من هو قاتل عرفات؟

256

من هو قاتل عرفات؟

عبد الحسين شعبان

قبل إسبوع من الذكرى التاسعة لرحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ” أبو عمار” صدر تقرير الخبراء السويسريين، الذي أكّد أن سبب الوفاة هو سمّ البولونيوم المشع، ومع أن الجريمة تحوم حول ” إسرائيل”، الاّ أن الدعوة التي تم رفعها أمام المحاكم الفرنسية كانت ضد مجهول، إذ لم تتوفر المعلومات الضرورية لتوجيه الاتهام مباشرة إلى من قام بالفعل الجنائي، باستثناء الحدس العام والجهة التي يمكن أن تستفيد منه والقرائن المتعلقة بذلك.

كما أن وفاة ياسر عرفات التي حصلت في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2004 في مستشفى بيرسي دو كلامار العسكري قرب باريس، جاءت بعد حصار استمر ثلاث سنوات تقريباً، حيث تم نقله إليها إثر معاناته من آلام في الأمعاء من دون حرارة في مقرّه العام برام الله التي استمرّ حصاره فيها منذ كانون الأول (ديسمبر) العام 2001 وحتى سفره إلى باريس للعلاج.

في ذكراه الثامنة تم فتح قبر عرفات تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 لأخذ عيّنات منه، كما تم أخذ عيّنات من ابنته الوحيدة زهوة، وكان تقرير الخبراء السويسريين بعد عام (تشرين الثاني /نوفمبر 2013) أن وفاته كانت نتيجة تسمّمه بالبولونيوم 210.

ما الذي سيقوله القضاء الفرنسي بعد هذا التقرير، علماً بأن مادة البولونيوم لم تكن معروفة كمادة إشعاعية للتسميم، الاّ بعد استخدامها مع العميل الروسي الكسندر ليفتننكو، الأمر الذي يمكن أن يدخل اليوم كعنصر جديد للتحقيق بعد التأكد من تأثير المادة الإشعاعية، التي لم تكن هناك سوابق دولية قبلها، مثلما هو مادة الثالثوم قبل أواخر السبعينيات والتي تم اكتشافها في إحدى المستشفيات البريطانية.

لمثل هذا الاكتشاف أهمية تاريخية، تؤكد أن زعيم الشعب العربي الفلسطيني، بل زعيم حركة التحرر العربية والعالمية وآخر الزعماء الكبار الذين تبقوا من مرحلة الستينيات، وهو ياسر عرفات، مات مقتولاً، وأن قاتله أو المستفيد من قتله، لا بدّ أن يكون عدوّاً للشعب العربي الفلسطيني، ولعلّه هو ذاته الذي يستمر في سياسة تهويد القدس وبناء المستوطنات ومنع الفلسطيسنيين من حقهم في العودة والتعويض والاحتفاظ بالأسرى لسنوات خلف القضبان والهيمنة على المياه والأهم حرمان الشعب العربي الفلسطيني من حقه في تقرير المصير وبناء دولته المستقلة القابلة للحياة.

صحيح أن اتهام ” إسرائيل” كدولة بتسميم ياسر عرفات غير كاف بإطلاق التهمة فقط، إن لم يتم متابعة القاتل وإلقاء القبض عليه وتقديمه إلى القضاء وإثبات مسؤوليتها، علماً بأن لديها سوابق كثيرة على مدى تاريخها وسجلّها معروف على هذا الصعيد، ناهيكم عن أن مادة البولونيوم ليس بإمكان شخص الحصول عليها، ولهذا ستكون مثل هذه الجريمة ” المتطورة” و” الغامضة” ماركة مسجلة تتعلق بالارهاب الدولي ” الحكومي”.

ولعلّ ركناً إنسانياً يقف إلى جانب الركن التاريخي، التوثيقي من اغتيال ياسر عرفات، متمثلاً بعائلته ولا سيّما ابنته وزوجته، إضافة إلى الشعب الفلسطيني والحركة التحررية العربية والعالمية ككل، وذلك للاطلاع على سير هذه الجريمة المُحكمة والمعمولة باتقان حرفي لقاتل محترف، وهي مسألة لا بدّ من إبرازها من جانب م.ت .ف والسلطة الفلسطينية، وسيكون عاملاً مساعداً لها أمام المجتمع الدولي، بخصوص حقوق الشعب العربي الفلسطيني.

أما الجانب القانوني فهو كثير الأهمية ليس لمتابعة ملف اغتيال أبو عمار فحسب، بل لدمغ جرائم إسرائيل، خصوصاً بعد نتائج فحوص رفاته في مدينة لوزان وبحضور خبير بريطاني معروف في الطب الشرعي وهو ديفيد باركلي، ففي هذه القضية امتزجت على نحو شديد الكثير من القضايا الجنائية التقنية أو الطبية والقانونية، سواء الخاصة بالفاعل أو المستفيد من العمل الجرمي، أو الاستخبارية التي هيأت وخططت وأخفت المعلومات ام السياسية سواءً المتواطئةام المنفذة أم المتسترة وهي كثيرة، ولا سيّما في أجواء المؤامرات والدسائس والمصالح المتناقضة، ويقول فريق الخبراء أن نسبة الثقة بموت عرفات مسموماً يصل إلى 83 بالمئة وإن نسبة المادة السميّة الإشعاعية تصل إلى 18 ضعفاً للمعدّل الاعتيادي، وهنا لا بدّ من إنتظار ما سينطق به القضاء الفرنسي المشهود له بالمهنية والنزاهة، خصوصاً وأن قضية من هذا النوع ستؤثر على مساره وعلى سمعته لو سارت باتجاه التسييس، علماً بأن وجود مثل هذه الكمية من المادة السمّية والإشعاعية، إنما هو حكم إدانة ضد الجناة.

وعودة إلى القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، فإن اغتيال ياسر عرفات يعتبر جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وتستوجب من المجتمع الدولي اتخاذ أقصى الإجراءات لملاحقة الجناة، علماً بأن فرنسا موقعة على نظام المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست في روما العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ في العام 2002، وهي اليوم وطبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1949(التي وقعت عليها فرنسا أيضاً) وهي مطالبة بالكشف عن الجريمة والعمل على ملاحقة المرتكبين، ولاسيّما بعد الاطلاع على نتائج التقرير والمعطيات العلمية والفنية الواردة فيه، الأمر الذي يقتضي الإقرار بوجود جريمة حقيقية تستحق الملاحقة، وهذا يحتاج إلى استجواب الشهود والأشخاص المشكوك فيهم أو أية جهة تساعد في الوصول إلى الحقيقة، وهذا يعني إن القتل العمد كان “اغتيالاً” منظماً وطويل الأمد، ولهذا يقتضي اليوم البحث عن القاتل.

هناك من يشكك باحتمال وصول القضاء الفرنسي إلى نتيجة وقوع جريمة، وبالتالي فلا وجود لقاتل، وإن كان الأمر سابقاً لأوانه، ولكن باعتقادي أنه بعد التقرير السويسري يصبح السؤال محرجاً: من استخدم البولونيوم ومن له مصلحة في ذلك؟ وهو سلاح مثل السلاح الكيمياوي أو سمّ الثاليوم أو غاز السيانيد، خصوصاً وأن عرفات زعيم فلسطيني وهو ممثل بشكل أو آخر عن أحرار العالم، وإن الجريمة التي ارتكبت بحقه تخص كل هؤلاء، الأمر يحتاج إلى الانتظار لما سينطق به القضاء الفرنسي.

ولا بدّ من إلفات النظر إن ثلاث دول هي من ينتج مادة البولونيوم وهي إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة، ويذهب الاعتقاد أن لا مصلحة لواشنطن أو موسكو لتصفية عرفات، الذي كان محاصراً من جانب إسرائيل، وهو ما  يوجّه أصابع الاتهام إليها مباشرة، ولكن ذلك يتطلب انتظار قرار القضاء الفرنسي بشأنه، وقد تردد على لسان بعض المعنيين ضرورة عرض القضية على المحكمة الجنائية الدولية أو على مجلس الأمن، ولكن موضوعاً من هذا القبيل له حديث آخر، طالما هو منظور اليوم أمام القضاء الفرنسي.

آن الأوان ليعرف العالم من هو قاتل عرفات!!؟

{ باحث ومفكر عربي