من معالم الديمقراطية العربية المعاصرة – خالد محسن الروضان
اولاً: التسامح والتعددية
لم تترك الشريعة الاسلامية اي عنصر من عناصر الديمقراطيه واشكالها بل هي المثل الاعلى في كل شيء وقد ولدت بين احضان الامة العربية والاسلامية ولا علاقة لها بأي منظومة غربية او شرقية وانما هي جذور عربية اسلامية قائمة على التعددية والتنوع والاخلاق.
ومن صورة هذه الديمقراطية الاصيلة انها لم تغفل مبدأ الاختلاف بالرأي والتعددية فقد صلى الامام علي عليه السلام في معركة الجمل على قتلى الجانبين، ورفض تكفيرهم وعفا عن جميع الاسرى الذين حملوا السلاح ضده واعتبر ذلك خلافاً بالرأي. من الايات الديمقراطيه في مجال التعددية موافقة الامام علي عليه السلام ايضاً على مبدأ التحكيم مع معاوية والتزم به بالرغم من عدم موافقته على اطراف التحكيم، ثم تعامله مع الخوارج على انهم اصحاب رأي ولم يكفرهم بالرغم من خروجهم عليه لكونه خليفة المسلمين.
كان الغرض من هذا التسامح والتعددية كونهما كفيلين بتخليص المجتمع من جميع اشكال الكراهية والعنف والاقصاء التي يدعوا اليها الان بحجة الديمقراطية شكل من اشكال العلمانية والرأسمالية والليبرالية. من هنا نستطيع القول ان الشريعة الاسلامية عرفت الديمقراطية بصورة لم تعرفها الحضارات الغربية والمجتمعات المدنية المعاصرة قبل عدة قرون، ومن الايات الديمقراطية العربية الاسلامية الثورية مبدء الانتخابات الذي يعبر عن الوجدان الشعبي العربي من خلال الافكار التي تنتهي الى رأي الشعب وارادته بانتخاب ممثليه في السلطات الثلاثة، مجلس النواب والاعضاء ومجلس المحافظات انطلاقاً من المبادئ السياسيه القائمة على حرية الانسان وتقرير مصيره، ونفي الاكراه الذي يعمل به بعض السياسيين بعيداً عن اية الديمقراطية لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي سورة البقرة_اية 256 لان الديمقراطية ترى ان الاكراه والاجبار لاقيمة لهما لانهما واردان في حديث الرفع رفع عن امتي تسع… كما تؤكد السنة ان الرسول صلى الله عليه واله وسلم اقدم مرتين على اخذ البيعة، احدهما قبل الهجرة الى المدينة والاخرى اثناء بيعة الرضوان وكلتاهما تعبير عن الاحترام والاعتماد على الاراء العامه الانتخابات والاستفتاء لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرهسورة الفتح_اية 18 ومن الايات الديمقراطية ماقام به الامام علي عليه السلام اثناء خلافته حين اخذ البيعه الانتخابات من الشعب.. فالانتخابات هنا ليست حكراً على احد كما انها ليست حكراً على حزب او تكتل سياسي وانما هي لجميع ابناء الشعب. فليس من حق شخص او حزب ان يحجبها عن اي فرد في المجتمع.
ثانياً:حماية حقوق الاقليات
من الايات الديمقراطية في الشريعة الاسلامية حماية حقوق الاقليات والاعتراف بها كما جاء في قوله تعالى: ولاتجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم وقولوا امنا بالذي انزل الينا وانزل اليكم..سورة العنكبوت تشير بعض الايات الديمقراطية المتعلقة بحماية حقوق الاقليات الى ان الشريعه الاسلاميه اعلنت ان الناس جميعاً خلقوا من نفس واحدة، وهذا يعني وحدة الاصل الانساني التي يشير القرأن اليها بقوله.. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة.. الخ سورة النساء_الاية 1 والناس جميعاً من الاعراق والاديان والمذاهب كافة هم ابناء الانسانية التي هي خصائص العقيدة الاسلامية، لان الانسان في الشريعة الاسلامية مكرم محترم من دون النظر الى دينه وقوميته ولونه وجنسه، حيث قال تعالى.. كرمنا بني ادمسورة الاسراء_الاية 17 و لان اختلاف اللون والاجناس اية ديمقراطيه تدل على عظمة هذه الشريعه كما جاء في سورة الروم_اية 22 بقولة تعالى: من اياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لايت للعالمين على ان لايكون هذا الاختلاف من اسباب التناحر والعداوة كما نلاحظ ذلك اليوم في العراق بعد الاحتلال الامريكي له.
من هنا نلاحظ ان الشريعة الاسلاميه تحترم حقوق الاقليات وتعترف بها مثلما تعترف بحقوق الاخرين واعراقهم. وسند ذلك قوله تعالى: انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظهروا على اخراجكم ان تولوهم ومن يولهم فاولئك هم الظالم وسورة الممتحنة_اية 9 فما دامت الاقلية لاتعتدي على حقوق الاكثريه فأنها تتمتع بكامل الحرية في البلاد العربية الا اذا تامرت او اعتدت على حقوق الاخرين، فعندئذ يجب التصدي لها لان الله تعالى اكد على مشاركة الاقليات في النشاطات العامة والخاصة وان تنوعت اعراقهم واديانهم والوانهم لانهم من اصل واحد وينتمون الى عائلة انسانية اممية واحدة فالنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم لما هاجر الى المدينة المنورة كان فيها المسلمون وبعض المشركين والقبائل اليهودية، فأقام حلفاً على التكافىء والعداله بين الجميع، فلم يفرق بينهم وانما اعترف بحقوقهم وبدينهم وترك حرية ممارسة شعائرهم، وعندما حارب النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم لم يكن بسبب الاختلاف في الدين وانما كان السبب نقض المعاهدات الدفاعية والوقائية التي عقدها الرسول معهم اضافة الى حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية واحترام وحماية اماكن العبادة وضمان حرية الفكر والتعليم.
وفي السياق نفسه نلاحظ توجيه الامام علي عليه السلام وليه على مصر مالك الاشتر رضي الله عنه بقوله: اشعر قلبك بالرحمه للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولاتكن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم اكلهم، فأنهم صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق نهج البلاغة كتاب رقم 9 الشريف الرضي من هنا نجد ان العقيدة الاسلامية لاتعرف شيئاً اسمه الغاء الاخر كما نجد ذلك اليوم في العملية السياسية الجارية في العراق، عندما الغت التسامح والتأخي والتعايش السلمي المشترك بين الاجناس كافة، فالعقيد الاسلامية جاءت لا لتحارب الحقوق السياسية للناس وانما للتعارف وتعميق مبادئ الاخوة والاحترام، كما نجد ذلك بوصف القرأن للانبياء بأنهم اخوة لقومهم كما جاء بقوله تعالى.. والى عاد اخاهم هود قال ياقوم اعبدوا الله سورة الاعراف اية_65 وقوله تعالى: والى ثمود اخاهم صالح قال ياقوم اعبدوا الله سورة الاعراف_اية 73 والى مدين اخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله سورة الاعراف_اية85 وتبقى التقوى والاخلاص والاحترام ميزانا للتعامل كما جاء بقوله تعالى: يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عن الله اتقاكم سورة الحجرات_اية13 ثالثاً:تداول السلطة وفصل السلطات
ان أية تداول السلطة والفصل بين السلطات التي ضاعت في ظل الديمقراطية الامريكية الان، والمفاهيم الخاطئة لدى السياسيين الاسلاميين المتشددين، نراها في الشريعة الاسلامية مبدأ دستورياً لا رغبه شخصية او منحى سماوية لشخص او حزب معين يحجب هذا الحق تداول السلطه غير المنازع فيه بمن انتهت ولايته بعد الدورة الانتخابية لان تداول السلطة ليس حقاً حزبياً وانما هو حق استخلاف مستمد من الدستور.
ولفصل السلطات في الشريعة الاسلامية ضمانه اساسية لحماية الحريات وعدم الاعتداء عليها.. واقامة الدولة العربية المعاصرة وان اي خلل بهذا المبدأ هو خرق شديد للفصل بين السلطات، بعكس مانراه اليوم من التداخل السياسي بين تلك السلطات التي فقدت مبدأ التوازن في مؤسسات الدولة. ان اهمية الفصل بين السلطات انها تزيل المخاوف وتحمل راية العدل والمساواة وان فصل السلطات يمنع تركيز السلطات في مركز واحد، ويعمل على اقامة نظام شفاف من العلاقات الاجتماعية لتحقيق مبدأ التكامل بين هذه السلطات التي تحولت الى سلطة واحدة كما نجد ذلك في الدولة العراقية بعد الاحتلال الاميركي للعراق. ان فصل السلطات العامه هو الذي يحمي الحقوق والحريات ويمنع تمركز السلطات بيد واحده كما كان ذلك في الدوله العربيه المحمديه قبل ديمقراطية الغرب.بعد هذا عرض هذه الايات الديمقراطيه الواردة في القران الكريم والسنة الشريفة يجب علينا مقاومة المحاولات الامريكية لتي تقسم المجتمع الواحد المتجانس دينياً وثقافياً الى عشرات الاحزاب المتناثرة. ان امريكا لايهمها وحدة العراق ديقراطياً وانما تهمها المصالح السياسية الامريكية التي تعودها بعض السياسيين العراقيين
رابعا:اكتشاف فرص جديده للنهضة الحضارية العربية
ان نسبة الديمقراطية الى الغرب مسألة لاعقلانية لان الديمقراطية تنتسب الى نظرية عمل ثورية، ومشروع فكري جديد لبعض المعنين للهروب من الواقع السياسي المأسوي القائم على الاستبداد والقهر والارهاب السياسي والديني وخصوصاً ارهاب الاحزاب والكتل والتيارات العاملة.
ان الديمقراطية ليست منتجاً غربياً بل هي عملية اممية لتنظيم الحاجات الاساسية والسياسية على قاعدة المساواة التي افرزتها العقيدة الاسلامية، وان الديمقراطية الغربية التي يحذرنا منها بعض السياسيين في العراق حديثة العهد عليهم. ان خيارنا اليوم غير خيار اولئك السياسيين الذين يعملون للاستفراد بالسلطة، ان خيارنا الديمقراطي تداول السلطة دستورياً، واحترام حقوق الانسان، وقبول التعددية الفكرية والسياسية وعدم انهيار القاعدة الداخلية، واكتشاف فرص جديدة للنهضة الحضارية العربية والاسلامية المعاصرة. وللقارئ الكريم نماذج عقلانية من مبادئ الديمقراطية العربية الاسلامية، قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم يا أيها الناس الا ان ربكم واحد وان أباكم واحد ولافضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لاحمر على اسود ولا لاسود على احمر الا بالتقوى قال الامام علي عليه السلام لاتقسروا اولادكم على ادابكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم .
ثورة مساواة
قال الخليفة عمر بن الخطاب متى استعبدتم الناس وولدتهم امهاتهم احراراً اذا نادت الثورة الفرنسية بالمساواة والحرية فالعقيدة الاسلامية جاءت لتساوي بين الناس بقوله تعالى: يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.. سورة الحجرات ايه_13
واذا نادت الديمقراطية الغربية بالتسامح والحوار الديني وحرية الحوار والجدل فقد نادت العقيدة الاسلامية بها قبل ذلك بعدة قرون بقوله تعالى: وجادلهم بالتي هي احسن واذا الديمقراطية الغربية دعت الى المساواة وحددت توزيع موارد الدولة على الفقراء والمساكين والمحتاجين واذا دخلت المبادئ الاشتراكية والاجتماعية والعدالة ومراقبة الحكام ومحاسبتهم، والفصل بين السلطات. فأن العقيدة الاسلامية اوجدت هذه المبادئ قبل ذلك بقرون وعلى هذا الاساس فأن الديمقراطية لاتتعارض مع الاسلام، و على القائلين بذلك قراءة الاسلام قراءة واعية حضارية بعيدة عن الفكر الاستبدادي من اجل الوصول الى رؤية جديدة مفتوحة التجارب والخبرات الانسانية. وخلاصة القول من يتأمل جوهر الديمقراطية يجدها انــــها من صميم الاسلام الذي يأمن بحرية الكلام والتعبير والتملك والتنقل والسفر والعبادة.. الخ.فالديمقراطية صيغة عمليه تعمل بالانتخابات والاستفتاء العام وترجيح الاكثرية وتعدد الاحزاب، وحق الاقلية في المعارضة وحرية الصحافة واستقلال القضاء لقد بلغت الديمقراطية الاسلامية اعلى الدرجات بقول النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم انما انا ابن امرأه كانت تأكل القديد في مكة مما تقدم يتبين ان الديمقراطية مورست في القرن السابع الميلادي، حيث وقف الرسول امام المسلمين قائلاً: أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستفد منه هذا هو جوهر الديمقراطية المتمثل بالانتخابات والاستفتاء وترجيح حكم الاكثرية وتعدد الاحزاب وان غير ذلك يتنافى مع مبادئ الديمقراطية العربية الاسلامية التي هي بحق ضمان المصالح العامة التي تحقق السعادة الابدية للشعب فلماذا لا يعمل بها قادة الاحزاب والكتــــــل السياسية الان في العراق؟ فهل ديمقراطية القرن السابع الميلادي بحاجه الى اجتثاث من قبل ديمقراطية القرن الحادي والعشرين والا فلماذا؟
















