مهاجرون إلى العراق – هدى جاسم

471

مهاجرون إلى العراق – هدى جاسم

اختل توازن المقدرة على التحمل اكثر وانا اعبر من سنوات عمري النصف قرن ويزيد بسنوات ، لذا قررت ان اهاجر الى بلد اخر غير بلدي الذي اقيم وانتمي اليه كل تلك السنوات واتقاضى راتبا تقاعديا مقداره 450 دولارا بسنوات خدمة زادت على الثلاثين عاما بشهادة جامعية .. فكرت طويلا قبل ان اتوجه لدائرة الهجرة واقدم اوراقي وما تعرضت له  كل تلك السنوات من غبن وظلم وحتى تهديد بالقتل .. طرقت باب الهجرة .. استقبلتني اللجنة المكلفة بهذا النوع من الطلبات قدموا لي عدة مقترحات وبلدان للعيش فيها.. بعض البلدان تبعد عن بلدي بحاراً وقارات ، وبعضها تبعد عني حضارات . اخترت بلدا يقال له (العراق ) ، قالت لي مندوبة الهجرة انه بلد يحترم فيه الانسان ويقدم الخدمات التي تليق بانسانيتنا ووجودنا على هذا الكوكب .. بعد مراجعات ومقابلات واوراق تذهب وتاتي واخرى تعلق على بوابة الانتظار  وافقت اللجنة ومعها مندوبة الهجرة على مغادرتي بلدي .. كان علي ان ابيع بعض اغراضي فقد احتاج الى مبلغ معين يعينني على ايامي الاولى في الهجرة الى العراق .. في المطار الخاص ببلدي رافقتني مندوبة الهجرة لتدفع منظمتها اي مبلغ يترتب على حقائب السفر خارج الوزن .. لم تتركني مندوبة الهجرة حتى جلست في الطائرة التي ستقلني الى بلد الخيار (العراق) وقالت ان هناك من سينتظرك في مطار بغداد من منظمتنا .

وبعد ساعات طوال من السفر هبطنا ترانزيت في دولة اخرى ثم توجهنا الى مطار بغداد .. هناك كان مندوب المنظمة في انتظاري لتخليص اوراق الدخول لهذا البلد الغريب عني .. لم اتوقع ان تجري الامور بهذه السهولة فورا تم منحي بطاقة الاقامة الدائمة ومعها البطاقة الصحية ليصحبني الى مقر مؤقت لحين اختيار السكن الملائم لي .

في المقر المؤقت وجدت غرفة وصالة وحماماً ومطبخاً الذي تكتظ خزائنه بالمأكل والمشرب مجانا ..  وبعد يوم من الراحة جاء مندوب المنظمة مرحبا بي باسم حكومة العراق ليعلمني بانني الان مواطنة عراقية لها كل الحقوق ماعدا حق الانتخاب الذي ساحصل عليه فور حصولي على الجنسية ..

المنظمة بتوجيه وتواصل مع حكومة العراق لم تتركني بل منحتني مبلغا يمنح لاي مهاجر لمرة واحدة ومقداره ثلاثة الاف دولار من اجل شراء الاغراض والمستلزمات الاخرى في المسكن الجديد مع منحي بطاقة البنك وايداع اول راتب لي كمهاجرة ومقداره 680 دولار يمنح من الحكومة العراقية لحين ايجاد عمل يناسبني وبموافقتي وان زاد راتبي على مبلغ الحكومة الممنوح لي فان الزيادة تقطع فقط من هذا الراتب كمهاجرة ،فيما يبقى ماتبقى منه ملكا خالصا لي .. الحكومة العراقية ايضا وباتفاق مع منظمة الهجرة ستمنحني 400 دولاراً في موسم الصيف ومثلها لموسم الشتاء لشراء الملابس  اضافة للمشاركة في قيمة المنزل الذي سأستاجره للعيش فيه بقية العمر الذي ساقضيه في هذه البلاد .

الامتيازات التي منحت لي وانا في هذه البلاد ليست بالقيمة المالية التي ذكرتها لكن القيمة المعنوية الكبيرة التي جعلتني اشعر بقيمتي كانسانة وان كنت مهاجرة ،ففي بلدي لم احصل على قيمة ما اعمل له منذ سنوات وعندما ادخل اي مؤسسة اودائرة حكومية علي ان اتسلح بالصبر وارتكاب المخالفات في تقديم الرشا من اجل اتمام اية معاملة وان كانت بسيطة اما عندما احلت نفسي الى التقاعد فكان علي ان اجمع كل قوتي وانا اتابع تلك المعاملة واتلقى كل انواع الخيبات من اجل الحصول في نهاية الامر على مبلغ مالي لايكفي ايجار غرفة واحدة في اي مدينة .

لا اريد ان اذكر البلد الذي عانيت فيه طوال نصف قرن حفاظا على اسمه وسمعته بين البلدان لكنني اقف احتراماً للبلد الذي استقبلني بهذه الحفاوة والتقدير ووفر لي فرصة عمل كنت احلم بها طوال عمري اضافة الى كرامتي المحفوظة دون سؤال فقط لانني هاجرت اليه وطلبت المعونة منه لقضاء بقية حياتي بكرامة .. شكرا للعراق الذي استقبلني مهاجرة من بلد لايحترم انسانيتي .

مشاركة