مهشم
علي الحديثي
على يميني تراصفت المكتبة بعدما كادت تتحول إلى مقبرة، فما عدت أزورها إلاّ كما يزور أحدنا المقابر ليستذكر عالماً آخر.
ومن خلفي تراكمت أنقاض الذكريات، لأجلس أمام غابة الفيسبوك المترامية الأوهام، وقد اشتبكت أغصان منشوراتها..
بين الحين والآخر كنت أسترق النظر إلى قائمة الأصدقاء لأرى إن كانت قد جاءت أم لا.. فقد فطمت بوجودها رغبتي عن كل من سواها… ونفثت بوجودها الروح في كلمات كنت أظن أنها قد دُفنت في مقابر الأمس..
استندت إلى الوراء، محدقاً بشاشة الحاسبة وقد حجبتها دخان سيكارتي وأنا أنفثه نحوها بقوة، مستذكراً أيامي الأولى مع الفيس، بعدما سمعت قصص أصدقائي مع النساء في تلك الغابة، فكنت محط مزاحهم وأنا أحدثهم عن أفكاري البالية، فقررت أن يكون لي قناع فيسبوكي أغطي به وجهي الحقيقي.. إلاّ أن المرء هو هو ، مهما حاول أن يحجب وجهه فتبقى ملامحه مرسومة بين حروفه…
تغلغلت عكازة الماوس بين أشجار منشوراته التي أحدثت بصخب كلماتها ضجيجاً أعيتني عن سماع أنين الكتب من تحت تراب الإهمال..
من فوضى المنشورات انطلقت نظراتي متعثرة نحو عقارب الساعة التي تلدغ الزمن بسخريتها لتستقر عند قائمة الأصدقاء الخالية من خضراء وجودها..
مثلث مهشم الأضلاع ترنحت بينها نظرات سكرى بخمرة حروفها، تلك الحروف التي حملت بثنة الرمال الناعمة عندما تعانقها خطوات عاشقة.. سحبت كتاباً، تناثر ترابه بين أصابعي، شممته كعادتي، رائحته كانت عطراً يشعرني بلذة الحياة، صفحاته تتقلب بفوضوية أمام عيني المتذبذبة بحركتها، كنت أفز بقلب مرتجف مهشّم بساعات الانتظار كلما سمعت صوت نقرة في الفيس، لأعود خائباً إلى مقبرة الكتب وأدس راسي بين سطورها، كأنني ابحث عن عينيها بين الكلمات…



















