من هنا وهناك وما بينهما من أسلاك – صباح الربيعي

أما بعـد

من هنا وهناك وما بينهما من أسلاك – صباح الربيعي

لا اعرف من الذي قال : (الكذب المصّفط أحسن من الصدق المخربط)، ولكنني اعرف ان هناك اشياء يمكنها ان تكون جميلة لو تركت كما هي ! فَسوق العطارين في شورجة بغداد قد يكون اجمل من ارقى (سوبر ماركت) في اي مدينة اوربية ، خاصة وان العطـّار في الشورجة هو كالساحر، اصابعه تعرف مواقع كل الاكياس ومحتوياتها من اشياء ، وهو الوحيد الذي يأتلف مع أكياسه ولا يختلف ! يكفي ان يمد يده ، ليحصل على ما يريد!!

هكذا هي الحياة ، لا شيء يشبه شيئاً !! الكل على حق ، والكل على باطل ، الى ان يثبت العكس ، ولا يكسب في النهاية الا من يعرف مكان (لقمة الصّياد) وهناك دائما من يأكلون كل شيء، وهناك من لا يجدون ما يأكلونه !  وبين هؤلاءِ واولئك ، يقف المرء حائراً لا يلوي على شيء ! وأمامه ردود أفعال بكل الوان الطيف الشمسي ! ولا ادري ما هي مشكلة الشاعر العباس بن الأحنف الذي قال : أبكي الذين اذاقوني مودتَهم، حتى اذا ايقظوني للهوى رقدوا ! لماذا لا ينام هو الآخر، وكفى الله المؤمنين شر القتال.. وهناك من أضنوّه أخوة يوسف الذين رموه بالجُـب ، وهو لايكترث بحاله اذ يعيش في جُـبٍ منذ ولدته أمه وسيموت (سعيداً) به ايضاً . الموت واحد. فاذا غامرت في شرفٍ مرومِ / فلا تقنع بما دون النجوم،  فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ / كطعم الموت في أمرٍ عظيم ! رحم الله المتنبي كيفما مات ! وكلنا يعرف ان ليس للمرءِ الا ما سعي، وان سعيه سوف يُرى، وها نحن جميعاً نرى وبملء العين ان البعض صاروا يملكون وعلى غفلة ، ما لا يُملك بسنين ، دون ان يسعوا قيد أنملة في عمل الخير وما ينفع الآخرين بل وتنكروا لكل القيم والفضائل حتى وصلوا الى (الاوطان)  فمزقوها وباعوها بالمفردِ وبأبخس الاثمان وهي التي لا يعادلها ثمن من الاثمان ! فلينتظروا غضبَ من يُمهل ولا يهمل وهوغضبٌ لويعلمون شديد.  مقاييسنا تحتاج الى تجديد ونظرتنا الى الحياة باتت متخلفة وعلاقاتنا مع بعضنا البعض اصابها الصدأ . وصرنا لا يحرك الحق فينا ساكناً، وصارت حياتنا ( أخباراً عاجلة ) على مدار الساعة ! نستغرب من أي شيء وبلا سبب مُقنع. فلو دهست سيارة ( فاخرة )، انساناً بسيطاً وهشمت عظامه على قارعة الطريق سيجتمع الناس لتفقد ( السيارة)، وهل تضررت او تخدشت الوانها الزاهية، وقلوبهم منفطرة على السيارة وليس على ذلك الانسان الذي ” ذهب مع الريح !” ، مضرجاً بدمائه ودموعه، وهو ساكن لا يشكو لأحد، ليس لأنه ذو اخلاق حميدة، كــلا، بل لانه مجرد: مات، وبس! ولم ينته الامر عند هذا الحد بل اتهموه بالاهمال ، عند عبوره الشارع..  فلذلك لم يعد هناك ما نخجل منه، بعد ان اختلطت القيم والمقاييس. وكم كان الشاعر الفقيد عريان السيد خلف محقاً حين قال في لحظة انقطاع الانفاس : ( غَم ذاك العُمر من ينكَضي إتعلعل)،، وهناك من الناس من لهم قصص يجدرالتوقف عندها، ومما يروى منها: ان مصوراً بالكاميرا المحمولة كان يعمل في التلفزيون ارادوا تطويره فجعلوه ( مخرجاً ) فصار ( كابوساً ). وفي احد الايام سألني سؤالاً غير بريء ! – استاذ ، لماذا لا تكلفني باخراج احد البرامج ، فقلت له : اعمل لنا تحقيقاً مصوراً عن ( خان مرجان ) وقيمته التراثية في بغداد. فقال : حاضر! وفي الواقع هو لم يكن حاضراً إذ لم يمر اكثر من ساعة حتى اشتكاه لي مسؤول “المكتبة الصورية” ، لفظاظة اسلوبه معه عندما ذهب للحصول على شريطٍ لتسجيل التحقيق، وكان مستعجلاً ، وكأنه سيصور إنسانا شارف على الغرق ! وبعد ساعتين اتصل بي رئيس قسم الكاميرا المحمولة متبرماً من سؤء اسلوبه ايضاً وقال لي عبر الهاتف: استاذ هذا المخرج الجديد لا يتفاهم ! يريد كاميرا على الفور ، ولما اخبرته ان الكاميرا ستكون جاهزة بعد نصف ساعة، ابدى امتعاضه ! وقبل صلاة المغرب رن جرس الهاتف، وكانت مسؤولة قسم المونتاج الصوري على الخط ، تقول لي بصوت مرتجف : استاذ اريد اجازة . ولما استفسرت منها عن سبب هذه الاجازة المفاجئة، قالت لي اريد ارتاح! مِن هذا الذي كلفته بالبرنامج 🙁 شلع قلبي )! فهو يطالبها بان تعطية الاولوية لانجاز ما كُلف به، وتُهمل كلَ البرامج التي لديها، فطلبت منها ان تعطيني المخرج على الهاتف، فقلت له : اخي فلان شكراً على حماستك ولكن يبدو ان (خان مرجان) سيتسبب في الاستغناء عن نصف العاملين في التلفزيون ! ولذلك فنحن لم نعد بحاجة الى البرنامج ، فالجميع ليسوا متحمسين له ! ُعد الى القسم لأكلفك بموضوع آخر. ولما عاد فعلاً، حانقاً غاضباً. قلت له: يا فلان ما هكذا تنتج البرامج! العمل يحتاج الى شيء من طولة البال. العصبية ُ التي لديك لا تنجز برنامجاً ناجحاً ! واخترت له ان ينجز لي تقريراً تلفزيونياً عن احد الحمامات الشهيرة وهو (حمام مهدي) للرجال في الكرادة، ولا أزال انتظر انجاز التقرير، رغم مضي عشرين سنة فقط على التكليف .. والصبر طيب… !

مشاركة