من وزارة المعارف إلى مكتب اليونسكو

364

من وزارة المعارف إلى مكتب اليونسكو

دار الوالي .. مسكن الولاة العثمانيين في بغداد

 صلاح عبد الرزاق

كان مسكن الوالي يقع ضمن السراي أو مبنى الحكومة ، حيث كان يضم مسكن الوالي وحريمه وخدمه، إضافة إلى الإصطبل والحدائق. وأحيانا يكون القصر الخاص خارج السراي سواء ملاصق له مثل قصر داود باشا أو قريب منه أو ربما بعيداً عنه. ففي عهد الوالي رديف باشا (1873-1875) كان القصر الخاص يبعد 3 كيلومترات ، يقع بجانب الشاطئ حيث يرسو زورق الباشا أمامه. وأصبح فيما بعد دار التمريض الخاص التابع لمستشفى المجيدية (المستشفى الجمهوري فيما بعد) ثم (مدينة الطب) (1).

 يذكر الرحالة الأميركي وليم فوك الذي زار بغداد عام 1874 بأن (مسكن الباشا الخاص فهو قصر أنيق يبعد ميلين شمالاً على النهر، وهو محاط بالحدائق) (2). قبر السيد علي بن الامام الكاظم ع

يذكر أحد المؤرخين أنه (كان في السراي مسجد صغير يصلي فيه موظفو السراي، وبناؤه قديم ، وفيه قبر يدعى السيد علي بن الإمام موسى الكاظم (ع)، ولم اعثر على ترجمته) (3).

ويعلق المحقق على هذه القضية بقوله (توجد في الجهة القبلية من قصر الوالي المسمى دائرة الحرم ، حجرة قديمة مقببة صغيرة أعدت أصلاً لتكون مدفناً، حيث عثر بالفعل على عظام بشرية، لا يعلم صاحبها. والظاهر أنه دفن في العصر العباسي لأن مستوى الأرض التي دفن فيها ينخفض عن مستوى الأرض التي حوله بنحو ثلاثة أمتار. ثم أنها اتخذت في العصر العثماني لتكون مسجداً ، فيه محراب، فهذا هو المسجد الصغير الذي يشير إليه المؤلف) (4).

في تقرير لدائرة الآثار العراقية والمؤرخ في 4 كانون الأول1993 ورد أنه تم (( إجراء تنقيبات في القبة المجاورة لدار الوالي ، وذلك للتحري والكشف عن ماهية القبر الذي يدعى بوجوده داخل هذه القبة، وربما يرجع لأحد الأتقياء الصالحين، ولم نعثر على شاهد قبر موضوع خارج القبر يثبت اسم صاحب القبر ، وجرى التحري والتنقيب داخل القبر عن هذا الشاهد لمعرفة صاحبه. وبعد رفع الأنقاض والأتربة ظهرت حجرة صغيرة مربعة الشكل طول ضلعها 3 أمتار. وأن الجدران مغطاة بطبقة سميكة من الجص، تشير إلى أن البناء مر بعدة مراحل تعميرية. وقد أظهرت التنقيبات وجود ثلاثة أرضيات وعلى اعماق مختلفة. وكانت الأرضيات مفروشة بالطابوق الفرشي بأبعاد 30*30*5 سم.

وكان القبر يتوسط الغرفة وبأبعاد 120*80 سم ، وهو مغلف بالآجر الفرشي. وعند فتح القبر لم يتم العثور على هيكل عظمي ، بل وجدت بقايا عظام بشرية متناثرة بين الأنقاض. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأن الجثة ، من المحتمل، قد دفنت في مكان ما ثم تم نقلها إلى مكانها الحالي)) (5).

وقد بحثنا عن هذه الشخصية أي السيد علي بن الأمام الكاظم عليه السلام فلم نجد له أي أثر. علماً بأن المؤرخين يذكرون أسماء ستة عشر ابناً للامام الكاظم (ع) وأشهرهم الامام علي الرضا (ع) المدفون في مدينة مشهد بإيران، ولا يوجد له أخ يحمل اسم علي. ولعل صاحب القبر يعود بنسبه إلى الإمام الكاظم (ع) ، وجرى اختصار نسبه دون ذكر أسماء الأب والجد وصولاً للمام الكاظم (ع)

مقر وزارة المعارف وشرطة بغداد

تقع بناية دار الوالي خلف السراي القديم في جهة النهر. وكانت مقراً للسكن الخاص للولاة العثمانيين. وقد بنيت على أنقاض السراي المحروق. وقد شغلت البناية إبان الحكم الوطني بعد عام 1921 وزارة المعارف أي التربية. ولا تزال هناك لوحات حديدية على السياج الداخلي للمبنى كتب عليها (وزارة المعارف). ثم تحولت الوزارة إلى مبنى آخر في منطقة نجيب باشا في الأعظمية. ، وشغلت بناية دار الوالي دائرة الإشراف التربوي، ثم صارت مخازن لملفات وزارة التربية، ثم شغلتها مديرية شرطة بغداد حتى عام 1987 حيث جرى تسليمها إلى دائرة الآثار والتراث .

في لقاءنا مع وزير الثقافة الدكتور عبد الأمير الحمداني بتاريخ 6 مايس 2019 أبلغنا بأنه قرر تخصيص دار الوالي ليكون مكتبا لمنظمة اليونسكو في بغداد ، بدلاً من عمان.

وصف البناية

تبلغ مساحة البناية حوالي ألف متر مربع ، وتضم ثلاثة أجنحة رئيسة بطابق واحد عدا الجهة الشرقية حيث يوجد هناك سرداب . أما الجناح الشمالي الشرقي فهو يتألف من طابقين وشرفة تمتد على طوله . وهذه الأجنحة الثلاثة تكون بمجموعها عدداً من الغرف والقاعات حيث تكون مداخلها مشرفة على أروقة مسقفة بخشب (القَوَغ) والحصران، ومستندة على أعمدة خشبية (دلكات) ذات شكل مثمن بارتفاع 6 أمتار .

يتوسط الفناء الداخلي حديقة كبيرة مربعة الشكل ، تتوسطها نافورة وحوض مثمن الشكل طول ضلعه 2 متر. وقد تم الكشف عن الحوض بعد أعمال التنقيب والصيانة التي جرت عام 1989. للبناية مدخلان رئيسان: الأول يقع في الواجهة الجنوبية الغربية، والثاني يقع في الواجهة الشمالية الغربية المقابلة لنهر دجلة.

شيدت البناية على طراز العمارة المحلية البغدادية من حيث التصميم والتشكيل المعماري، وأسلوب البناء ونوعية المواد الانشائية المستخدمة. إن التصميم المعماري للبناية بسيط يؤكد على الباحة الوسطية وتوزيع الغرف والقاعات حوله حيث تكون النوافذ والأبواب مطلة على الباحة الداخلية. وتكون الحركة من خلال الرواق المسقف الذي يلتف حول الباحة.

أما المواد الإنشائية المستخدمة فهي مواد بناء محلية متوفرة وسهلة التشكيل والزخرفة. إذ استخدم الطابوق الفرشي المربع للأرضيات، والطابوق الفرشي المنجور للجدران. وترتفع أرضيات الغرف عن الممر بحوالي 60 سنتمتراً. وتوجد تحتها ثقوب أو مجاري هوائية للمحافظة على مستوى الرطوبة داخل الغرف من خلال حركة تيار الهواء . إن هذه الثقوب لها فتحات  على الممر الداخلي وعلى الواجهات الخارجية للمبنى. وهي مشيدة بالطابوق الفرشي ومسقفة بنفس الطابوق قياس (40*40) سم لتكون أرضية الغرفة.

أما السقوف فهي متكونة من روافد خشبية من شجر (القَوَغ) المعروف بصلابته ومقاومته للظروف الجوية والرطوبة، وفرش الحصير فوق الروافد ثم تغطيته بطبقة سميكة من التراب ، ثم تغطى بالطابوق الفرشي يجري رصفه بطريقة مائلة قليلاً لتصريف مياه الأمطار نحو المرازيب. أما  من الداخل فيكسى بالسقف الخشبي البغدادي ذي التشكيلات الخشبية البارزة . أما الجدران فهي من الآجر وبسمك يبلغ 60 سنتمتراً وبارتفاع 4.5 متراً ، تمنح المبنى متانة وقوة، وعزلاً حرارياً عالياً يلائم ظروف المناخ في بغداد.

أعمال صيانة دار الوالي عام 1989

في عام 1989 قامت دائرة الآثار والتراث بوضع خطة ودراسة شاملة لصيانة دار الوالي ضمن مشروع صيانة وتطوير أبنية القشلة والسراي والأبنية التراثية. واستناداً إلى تقرير الدائرة الهندسية فقد تضمنت أعمال الصيانة لبناية دار الوالي مرحلتين ، شملت المرحلة الأولى:

– إعداد المسوحات والمخططات للبناية.

– جمع المعلومات التاريخية عن المبنى والمنطقة المحيطة به.

-توثيق البناية بالصور والفيديو.

-إعداد كشوفات عن البناية وتحديد أسلوب العمل في الصيانة.

-شخيص الأضرار والاضافات التي حدثت على البناية .

-تجريد البناية من العناصر الدخيلة والمستحدثة ورفع الأجزاء المضافة والقواطع وكل التشويهات.

-إزالة البنية الحديثة الملاصقة للمبنى الأصلي والمؤثر على طابعه وهويته المعمارية.

-تقوية الأسس بعد انكشافها ودعم الأجزاء الضعيفة.

-رفع الأبواب والشبابيك والمحجرات الخشبية بعد ترقيمها وأخذ قياساتها لغرض الصيانة وإكمال النواقص فيها.

-رفع السقوف الآيلة للسقوط.

-تهيئة مستلزمات العمل الضرورية والمواد الانشائية للمرحلة القادمة.

وشملت المرحلة الثانية من الصيانة:

-تسقيف الغرف والقاعات والممرات التي تم رفع سقوفها في المرحلة الأولى.

-التغليف بالطابوق الفرشي المنجور وفق القياسات المطلوبة للواجهات الأصلية.

-لبخ وبياض الجدران.

-إكمال صيانة الكورنيش العلوي للواجهات الأمامية .

-بناء السواتر وتبليط أرضية الغرف.

-أعمال السطح .

-تثبيت الأبواب والشبابيك والمحجرات الخشبية.

-تثبيــــــــت الأعمدة الخشبية للأروقة ، وبنــــــــــاء سقوفها بروافد الخشب (القوغ) والحصران.

-تنظــــيم الموقع والحدائق والممرات.

-إكمال التأسيسات الصحة والكهـــــــــــربائية وتوظيفها بموجب الاستعمال الجديد للبناية.

من ضمن الأعمال التي قامـــــــــت بها الهيئة هــــــــــدم الطابق الأول من البناية المشيدة في فترة متأخرة والملاصقة لبناية دار الوالي.

والمبنى حاليا ً بحاجة إلى تعمير وصيانة جديدة لما أصابه من اهمال وأضرار في بعض أجزائه ومـــــــرافقه، وإعادة تأهيل الحديقة والنافورة وتهذيب الأشجار والنباتات وزراعة زهور.

متحف الادارة العثمانية

اقترحنا على وزارة الثقافة تحويل مبنى دار الوالي إلى مرفق ثقافي وسياحي من خلال ما يأتي:

1- يتضمن المبنى مجموعة من القاعات والفناءات والبلكونات الصالحة لاستخدامها في عدة وظائف متنوعة ثقافية وسياحية.

2- تأسيس متحف للولاة العثمانيين يتضمن عرض أسماءهم وصورهم حسب تسلسلهم الزمني، ملابسهم، مقتنياتهم، الأوامر السلطانية (فرمان همايوني) بتعيينهم ولاة على بغداد. وقد فاتحنا الجانب التركي الذي أبدى استعداده للتعاون في هذا المجال.

3- عرض لوحات وصور وأسماء متصرفي العهد الملكي ومحافظي العهد الجمهوري حسب تسلسلهم الزمني.

4- عرض بعض الأثاث والمكاتب والمناضد والكراسي التي استخدمت في تلك العهود.

5- عرض الأجهزة والأدوات القديمة المستخدمة في الإدارة والمحاسبة والبريد والبرق والطباعة والأرشيف والأختام والقاصات والأقلام والسجلات والدفاتر والأوامر الإدارية.

6- عرض ملابس الموظفين والكتاب والمحاسبين والمدراء والوزراء والسفراء .

7- عرض الإرادات الملكية والقرارات الجمهورية بتعيين الوزراء والسفراء والقناصل ومخطوطات العهدين الملكي والجمهوري وما يمكن الحصول عليه من أرشيفهما.

8- عرض مقتنيات ملوك ورؤساء العراق الشخصية والهدايا التي قدمت لهم.

9- صور ولوحات لملوك ورؤساء العراق في مختلف الأمكنة والأزمان.

10- مجسمات وصور لشخصيات سياسية شاركت في أحداث هامة مثل ثورة العشرين 1920 وثورة 14 تموز 1958 والعلماء والخطباء المعروفين.

11- تنظيم معارض فصلية لمقتنيات ولوحات ووثائق وكتب تركية تعود للعهد العثماني وتتعلق بالعراق: تعليمات، قرارات، تقارير، صور، خرائط، وثائق أوقاف وتوليات وحجج أملاك وأضرحة ومساجد وغيرها. كما يمكن مفاتحة كل من الجانب الإيراني والبريطاني لنفس الهدف.

12- معرض للصور واللوحات والخرائـــط القديمة لبغداد والعراق. 13- معرض للعملات والطوابع العراقية بدءاً من العهد العثماني والملكي وحتى الجمهوري.

14- إنشــــــــاء كافتيريا لرواد الدار ، وكــــــــشك لبـــــــــيع الصور والمقتــــــــنيات والأعـــــــمال اليدوية.

الهوامش

1- شريف يوسف ( تاريخ فن العمارة العراقية في مختلف العصور ) / ص 571 دار الرشيد للنشر ، بغداد : 1982

2- بغداد بأقلام رحالة ) / ص 158 الطبعة الأولى، دار الجيل ، بيروت

3- عبد الحميد عبادة (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) / ص 264 حقق وعلق عليه عماد عبد السلام ، أنوار دجلة ، الطبعة الأولى ، بغداد: 2004

4- عبد الحميد عبادة ( العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) / ص 262

5- تقرير صيانة دار الوالي عام 1993 مع مخططات للقبر والأرضيات وما وجد فيه.

وهنا أتقدم بالشكر للسيد ظافر صبحي التميمي مدير عام دائرة صيانة الآثار الذي زودني بالتقرير المذكور.

مشاركة