مهارة المبدع في تطويع اللغة

الخيال وعملية الخلق الشعري عند دلشا يوسف -1-

مهارة المبدع في تطويع اللغة

جمال خضير الجنابي

عملية الخلق الشعر

اذا كانت حساسية الأديب وروحه المرهفة يدفعانه إلى التقاط مظاهرالوجود حوله وتشكيلها تشكيلاً فكرياً وفنياً متميزاُ،فان الخيال هو وسيلته في ذلك.والخيال هو ما يميزالشاعرعن سواه،لهذا عده كثيرون لغزاً من الألغاز ودعوا إلى التعامل معه بشيء من الحذر(1).ويبدو ان هذه الملكة لدى الشاعرتبعث في الاخرين الرهبة لانها عندهم سر الشعر،والشعر انما هو نتاج الخيال المبدع للشاعر، وبذلك صارخيال الشاعر رمزاً لعبقريته وقدرته الفكرية على ضم الاشياء وتأليفها في وحدة فنية لاتكون خارج البناء الفني للشعر.وقد عرف الخيال بانه(القدرة على تكوين صور ذهنية لأشياء غابت عن متناول الحس)(2).وهذا تعريف اولي للخيال بمفهومه الانساني العام،اذ ليس الخيال مجرد استحضارلصورغابت عن الحس،بل هو ملكة معقدة تنماز بعناصرها المتعددة واشكالها المختلفة بما يجعل الإلمام بالخيال وتعريفه امراً صعباً،والى ذلك اشار رسكين بقوله:(ان ملكة الخيال غامضة لايمكن تعريفها انما يمكن معرفتها باثرها)(3).

لذا يمكن ان يعد التعريف السابق للخيال تعريفاً اولياً يصلح للخيال بمفهومه العام،لانه يدلنا على ان الخيال هو قدرة الانسان على ان يستذكر صوراً لاشياء غابت عن العين وهو بذلك اقرب الى الذاكرة والتذكر منه الى الخيال بمعناه الادبي،فتذكرالاشياء بدقائقها وتفاصيلها امرمرده الى قوة الذاكرة وهو ما يحتاجه الشاعرفي تخيله ولكنه ليس هو الخيال الشعري الذي نعنيه والذي هو قوة خلاقة ومبدعة.ومن هذا فاننا نستطيع ان نقول ان الخيال(هو القابلية والقوة التي يتمكن بها الانسان عرض الاشياء عرضاً مؤثراً مجسماً مؤلفاً تأليفاً صادقاً بشكل منسق منظم)(4). اذ يمكن ان نفرق بين الخيال بمعناه العام والخيال الشعري،فقد يخلق الانسان صوراً ولكنها ليست منظمة تنظيماً واعياً،وانما تبقى مجرد صورمتنافرة لا رابط بينها،وقد يخلق صوراً منظمة ومترابطة الا انها غير مؤثرة فتفقد بذلك شرطاً من اهم شروط الانتاج الفني الاوهو التاثير.

فالخيال الشعري على وفق هذا المفهوم هو قوة مبدعة،لان الشاعرفيها يتناول معطيات الوجود وحقائقه ويشكلها تشكيلاً فنياً مؤثراً يظهر لنا فيها قدرته الفكرية المتميزة على إدراك الواقع ونقل هذا الإدراك بأسلوب فني جميل،ولذلك قيل في تعريف الشعر بانه(سجل لإحداث متخيلة مبدعة، ولكنه اكثرمن هذا،ينبغي ان توصف هذه الاحداث باسلوب حيوي مقنع)(5).في حين عَّرف بعضهم الفن الادبي عموماً بانه(لغة الخيال،او التعبير عن الخيال)(6).وربما غالى بعضهم- مثل كولردج ومدرسته-حين رأوا(إن الخيال هو الشعر)(7).وبذلك يكون نصيب الشعرمن الفنية بمقدارفنية خياله ويكون حظ الشاعر من الشاعرية بمقدار قوة خيالاته وابداعاتها.

وقد قسموا الخيال في الشعرعلى ثلاثة انواع،فهناك الخيال الابتكاري (وهو الخيال الذي يؤلف صوراً جديدة عناصرها مكونة من تجارب الفنان الذي لا يقدم صورة لواقع خارجي كما هو في حدوده المادية،وانما هو يجمع من قراءاته ومن تجاربه الحياتية عناصر تتداخل لتكون نسيج هذه الصورالجديدة المبتكرة التي لا تراها عند غيره من الفنانين، بل نحن لانراها في كثير من انتاجه الادبي الذي يكتبه في فترات مختلفة)(8).وهناك الخيال التاليفي،(وهو الخيال الذي يقوم على اثارة خارجية تبعث في نفس الفنان صوراً اخرى تشابه الصورة الخارجية المثيرة من ناحية الطابع النفسي…(وهو) يجمع بين الصوروالافكار التي يضمها اطارعاطفي واحد وحالة نفسية متشابهة) (9).وهناك ايضا الخيال التفسيري:(وهو الخيال الذي لايعنى بوصف الاشياء الخارجية وانما يحاول تفسيرها)(10).لذا فالخيال بجميع اشكاله هو دعامة للفكر الشعري،فهو الذي يبتكربه الشاعرافكاره ومعانيه،فيعيش تجارب الاخرين ويتصور كل مايجري فيها. ويتخير منها ما يتناسب ويصلح لبناء فنه.والشاعر يستعين بالخيال كي لا تأتي افكاره،ومعانيه او صوره نسخة ثانية لما في الواقع. وهذا هو سرقوة الفكر الشعري،ولولا ذلك لما كان للشعرفضل على العلم،بل لتساوى معه في التدليل على الحقائق،ولكن الخيال يضفي جمالاً على الفكر الشعري.فالشاعر الكبيرهو الذي يمده خياله بفيض الصوروالأفكارالتي تجعله يشاهد مشاعره بقدر ما يشعر بها،وقد تكون هذه الأفكار والمشاعروالصورابسط أنواع الخيال او اعقدها،لخلق فكرة جديدة (11).

لذا فالخيال هو الذي يساعد الشاعر على تشكيل الواقع الخارجي تشكيلاً جديداً،كونه من العناصر الهامة في الإنتاج الأدبي،والقوة التي تجعل الاديب يربط بين الأشياء المختلفة.

الفكر في عملية الخلق الشعري

إنّ للفكر اثراً مهماً في عملية الخلق الشعري،كما لو كان الشاعر مستوعباً ومتمثلاً لألوان الثقافة.

والفكرتحول الشعرمن ميدان التعبيرعن الحياة الوجدانية،وما يضطرب فيها من نوازع إلى تبصرعميق بالحقائق والإسرار التي تحيط به؛لان كل عمل أدبي هو حصيلة الخبرات المتوارثة وما تتركه الاثارالسابقة على النتاج الفني،وما تضيفه قدرات الشاعر الخلاقة من قيم الابتكار والإبداع التي تمثل مقدار الإضافة والتطويرالذي حققه الشاعر،وكل عمل أدبي هو حلقة التواصل في تراث الأمة الشعري وليس عملاً معزولاً عن تمثل واستيعاب اثارالخبرات السابقة في كل الميادين؛اذ استطاع الشعراء القدامى ان يحققوا نجاحات كبيرة في صنعتهم (12). وفي قول الحُطيْأة:خيرالشَّعرالحَولُّى المُحكَّكُ(13)وقال الاصمعي ت 216هـ:زهيربن ابي سلمى، والحطيئة واشباههما عبيد الشعر)(14)

وقال ابن سلام (ت231هـ):(للشعرصناعة وثقافة يعرفها اهل العلم،كسائرأصناف العلم والصناعات)(15). وهذا يتجلى في ان الشعرمهارة نوعية،ترمى الى إحداث اثر بعينه،تنشأ مصاحبة لاستعداد المبدع التي تتطلب استعمال أدوات بعينها،اذ تكتمل بالممارسة والدربة، والرجوع الى قواعد محددة، تؤخذ من تجارب السابقين الذين حققوا نجاحاً ملفتاً للنظر في صنعتهم (16).ولم تكن الصنعة قرينة الشعرفي أول نشأته،بل ان(كل شيء للعرب فانما هو بديهة وارتجال،وكأنه الهام،وليست هناك معاناة ولامكابدة،ولا إجالة فكرولااستعانة،وانما هو ان يصرف وهمه الى الكلام،والى رجزيوم الخصام،او حين يمتح على رأس بئر،او يحدو ببعير،او عند المقارعة اوالمناقلة،اوعند صراع او في حرب،فماهو الاان يصرف وهمه الى جملة المذهب،والى العمود الذي اليه يقصد،فتأتيه المعاني أرسالاً،وتنثال عليه الألفاظ انثيالاً)(17) .

ويبدو ان الشعرفي اول امره نزوع ذاتي صرف،في حين لم يكن الشعريعرف الصنعة،اما اصحابه الاول فلم يكن لهم فكريعلو على الممارسة.وقد روى الجاحظ ان عمربن الخطاب() قال:(خيرصناعات العرب ابيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته،يستميل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم)(18) .

والشعر في راي العرب،(صناعة معقدة تخضع لقواعد دقيقة صارمة في دقتها بحيث لا ينحرف عنها صناع الشعرالا ليضيفوا اليها قواعد اخرى ما تزال تنمو مع نمو الشعر وتتطور مع تطوره)(19) . فهي تقترن بالحضارة ونمو الوعي واتضاح الفكر كياناً مستقلاً. في حين ان(الشعر خلق فني يعبر به الشاعر عما يعتلج في نفسه، وهو في أكثر اشكاله اصالة وظيفة طبيعية وان صحبها جهد وعمل)(20).وما على الشعراء الا ان يتأملوا اسرار هذا النجاح،ومن ثم يحولون وعيهم باسبابه الى مجموعة من المواصفات او الاصول ،يلتزم بها كل شاعر محدث(21).إنّ هذا النوع في صناعات الشعريشيرالى تقدم الفكرالعربي وتمثله للينابيع الثقافية التي افادته من المعطيات المتاحة في الفكر الانساني مع ما اضافه العقل العربي من انجاز وتطوير في تحقيق الاقتراب من رصد ومراقبة نشاط الشاعر.والحقيقة ان موقف الجاحظ يلخص لنا كل ارائه حين عاد ليربط فكرة الاهتمام والتحكيك والعناية بالشعر في قوله:(وكذلك كل من جود في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، واعاد فيه النظر حتى يخرج ابيات القصيدة كلها مستوية في الجودة)(22).وسعى الشاعرلخلق قصيدة تخلو من العيوب والاخطاء،يدفعها تدقيق العقل وقوة الموهبة الى بلوغ الغاية من التجويد. ويرى الجاحظ في قوله:(فانما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير)(23). ولا شك ان كل من الصناعة والنسج والتصوير يتطلب وعياً وفكراً يهيمن على ممارسة الشعر.وتمثل الصناعة المهارة والقدرة اللازمتين لخلق مثال فني ذي قيمة عالية(24).وترتبط الصنعة بالجهد الشديد الذي يبذله الشاعرفي عملية الخلق الشعري.اذ ان هيمنة الوعي على صناعة الشعرمزية فضل،قال ابن قتيبة(ت276هـ:ومن الشعراء المتكلف والمطبوع،فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف ونقحه بطول التفتيش وأعاد فيه النظربعد النظر)(25).

مدلاً على عناية الشاعر والتفنن والمهارة في استعمال اللغة وامكاناتها بما يساعد الشاعر على تسليط الوعي على الشعر.وتمثل الصياغة،الجهد الذي يبذله الشاعرفي جعل ما يحسه،وما يشعربه كياناً محسوساً ماثلاً يبث فيه الروح والحياة. لقد كان الشعرعريقاً ممتد الجذورفي تاريخ ،فصار له منزلة وعلا شأن اصحابه،فاغري بعض الشعراء به،وشرع يتسرب شيء من منحاه الى طرائقهم في قول الشعر.فسئل بشار(بم فقت اهل عمرك،وسبقت اهل عصرك،في حسن معاني الشعر،وتهذيب الفاظه؟ فقال:لاني لم اقبل كل ماتورده علي قريحتي،ويناجيني به طبعي،ويبعثه فكري،ونظرت الى مغارس الفطن ومعادن الحقائق،ولطائف التشبيهات،فسرت اليها بفهم جي،وغريزة قوية فاحكمت سبرها،وانتقيت حُرها،

وكشفتُ عن حقائقها،واحترزتُ من متكلفها،ولا والله ما ملك قيادي قط الاعجابُ بشيء مما اتي به)(26).ويبدوان بشاراً لا يقبل كل مايرد عليه من قريحته،فقد جعل المنحى الفكري في قبالته وشرع يقتدي به في صياغة شعره. كون الشعريعد مهارة عقلية يحكمها الوعي،لذلك اخذ ابن طباطبا بسلطان الفكرفبسطه على صياغة الشعر،فقال:(فاذا اراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعرعليه في فكره نثراً،واعد له ما يلبسه اياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه،والوزن الذي يسلس له القول عليه.فاذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه اثبته،واعمل فكره. في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غيرتنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه)(27).ويبدو في ما يذهب اليه النقاد،ان الشاعريبني قصيدته وهو على وعي تام بها،وبين ما في ذلك من نزوع آلي(يمثله العقل لا القريحة،والمنطق العقلي لا التجربة الشعرية)(28).ومما لاشك فيه ان منبع الشعرغيرمنبع النثر،وان ليس من شاعر يخطر المعنى،اول ما يخطره في ذهنه نثراً عدا اولئك النظامين، وانما التجربة الشعرية تتفجر في حنايا النفس وتضرب في اعماقها،معربة عما هو اصيل فيها.لذا فان موهبة الشاعر واحساسه وقوة حدسه وقدرته على رسم التفاصيل والدقائق والملامح،ولاسيما بمثاله الفني،هي التي تكشف لنا حال الشعرفي الشاعرالتي تعبرعن نفسها بنفسها. فتقول الشاعرة دلشا يوسف:

(فقاقيع غليان قلبي

صامتة …

كقهوة في ركوة)

وفي قصيدة اخرى تقول:

اتعرفون

متى افطم عن الشعر

عندما تستحيل المسافة).

مشاركة