرفي والتاريخي التي حملتها الرواية بين طياتها كأسماء شخصيات تاريخية وأدبية كما في وصف المكتبة والوصف الراقي للتحف ووصف اللوحات الفنية في مرسم صديقهم ( عادل بيكاسو ) و في أسلوبية الطرح في سرد الأحداث على لسان أبطالها ومنها الاسترجاع أو السرد الآني وهناك اللغة العالية السلسة التي تجعل القارئ متابعا بشغف لأحداث الرواية ومشاركا في تأويلات جملها وخاصة القارئ الذي عاش أحداث تلك المدة. أحيانا يكون الاكتشاف بعيدا عن مرام المؤلف فاليد التي ناولت الشاي في بداية الرواية ص9 ” طرقت يد بيضاء باب الحجرة بتردد …” لم نعرف في البداية لمن هذه اليد . أهي يد زوجة أو خادمة أو غير ذلك ونكتشف أخيرا في نهاية الرواية أنها يد (ساهرة ) زوجة الأب الثانية..

أقول نحن إزاء سرد لمؤلف مقتدر يعرف سر لعبة الخطاب السردي في الرواية وخاصة في زمن متدهور لواقع الحياة العراقية زمن السلطة الطاغية على كل شيء وزمن تجنب المواطن من المساءلة لأي تصرف سلوكي أو طرح رأي يشتبه به يمس السلطة أو ساستها..

فتأخذنا الرواية منذ البدء وعلى لسان البطل التاجر بعد الاتفاق مع البطل الصحفي لكتابة رواية الواقع وحياته فيسرد أحداث محورها والده حيث كانت حياته مضطربة في كنف أب سلطوي ، فوضوي ، طاغ على كل شيء في حياة العائلة حيث سلوكه مع الزوجة أو ولده (إسماعيل) الذي غادر البيت مجرد إن عرف الأب له علاقة مع خليلته سارة حفافة وجوه النساء وكذلك علاقته السيئة مع السكان المستأجرين نزلاء البيت الآخرين إلى علاقته مع أخيه (نوح ) الذي قتله فيما بعد أمام أنظار البطل في صباه وكان سببا بمقتل أشخاص في حادث سيارة والتي نجا منها بهروبه ما عدا الأمور التي لم يطلع عليها أفراد العائلة..

موت الأب وكما أشار البعض من كتب عن الرواية هي انهيار دكتاتورية النظام السابق ولكن لم تفصح عنها الرواية بصورة مباشرة فكانت ملغزة وهنا على المتلقي اكتشاف ذلك بفطنته ومعرفته القرائية للأحداث وما دلت عليه من دلالات .. نأخذ بعض الإشارات جاءت في الرواية دالة على ذلك الأب السلطوي وإشارة دالة على نهايته ..

– ” لأنه ما من عائلة استمرت معنا أكثر من عام واحد حتى تلملم أشياءها وتهرب من طغيان الصوت أو الشتيمة ..” ص12

– ” – أنها مسؤوليتي عن الجميع ” ص 14

– ” أنا هنا ، رجل الدار فحذار من التمادي في اللعب معي ” ص14

– ” وشذوذه الوحيد تمثل لي في حبه الطاغي لنفسه وتزجية أفعاله وانغماره في دنيا لم نكتشفها بيسر وسهولة ” ص15

– ” – الحق كان للحرب ضرر علي بقدر ما تحـــملته من أبي.” ص 30

– ” والأب أساء ربما أكثر من سواه ” ص 30

– ” كنت استطيع حين أقف عند نافذة الحجرة رؤية هيكل الذئب…يفتح فما فاغرا كأنه يوشك على التهام فريسة ظل يطاردها من سنين …كشفت لي الإزاحة عن رامي الرمح الروماني…. يوحي بالتسديد القاتل من عليائه في النافذة نحو الذئب ” ص 33 وهنا أشارة قوية ودالة إلى تنبؤ المؤلف بسقوط الطاغية ..

إضافة إلى تلك الإشارات هناك أشارة للحروب الفانية التي مرت على الشعب وأنهكته في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها في زمن تلك الحقبة السلطوية ونأخذ منها

– ” الآن ، ليس كوابيس الماضي وحده ، الحرب غيرت الكثير من أحلامنا ” ص 28

– ” حتى الحرب تمنى أن لا يدخل في أوارها ….حين تمتد ألسنتها لتلتهم من يدنو منها كالجوع أو العوز أو الإقرار بالرحيل عن الوطن …” ص 96

إذ كل ما طرح في الرواية بكتبها الثلاث التي سردت حياة البطل التاجر( يوسف ) وحياة البطل (امجد) هي واقع حال شعب ابتلى بسلطة فاشية أرهقت حياته بكل المجالات وكان سببها الأب وهو هرم السلطة فما كان من بعض أفراد هذا الشعب أن يعروا ويفضحوا الواقع المرير ويتنبأوا بزواله بأية وسيلة كانت ومنها كتابة هذه الرواية..

وفي زمنها وتجنبا للمساءلات كتبت برمزية محترفة وإلا كيف نشرت آنذاك …

مشاركة