من سيكون صاحب الإطلاقة الأولى؟ – عبد الخالق الشاهر

263

من سيكون صاحب الإطلاقة الأولى؟ – عبد الخالق الشاهر

عادة ما يلجأ الباحثون السياسيون عندما يتحدثون عن آفاق مستقبلية ( وهي اصعب امتحان لهم ) باللجوء الى السيناريوهات ويعرضون ثلاثة او اكثر وقد لا يتحقق اي سيناريو منها ، ولذلك لجأت الى هذا العنوان لتسهيل مهمتي واختصرته في توقع فقط من سيكون صاحب الاطلاقة الاولى (ان وقعت).

تحت الطاولة

تتذكرون تحليلاتنا القديمة التي باءت بالفشل كوننا كنا ولا نزل مفتونين بنظرية المؤامرة ونظرية (تحت الطاولة) ونظرية (اللعبة) في تلك الأيام التي قفلنا فيها على ان امريكا ازالت الشاه وجاءت بشاه (معمم) وأن هناك حلفا ستراتيجيا مقدسا بين امريكا وايران واسرائيل بعد الثورة الايرانية ، وكان الطرف الآخر يقول ان صدام حسين هو عميل لأمريكا ، وأن الحرب بينهما هي (لعبة) وأن الحرب لن تقع ..فأقول لهم بأن الحشد الدولي وجيش العراق بات مليونا جندي فهل يعقل ان تكون هناك (لعبة) بهذا الحجم ، وتأكد الموضوع لديهم انه عندما بدأت الحرب بدأ الرئيس صدام خطابه (( وغدر الغادرون)) كدليل على انها كانت لعبة وغشوه بها ، او ان سفيرة امريكية اسمها غلاسبي رمت له الطعم فابتلعه. اصحاب هذه النظريات اليوم باتوا في حرج ، انقذهم ترامب منها بقوله ( فليتصلوا بنا ) او (انا لا اريد ايذاء ايران) فهرعوا الى نظرية المؤامرة ..اما العبد الفقير الى الله فرأى في ذلك تكرارا لسيناريو العراق. فهو في الحالتين تشجيع للضعيف على التحدي كي يمضي منفذا لخطة القوي التي فيها نهاية الضعيف او تحجيمه اكثر ايام الملكية حصل صراع عشائري في الديوانية وقرر مجلس الوزراء تحريك فوج مشاة الى الديوانية لا نهاء الصراع ورفض وزير المالية لأن ذلك يكلف الميزانية كثيرا وبالتالي فأن الأساطيل لا تتحرك لأجراء (لعبة ) فلعب البوبجي او الدعبل لا تجري بالأساطيل .. رغم ان ذلك قد يكون للردع او الحماية وبالتالي هي مرحلة من مراحل الحرب ( التحشد) . هذه الحرب التي قلت عنها قبل سنين عشرا على الفضائية السورية ((انها قطار يسير على سكة لا بد ان يصل المحطة يوما )) لن تبدأها امريكا طالما هناك خيارات اخرى، والطرف القوي هو دائما يمتلك حزمة من الخيارات ، ولعل منها ما اقترحه بعض قادة العسكر الامريكان على بوش الابن ضد العراق وذلك  بتنفيذ سياسة (الخنق) بدل (الحصار) لمدة ستة اشهر فيسقط العراق ، فأجابهم ((أتريدون مني ان اطمأن لستة اشهر مع وجود صدام حسين ومعه سبعة الاف دبابة ومدرعة قرب ابار النفط السعودية؟؟)) .. ولا ننسى ان الخنق والحصار كان ستراتيجية امريكية معتمدة رسميا قبل الحرب العراقية الايرانية تحت اسم (الاحتواء المزدوج ) للعراق وايران بعدها تحول الى (الاحتواء التمايزي) أي التركيز على العراق اولا ، واليوم فان سياسة الخنق هي ما ستستمر عليه امريكا ، بصبر وأناة وتفنن مذهل ، ولعلنا لاحظنا ان العقوبات تتوالى بمتوالية هندسية انتقائية ومثل سياسة كهذه نتائجها ستكون هندسية ايضا (2،4،16،256 ) وهنا تكمن الكارثة على الاقتصاد الايراني ،فالاقتصاد يبنى بمتوالية عددية وانهياره في مثل هذه الظروف يكون هندسيا وتتذكرون كيف وصل سعر الدولار في العراق الى اكثر من  3000 دينار، وبات راتبي  17دولارا فقط. اسمحوا لي ان اطيل قليلا بقصة سأختصرها وهي اني كنت آمر لواء في ديالى وبعد دخول الجيش العراقي الكويت بأيام صدر الامر بأن يقوم امرو الالوية باستطلاع الكويت ولم يكن سائقي موجودا فخصص لي احدهم .. وصلنا العمارة دون حديث لأني كنت مكتئبا فبادر هو بسؤالي ودار الحديث الاتي  :                                                – سيدي هاي شلون راح تفض ؟؟ اجبته متجنبا الحديث  سهلة نفضها مثل ما فضيناها ويا ايران

– سيدي ليش هو احنا اللي فضيناها ويا ايران

– لعد منو فضها ؟

– سيدي صواريخ الحسين والعباس

– هل حضرتك محلل ستراتيجي؟؟

– لا سيدي العفو بس آني كنت بطهران بوكتها وشفت اللي صار كان من ينذر العراق طهران كلها تطلع عالجبال وبعد الضربة يرجعون والسوق يعزل وصارت فوضى وصعدت الاسعار حيل ، يعني سيدي الصمونة صارت بربع دينار وما تتحصل وباكيت الجكاير هم بربع..وبعدين انهار الشعب وانهار الجيش وكمنا انلم بالاسرى .

– شوداك الطهران وانت عسكري ؟؟

– سيدي آني كردي فيلي وانهزمت وارجعت بالعفو .

مفاجأة ايران

 اما المفاجآت الايرانية فيبدو ان ترامب حسب لها حسابا من خلال اللنكولن وال بي  52 والنووي ، وروسيا الهاها بالبحر الابيض المتوسط ؟؟ والصين لا زال حلمها بأن تكون عملاق القرن ولن تفقد ما بنته لكي تكون عملاق النصف الثاني من القرن الحالي وتخوض الحروب مثلنا ، وتنسى البناء،  ولن تغضب ترامب  وبالتالي سيكون الخنق مريحا  ويقلقه العراق فقط لفترة لا تطول لأن ترامب هو صانع الدولار وأي دولار يتحرك على الكرة الارضية يكون بعلمه والاقمار الصناعية منتعشة والجواسيس (مال الاول ) نشطون ، والمنتحرين للعام الماضي بلغوا العشرة الاف الا نيفا وليس مائة كما ذكرت خطأ في مقالي السابق ، والبغدادي ظهر ، وحزيران الاسود لا زال يمخر عباب الذاكرة العراقية ، والسيد حسن نصرالله سيضعف بمتوالية هندسية كالباقين ، واسرائيل الحبيبة لم تكن يوما في ابهى حالتها كما هي اليوم (عين الحاسود بيها عود) وسيخصص لها مشاغلة سوريا وحزب الله ، وقد يخصص لها اهداف في العراق ايضا ، وأن حصلت المواجهة سيخصص لها اهداف داخل ايران ، ولذلك اتوقع  ما توقعته وهو ان التصعيد المتبادل  سيكون طويل الامد ..وكلما طالت مدة التصعيد تقلصت مدة الحرب وتقلص احتمال قيامها .بالتالي فأن امريكا غير مستعجلة ولن تكن صاحبة الاطلاقة الاولى ، فغاية اي حرب هي كسر ارادة العدو على القتال وطالما كنت تمتلك القدرة على ذلك دون حرب فلا داعي لركوبها ابدأ ننتقل الى ايران صاحبة الخيارات الاقل ، وأيران خاتمي الداهية تعي ان امريكا لم تكن جادة كما هي اليوم ، وأنها بدأت بالنفط مرورا بالمعادن وبعدها الزوالي والكافيار انتهاء بالأوكسجين ، وتعرف ان الجوع قاتل وانه ابو الثورات والقلاقل ، وتعي ان شعوبها صبرت طويلا ، وأن البيئة الدولية لا تسمح لمشاريعها العقائدية بالاستمرار ولا يوجد في الافق المنظور ما يشير الى تغير جوهري ، فتضطر الى تقديم اقل ما يمكن من التنازلات لأن ذلك افضل من الانتحار .

مشاريع عقائدية

الاهم من كل ذلك ان ما ستخسره ايران ان تنازلت هو ان تعود دولة كباقي الدول التي منها دول كبرى مهابة كالهند وغيرها ولكنها ليست دول مشاريع عقائدية كإيران وستتذكر ان صاحب المشروع الاكبر الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم تصالح مع الكفار عبدة الاصنام لأنه رأى الانتحار امامه رغم انه حامل رسالة ربانية وهو (مكلف) بها وليس هو من كلف نفسه بها كإيران . نقطة اخيرة وهي ان ايران وعت ان ترامب يعي خطتها باستخدام الاذرع وقد تكون جماهيرية ، وأنا انصح بكل شفافية بأن مظاهرة غير سلمية من عشرة اشخاص تهدد جنديا امريكيا واحدا فسيضرب ترامب ايران حتى لو كانت التظاهرة في زمبابوي . والقائمون بها هنود كفى الله عباده شر الحروب وشر طبولها وشر مخرجاتها البائسة خصوصا وأن رابحها خاسر، وأن من الأغاني العراقية فالبناء البناء والشعوب الشعوب ولكل حدوده يتحرك داخلها كما شاء ولا احد سيتحرش به ، ويبقى الله هو الاكبر.

مشاركة