من فنون العيش

442

د. محمد غاني

ان‭ ‬لم‭ ‬نوجه‭ ‬بوصلة‭ ‬العقل‭ ‬لما‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬توجه‭ ‬اليه،‭ ‬لقامت‭ ‬هي‭ ‬بتوجيهنا‭ ‬لأوهام‭ ‬أماني‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها،‭ ‬فنسقط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأحلام‭ ‬عوض‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬العيش،‭ ‬فكرة‭ ‬عظيمة‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬كنت‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬بها‭ ‬لكنني‭ ‬تذكرتها‭ ‬حين‭ ‬قراءتي‭ ‬لرواية‭ ‬هاري‭ ‬بوتر‭ ‬لمؤلفتها‭ ‬الروائية‭ ‬و‭ ‬كاتبة‭ ‬السيناريو‭ ‬و‭ ‬منتجة‭ ‬الأفلام،‭ ‬البريطانية،‭ ‬ج‭.‬ك‭ ‬رولينغ،‭ ‬حيث‭ ‬صاغت‭ ‬نفس‭ ‬الفكرة‭ ‬كالتالي‭”‬‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تُخلق‭(‬تقصد‭ ‬الدنيا‭ ‬طبعا‭)‬‭ ‬لكي‭ ‬نركز‭ ‬على‭ ‬الأحلام‭ ‬و‭ ‬ننسى‭ ‬ان‭ ‬نعيش‭”‬‭. ‬

فن‭ ‬العيش‭ ‬فن‭ ‬بسيط‭ ‬للغاية‭ ‬لدرجة‭ ‬التعقيد‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬هو‭ ‬معقد‭ ‬للغاية‭ ‬لدرجة‭ ‬البساطة‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬العبقري‭ ‬ألبرت‭ ‬اينشتاين‭ ‬بقوله‭:”‬‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬سوى‭ ‬طريقتين‭ ‬لتعيش‭ ‬حياتك‭. ‬واحد‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬معجزة‭. ‬والآخر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬معجزة‭”‬‭.‬

تلخيص‭ ‬فن‭ ‬العيش‭ ‬بسيط‭ ‬جدا،‭ ‬و‭ ‬معقد‭ ‬جدا‭ ‬بحسب‭ ‬نظرتنا‭ ‬له،‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬تأملنا‭ ‬تلخيص‭ ‬الحكماء‭ ‬لفن‭ ‬العيش‭ ‬لوجدناهم‭ ‬يلخصونه‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬او‭ ‬اربع‭ ‬كلمات‭ ‬على‭ ‬الاكثر،‭ ‬تلخصه‭ ‬الكتب‭ ‬المقدسة‭ ‬و‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬انه‭ ‬لعب‭ ‬و‭ ‬لهو‭ ‬و‭ ‬تكاثر‭ ‬و‭ ‬تفاخر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭  ‬الشاعر‭ ‬الامريكي‭ ‬المعروف‭ ‬روبرت‭ ‬فروست‭  ‬الحائز‭ ‬اربع‭ ‬مرات‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬بوليتسار‭ ‬في‭ ‬الادب‭ ‬يلخصه‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬و‭ ‬هي‭ ‬‭”‬الاستمرارية‭”‬‭.‬

أما‭ ‬الكاتب‭ ‬الامريكي‭ ‬الساخر‭ ‬صامويل‭ ‬لانغهورن‭ ‬كليمنس‭ ‬المشهور‭ ‬ب‭”‬مارك‭ ‬توين‭”‬‭ ‬مؤلف‭ ‬رواية‭ ‬توم‭ ‬سوير‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نتابعها‭ ‬كرسوم‭ ‬متحركة‭ ‬حين‭ ‬كنا‭ ‬صغارا،‭ ‬وصاحب‭ ‬رواية‭ ‬هكليبيري‭ ‬فين‭ ‬العظيمة،‭ ‬فيلخص‭ ‬الحياة‭  ‬أو‭ ‬فن‭ ‬العيش‭ ‬بقوله‭”‬الأصدقاء‭ ‬الحقيقيون،‭ ‬و‭ ‬الكتب‭ ‬الجيدة،‭ ‬و‭ ‬الضمير‭ ‬النائم‭:‬‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬أوصاف‭ ‬الحياة‭ ‬المثالية‭”‬،‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬الضمير‭ ‬النائم،‭ ‬موت‭ ‬الضمير،‭ ‬فالحكماء‭ ‬يختارون‭ ‬تعابيرهم‭ ‬جيدا،‭ ‬فنوم‭ ‬الضمير‭ ‬الهدف‭ ‬منه‭ ‬الاشارة‭ ‬الى‭ ‬فن‭ ‬التجاهل،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يعكر‭ ‬صفو‭ ‬تأملاته‭ ‬كل‭ ‬دقيق‭ ‬و‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬الأمور‭.‬

من‭ ‬صفات‭ ‬الإيمان‭ ‬و‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأديان‭ ‬التشبث‭ ‬بالحياة‭ ‬و‭ ‬الرغبة‭ ‬فيها‭ ‬لآخر‭ ‬رمق،‭ ‬حيث‭ ‬توصي‭ ‬الأديان‭ ‬جميعها‭ ‬بتعمير‭ ‬الأرض‭ ‬لآخر‭ ‬نفس‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬جاءت‭ ‬الموت‭ ‬لأحدنا‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬فسيلة‭ ‬فليغرسها،‭ ‬فكذلك‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬وودي‭ ‬آلن‭ ‬الكاتب‭ ‬المسرحي‭ ‬و‭ ‬عازف‭ ‬الجاز‭ ‬و‭ ‬المخرج‭ ‬الأمريكي‭ ‬المعروف‭ ‬حكمته‭ ‬الشهيرة‭”‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أخاف‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬و‭ ‬إنما‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬هنالك‭ ‬حين‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭”‬‭.‬

أما‭ ‬الأديب‭ ‬الاسترالي‭ ‬ماركوس‭ ‬زوسان،‭ ‬وكاتب‭ ‬كتب‭ ‬الأطفال‭ ‬و‭ ‬الروائي‭ ‬المعروف‭ ‬بروايته‭ ‬‭”‬سارقة‭ ‬الكتب‭”‬،‭ ‬فله‭ ‬قولة‭ ‬بليغة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬‭”‬يكون‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬رائعون،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬نظراتهم‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬يقولون،‭ ‬و‭ ‬إنما‭ ‬فقط‭ ‬فيما‭ ‬هم‭ ‬عليه‭”‬‭. ‬و‭ ‬هو‭ ‬بذلك‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يقصد‭ ‬بقوله‭ ‬‭”‬أحيانا‭”‬  ‬أن‭ ‬احدنا‭ ‬إن‭ ‬هو‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬توازناته‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬فانه‭ ‬سيكون‭ ‬رائعا‭ ‬بمجرد‭ ‬تواجده‭ ‬بيننا‭.‬

نفس‭ ‬الامر‭ ‬يشير‭ ‬اليه‭ ‬ألبرت‭ ‬آينشتاين‭ ‬الغني‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬تعريف‭ ‬بقوله‭”‬‭ ‬تشبه‭ ‬الحياة‭ ‬ركوب‭ ‬الدراجة،‭ ‬ان‭ ‬أردت‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬ينبغي‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الحركة‭”‬،‭ ‬فإن‭ ‬تم‭ ‬ذلك‭ ‬تمت‭ ‬روعة‭ ‬اللوحة‭ ‬الفنية‭ ‬بتواجده‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬عجلتين‭ ‬فيما‭ ‬بيننا،‭ ‬فتتشابه‭ ‬بذلك‭ ‬الصورة‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬صورها‭ ‬آينشتاين‭ ‬بتلك‭ ‬التي‭ ‬أرادها‭ ‬الاسترالي‭ ‬ماركوس‭ ‬زوسان‭.‬

و‭ ‬نختم‭ ‬بقولة‭ ‬الاديبة‭ ‬الامريكية‭ ‬بيسي‭ ‬أندرسون‭ ‬ستاينلي،‭ ‬الرائعة‭ ‬شعرا‭ ‬و‭ ‬نثرا‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ ‬‭”‬المزيد‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬القلب‭”‬،‭ ‬‭”‬لقد‭ ‬حقق‭ ‬النجاح،‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص،‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭ ‬،‭ ‬ضحك‭ ‬كثيرًا‭ ‬،‭ ‬وأحب‭ ‬كثيرًا‭ ‬؛‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بثقة‭ ‬المرأة‭ ‬النقية‭ ‬واحترام‭ ‬الرجال‭ ‬الأذكياء‭ ‬ومحبة‭ ‬الأطفال‭ ‬الصغار‭ ‬؛‭ ‬الذي‭ ‬ملأ‭ ‬مكانته‭ ‬الخاصة‭ ‬وأنجز‭ ‬مهمته‭ ‬؛‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ينقصه‭ ‬أبدًا‭ ‬تقدير‭ ‬جمال‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬؛‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬العالم‭ ‬أفضل‭ ‬مما‭ ‬وجده‭ ‬،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك زهرة‭ ‬خشخاش‭ ‬مغروسة‭  ‬أو‭ ‬قصيدة‭ ‬مثالية‭ ‬أو‭ ‬روح‭ ‬منقذة‭ ‬؛‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬الأفضل‭ ‬في‭ ‬الآخرين‭ ‬ومنحه‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬؛‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬الحياة‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬له‭ ‬؛‭ ‬الذي‭ ‬لديه‭ ‬الذاكرة‭ ‬عطاء‭ ‬الهي‭ ‬رائع‭. ‬

مشاركة