من محفظة سوق الشيوخ – عادل سعد

394

من محفظة سوق الشيوخ – عادل سعد

لم يبهرني في (سوق الشيوخ) ، القضاء الجنوبي المزين بالأقدام الحافية اي شيوخ او (سراكيل) او وجهاء اصحاب حظوات اقتصادية او اجتماعية ، بل عناوين باسقة للبساطة الانسانية و زوارق تسيرها المواويل وجسراً خشبياً يثقله احياناً مرور طفل او سلال رطب تتماوج زهوا على رؤس صبايا متوجة بالحياء والعطر الريفي المرطّب بنضارة العشب.

كان سوقاً متيماً بالشعر واللبن الخاثر والخرّيط ، الحلاوه الآتية من اعماق  الهور وحزمة طيور خضيري ملونه تتوسد ارصفة بانتظار من يشتريها لتكون وليمة عائلية ، بل واياماً تستحم عنوةً بالدفء الشمسي وحضور صديقي الجميل والطريف والكريم ، الراحل سعد الدلي  وقد ترافقنا على المقعد الدراسي خلال مرحلة الدراسة المتوسطة للسنتين السابقتين على 14 تموز 1958.

لم يبق في ذاكرتي من ذلك السفر التاريخي في تلك البلدة الجنوبية المعتقة غير اطلالة (بكّة) الفسيلة البشرية الفارعة حين تلفني بشارتها وهي تقود اخاها الصغير الى المدرسة الابتدائية المجاورة للمتوسطة .

لم يبق من اندهاشي عن (سوق الشيوخ) غير (طعمه مرداس) ذلك (القائد) الجليل الممهور بعفة الضمير وشهامة الصبر ، صاحب الدرس اليومي في مقارعة التوهان والسذاجة والبخل ، السيد الملغوم  بانتظار صباحٍ يصر على انه سياتي في يوم من الايام لكنه لم يرث سوى اليأس وابتسامةً حزينةً تملأ وجهه المزدحم بالعديد من الاسئلة .

كنت أمر نهار كل يوم مدرسي من امام بقالته المخصصة لبيع الخضروات فاجده جالساً على كرسي متهالك مصنوع من الجريد وفي يده كتاب بحاشية زرقاء يتطلع اليه بين الحين والآخر ، او يجري حواراً مع عابر طريق ، يشخص بنباهة صقر ازعجته كثرة الأحراش الجافة ، لكن ماشغلني منه تلك القدرة الفذة التطوعية في حل نزاعات سريعة طارئة  دون سابق انذار بين فقراء ، باعة يحتلون الرصيف الموازي لبقالته .

المشكلة المزمنة ان بعضهم يأتي من الفجر (غباشي) ليحتل الموقع الذي يكون امام أعين المارة ، المتبارون على ذلك الموقع بائعات اللبن الرائب والقيمر والزبدة الطازجة وحينها تبدأ الخصومات وسعي الازاحة ، ويتفاقم الوضع الى حد الكباش وهنا يلجأ المتخاصمون الى (طعمه) صاحب العزيمة المتمرسة في  التفاوض لتجريد المتخاصمين من فرص الاشتباك ، وبمعنى مضاف اطفاء الحدة واحلال الهدنة (الموقته) بينهم .

كان يستخدم عبارات على صلة بالميثولوجيا النفسية اليومية (ماكو واحد ياخذ اكثر من رزقه ، ماكو طابو هنا) ، ويباشر في تقسيم (مقرات) البيع بينهم ، والغريب ان جميع المتخاصمين يصادقون على الحلول التي كان يوصي بها لكني اكتشفت من كثرة متابعاتي لمشهد تلك (المعارك) ، ومن المفاوضات السريعة التي يديرها انه يحرص أشد الحرص  على الانحياز للباعة الاقل براعة في استقطاب الشراة .

كان ساحراً في الاقناع ، وفي احد الايام شاهدته مسرعاً باتجاه شارع فرعي فقادني الفضول للحاق به ، كان معه رجل بذات السن متوسط العمر وكانت المفاجأة ذيول معركة ضارية بين اصحاب (بسطات) متجاورة ، بعضهم يدمدم ، واخر يعالج جرحاً طفيفاً في جبينه وآخرون كأنهم قد انتهوا من معركة ضارية، واتخذت دور المراقب عن كثب ، هكذا طار اليوم الدراسي كله وانا ما أزال اتابع المشهد ، المفاوض طعمه يتنقل بين اصحاب اصحاب البسطات ، وبينما لمحت ان  الشارع مليء بالطلبة تيقنت ان الوقت قد حان للعودة الى البيت ، ولكن الفضول اخذني بعيداً لكي اعرف كيف يمكن للسيد طعمه ان ينهي النزاع بالصلح وهذا ما جرى فعلاً ، مصافحات وقبل وابتسامات عريضة وكأن شيئا لم يحصل ، آخر المشاهد التي ظلت في ذهني ، طعمه مرداس وهو يعود الى دكانه مع يقيني القاطع انه لم يبع شيئاً.

لقد كانت تلك المشاهد  تتكرر  بين الحين والاخر ، ومن النادر ان اجد طعمه متفرغاً الى دكانه ، بل ظل في نفسي ان اراه وهو يبيع من خضروات بقالته ، ربما يحصل ذلك في ساعات اخرى ، وفي أحد الأيام مررت صباحاً وكان دكان طعمه مقفلاً وبعودتي الى البيت وجدت الاقفال على حالها ، ومضت ايام والدكان مقفلاً فدفعني الحزن الى احدى بائعات اللبن لأسألها (وين العم طعمه) فأجابت بسرعة وبصوت خفيض (اخذوه  الشرطة) ومن ايامها تحول الشارع الى متاريس لبائعات اللبن ، و اخذت اتساءل ، لماذا فعلوا ذلك، كان شخصاً مسالماً ، وكبر السؤال معي  لأكتشف بعد حين انه كان شيوعياً متمرساً  وان دكانه ليس سوى موقع متقدم لمهمة اخرى ، وان الخضروات اداة تمويه  ، وان مهمة الوساطة التي كان يضطلع بها انما هي جزء من مسؤولياته لجمع شمل الفقراء ومحاصرة مظلوميتهم .

ياللمهمة الصعبة والمتعبة ، والضائعة عندما يغيب الوسيط ، وياللمحنة التي كانت (سوق الشيوخ) تكابدها ، فقراء  يخاصمون بعضهم البعض على فرص لقمة العيش، واثرياء يتصدرون المقاهي يتباهون بغزواتهم النسائية الملفقة ، وجدران سجن (تحتفي) بطعمه مرداس .

مشاركة