من هم الساقطون من العيون ؟ – حسين الصدر

476

من هم الساقطون من العيون ؟ – حسين الصدر

-1-

في كتب التراث يقف القارئ على قصص وحكايا مثيرة كأن يقول أحدهم لصديقه وهو يستمع الى مَنْ (يلحن) في القول :

لقد سقط من عيني ..!!

وباختصار شديد نقول :

كان الغيور على لُغته العربيّة  يأبى أنْ يغفر لمن لا يُحسن الاداء خَطَأَهُ .

ومن هنا فهو يتخذ قراراً حاسماً بأنْ لا يُدرج المتلاعبين (بقواعد اللغة) ضمنَ قوائم الرجال الذين يُلزمُ نفسَه بتقديرهم ..!!

وفي أيامنا الراهنة : من النادر أنْ تجد متحدثا يُرضي (سيبويه) و(الكسائي) و (الخليل بن احمد الفراهيدي) ،

فمعظم المتحدثين – للاسف الشديد – لا يكفّون عن انزال الضربات الموجعة حدّ تكسير اضلاع ائمة النحو  ثم لا يرون في ذلك اية غضاضة ما داموا يخاطبون أمثالهم ممن لا يحسنون قواعد لغتهم ايضا ..!!

-2-

وليت الأمر وقف عند الضعف البنيوي اللغوي فقط .

انه امتد للاسف الشديد الى كل الحقول والمجالات .

ولنضرب بعض الامثلة لتوضيح الصورة فنقول :

حين يطلب الأب من ولده إخبار قاصِدِهِ الواقف على باب داره بانه غير موجود في الدار هل يحسب انه بذلك يُسقط نَفْسَه مِنْ عين ابنه ؟!!

واذا قدّمت المرآة لزوجها طعاماً لذيذاً وادّعت أنّها تجيد طبخ هذا اللون المتميّز ، ثم انكشف انّ الطعام قد أُعدّ بأيادٍ أخرى .

انها تستطيع أنّ تنال ثقته وحبه من خلال بحثها عن أجود الطعام الذي تقدمه اليه، ولكنّها تسقط من عينه بالأكاذيب ..

وحين يُقسم البائع بأغلظ الايمان بأنّ المتاع الذي يعرضه للبيع كان قد اشتراه بعشرين ألفا مثلاً وهو لا يريد فيه الاّ عُشْرَ القيمة الأصيلة ربحاً .

ثم تظهر الحقيقة ، وينكشف انّ ما ذكره البائع لم يكن صحيحا على الاطلاق ، فأيةُ قيمةٍ تبقى له في نفس المشتري الذي انطلقت عليه الحيلة؟!

وماذا تقول فيمن يسارع الى ابرام صفقات لشراء الأدوية الفاسدة (منتهية الصلاحية) ويبادر لبيعها للناس غير مُبالٍ ولا مُكْتَرثٍ بمردوداتها السلبية على صحتهم، وهل يتوقع ان يقابل منهم بغير الاحتقار ؟

وهكذا …

-3-

ان الانسان الحصيف لابُدَّ ان يبحث عما يصونه من السقوط من أعين الناس .

وقبل هذا عليه ان يبحث عما يصونه من السقوط في حمأة معصية الله وسخطه .

-4-

انّ مشكلة العراق الجديد هي أنَّ الساقطين من عيون أبنائه همِ معظم السلطويين الذين أصبحوا في وادٍ والجــــماهير المنتفضة عليهم في وادٍ آخر .

ولم تبق بين الطرفيّن مِنْ ثِقَةٍ تُذكر ، وهذه الحالة خطيرة للغاية حيث انَّ الفصام النكد بين الطبقة السياسية النافذة وبين المواطنين العراقيين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم واتجاهاتهم يبعد البلد عن مرافئ الاستقرار والازدهار .

وهنا تكمن الكارثة .

مشاركة