مواطنون باللون الأزرق – عباس عبود سالم

272

مواطنون باللون الأزرق – عباس عبود سالم

سابقا يردد الاباء قصيدة ابو القاسم الشابي التي يقول مطلعها “اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر” اما اليوم فقد تغير مصدر الارادة للشعوب، وتغير قدرها وواقعها من شعوب  تمتلك او تختزن الارادة على تغيير اقدارها، الى شعوب مسجونة داخل عالمها الذي كنّا نسميه بالافتراضي، واليوم لم يعد افتراضيا فقد  تحول الى غول بحجم الارض تمكن من صناعة عالم جديد بعد ان غير قوانين وقواعد السياسة والاعلام والمجتمع.

والقصة تبدا من (وادي السيليكون) عندما تمكن مهندسوا  تكنولوجيا الاتصالات من ان يحدثوا تغييرا هائلا في المفاهيم  التقليدية للتواصل بين الناس و التي شهدت قفزات ثورية الى ان انتهت الى تحويل المجتمعات  والاشخاص الى حسابات حقيقية ووهمية على الشبكة العنكبوتية.

وبهذا فقد اوجدوا  لنا مفهوم آخر للشعب، لايخضع للقوانين الطبيعية والاجتماعية والسياسية التي تحكمت بالبشر لقرون عدة ، اوجدوا شعب مرن يخلق نفسه بنفسه، من خلال  الفيس بوك وتويتر وباقي مواقع التواصل التي تتكاثر  بيسر بعيدا عن قوانين المجتمع والطبيعة، فمن السهل تاسيس او الغاء البيجات والايميلات والكروبات وصناعة (الايموجي) ونشر مايحلو لنا من مقاطع، والتحكم في مساحة وجودنا في هذا العالم المفتوح الذي  يتغذى على ما نعطيه من وقت واهتمام لا اكثر .

هذا العالم خلق لنا كوكب افتراضي مواز لكوكبنا وعالمنا التقليدي، خلق فضاء جديد بذاكرة جديدة، ووعي جديد اطلقنا عليه العالم الافتراضي، او (الفضاء السيبراني) الذي انتج  اسماء واوصاف ومسميات عدة، منها الشبكة العنكبوتية، مواقع التواصل الاجتماعي، الاعلام الجديد التجارة الالكترونية وغيرها من عشرات بل ربما مئات المفردات والتسميات التي نتداولها كل يوم مثل لايك، شير، تعليق، بوست، سناب، ريتوت، تغريدة، بلوك وغيرها.

هذا الفضاء المبهر هيمن على  ذكرياتنا فهو الاقدر على توثيقها واعادتها لنا وفق مايشاء او ما نشاء، وتمكن من فتح مغاليق اسرارنا بارادتنا، واجبرنا على البوح له بكل اماكن تواجدنا، ونوع اطعمتنا،  والمفضلين من اصدقائنا، واوقات نومنا وسفرنا وطريقة تفكيرنا وقائمة المرغوب والممنوع ضمن مفضلاتنا، فقد اخذ منا الوقت والاهتمام،وسرق حواسنا السمعية والبصرية وهو الامر العصي على اي سلطة في عالمنا الواقعي مهما بلغت قوتها.

وبالتالي هو يسرق منا كل وقتنا وانتباهنا، لتنتقل اليه تناقضاتنا ومشاكلنا ونزاعاتنا، وربما شخصياتنا بكامل العدة والثقل.

والخطر ليس هنا انما تعلقنا وارتباطنا بهذا العالم  وانقيادنا له ونحن مسلوبي الارادة، وربما يتحكم بناء اخرون، لانملك الا ان نلبي طلباتهم واوامرهم ونحن مرغمين ، فكيف حدث ذلك؟

لقد حدث ذلك عندما تحولنا من مجتمعنا التقليدي الصارم، الى المجتمع الافتراضي المرن!

مرور وقت

ومع مرور الوقت ترسخت في تعاملنا معه تقاليد واصول تعامل جديدة، ربما تختلف من ثقافة الى ثقافة اخرى، ففي العالم الافتراضي العراقي اصبح لدينا شعب افتراضي عراقي، يتمتع المواطن فيه بحرية مطلقة، فالانسان او الشخص  الافتراضي يولد بولادة حسابه على السوشيل ميديا وهو  من يقوم بتحديد اسمه، وجنسه، وهويته، ولغته، وربما شكله وصورته، بخلاف العالم الواقعي الذي يجد الانسان فيه نفسه مجبرا على اسمه وصورته وشكله وهويته ودينه وجنسه وربما مستواه المعيشي والثقافي بل حتى توجهه السياسي احيانا.

لهذا تشكل الشعب الافتراضي العراقي بقوة وكثافة وتكاثر سكانه الذين يجوبون شبكة الانترنت العنكبوتية الواسعة، ليكونوا من اقوى الشعوب الزرقاء، متنعمين بحرية الحركة والتكوين والراي والحركة والحديث، فالمواطن الازرق سواء كان متجسدا بصفحة فيس بوك، او تويتر، او انستغرام، او سناب جات، يمكنه الاختباء تحت اي عنوان وجنس ولون وشكل يشاء، ويمكنه ان يصادق من يشاء، ويتزوج الكترونيا من يشاء ويعتنق ما يشاء من افكار وبالطريقة التي يشاء، فلا قيود اجتماعية، ولا اعراف دينية او اخلاقية، كل شيّء مباح في حدود هذا العالم الرحب، بخلاف العالم الواقعي الذي  يحسب  المرء فيه الف حساب لكل تصرف وسلوك انسجاما مع ما ورث من تقاليد واعراف وقيم وخوفا من ردة فعل الاخرين لاسيما حراس القيم والقوانين.

في المجتمع الافتراضي يصفق الناس لكل مهرج وتافه، ويبتعدون عن كل ناصح واعظ، تنصب حواسهم لكل مشهد ساخن! وتنغلق امام اي امر جاد، فالسيد في العالم الازرق هو من يسخف لهم عالمهم الواقعي! وياخذهم لينتشلهم من ضغوطه ومرارته، ليتنعموا باهانة رموزه وحراسه الاشداء.

في العالم الافتراضي تتشكل جيوش  تحت الطلب؟ لا يشترط فيها التدريب العسكري العنيف، ولا بناء القدرات التقليدية للقوة، ولا تشييد المعسكرات وارهاق الميزانيات باطعام واسكان وتعبئة الجنود وقيادتهم، بل بتكاليف بسيطة يمكن ان يتكفل (الذباب) او (البعوض الالكتروني) بمهام تعجز عن تنفيذها اعتى الجيوش المدربة.

فهذا النوع من الذباب يمكنه ان يقتل شخصا، او يدمر اسرة ، او يذبح حزبا، او ينهي فكرة ويزرع اخرى بلمح البصر، وما على افراد الشعب الازرق الا اعادة النشر والتغريد والمشاركة والتاييد بلا وعي ودون نقاش، مادام هدف وهوس (الجمهورية الزرقاء) هو الانتشار السريع،  فالجميع يتسابق من اجل الصدارة، ولا وقت للتفكير.

اثارة الانتباه

القيمة الاولى لدى (المواطن الالكتروني) هي الحصول على اعلى عدد ممكن من الاعجابات لهذا يتسارع الجميع للقيام بكل شيء يثير الانتباه ويكسر روتين الحياة التقليدية، التي اتخمها التربويون ورجال الدين بالحكم والمواعظ غير المنسجمة مع المزاج المتغير للبشر، فلا شيء يثير تصفيق (الشعب الازرق) الا فضيحة جنسية، او منظر جسد عار لفلانة الاعلامية، او فلانة النجمة المشهورة،  فالشعب الازرق يتمتع بحفلات هتك الاعراض، ورفع الاغطية، وكشف اسرار المنازل التي كانت عصية محكمة الغلق تنعم بالخصوصية والستر والعافية.

في (المجتمع الازرق) الحرب تسير مع السلام، والمتعة مع الخوف، والحب مع القلق، فالمشاعر المتناقضة المتباعدة في الواقع الانساني متعايشة في العالم الافتراضي.

الكارثة اليوم  ليست بانفصال العالم الافتراضي عن الواقع الحقيقي، بل يبدو اننا تجاوزنا تلك المرحلة ودخلنا مرحلة جديدة هي تحكم الافتراضي بالواقع، وتحول الناس الى بيادق تنفذ وتطيع وترضخ لسلطة الواقع الجديد،  الذي كنّا نسميه بالافتراضي، والذي تغير اليوم وصار لزاما علينا ان نبحث له عن اسم جديد ووصف جديد، ينطبق على فضاء يدخله الجميع، يرتعب منه الجميع، يحبه الجميع، يخضع له الجميع، لايستغني عنه الجميع، يتحكم في مصير ومستقبل وحياة الجميع.

اننا (الشعب الازرق) مواطنين مطيعين في فضاء (الجمهورية الزرقاء)  التي ليس لها حكومة ولا قانون بل تحكمها التفاهة والفكاهة، وتزيد متعتنا بها حفلات الفضائح وهتك التقاليد والاعراف والاعراض التي فاقت ماكنا نسميه بالصحافة الصفراء بمراحل واشواط كبيرة.

مشاركة