من دروس الذاكرة- حسن النواب

325

حسن النواب

كنتُ في التاسعة من عمري، عندما جاءوا  برضيع ميت إلى النهر، التقطه الفلاح عباس شاوردي من يد المرأة المتلفعة بعباءة سوداء، لم تكن أمه هكذا خمَّنت، لأنها لم تكن تبكي عليه، وملامح وجهها صارمة؛ كان لجوارها يقف رجلٌ يضع كوفية مرقَّطة حائلة اللون على رأسه ويغطي جسده النحيف بدشداشة سمراء من كثرة اتساخها، بدأ الفلاح بتغسيل الرضيع بماء نهر الغازي الجاري، بعد أنْ قرفص على دكة أسمنتية هي امتداد لبوابتين ينطلق منها الماء إلى الجهة الأخرى، أذكر أوراق السدر الجافة التي نثرها على جسد الرضيع قبل أنْ يغمره تحت الماء، تخيلته يداعب سمكة، وضع فمهُ على جوف أذنه اليمنى وراح يتمتم بآيات كان يسمعها وحده وربما الرضيع الميت معهُ، حين أكمل تغسيل الرضيع دثَّرهُ بقطعة قماش خضراء لامعة وطوى حوافها على جسده الصغير؛ حينها عرفتُ أنَّ الرضيع ينحدر من سلالة أهل البيت؛ وضعته المرأة تحت عباءتها وانصرفت، كانت آخر القطرات على جسدي العاري قد جفَّتْ، لم امتلك الشجاعة للقفز إلى النهر مرة أخرى، كنتَ أشعر أنْ كل موجة في النهر هي وجه الرضيع، لقد أصبح ماء النهر في عيني مئات من وجوه الرضَّع المتلاصقة والتي تندفع في مجرى النهر بسكون عجيب إلى المجهول.

• وصلت إلى الأردن في صبيحة منتصف شهر شباط من عام 2001، كانت السماء تمطر بضراوة وفي جيبي مئة دولار مع معطف جلدي فاخر وحقيبة ملابس متينة، أضف إلى كيلوين من الكمأة  وكيلو من السمن الحر على أمل بيعهما والتربح منهما؛ في مقهى السنترال خلال ساعة تبخَّرتْ خمسين دولاراً على الأصدقاء، كنت ثملاً من فرحتي لأني تخلَّصتُ من جمهورية الخوف، وصار بوسعي أن أتكلَّم وأكتب في منتهى الحرية؛ عندما أطلَّ صباح اليوم الثاني كان جيبي فارغاً وبضاعتي المتواضعة التي جئت بها اختفت بظروف غامضة، أعني الكمأة والسمن الحيواني، ما أقسى امتحان الإفلاس على الغريب؛ فكَّرتُ بالعودة إلى جحيم البلاد بعد أُسبوع، لأن الجوع ضرب معاقل كبريائي؛ لكنَّ الذي منعني من اتخاذ هذه الخطوة الحمقاء؛ تصريحاتي النارية على الطاغية في الأمسية التي أقامتها لي رابطة الكتاب الأردنيين احتفاءً بقدومي. لم يبق أمامي سوى مقاومة الجوع الكافر والحرمان حتى إذا دعا الأمر للتشرّد في الشوارع، ذلك أنَّ أصدقائي المقربين صاروا يتجاهلون وجودي باستثناء الدرويش علي السوداني، إذ كنت أهاتفهُ بين شهر وآخر حتى ينقذني من الذل بخمسة دنانير أردنية، أمضيتُ الشهر الأول في الأردن أشبه بطفلٍ أعمى يجلس بفم أسد لا يعرف متى يلتهمهُ، لكني قرَّرتُ مع نفسي أن أقاوم الحرمان مهما كانت قسوته وصولاً إلى هدفي الذي جئت من أجله، بعد أنْ ركلتُ مكارم الطاغية التي خدعتْ غيري من الأدباء. بعد شهرين أخذ سعد جاسم معطفي الجلدي الفاخر مقابل عشرين دينارا أردنياً، بينما ابتعتهُ من العراق بورقتين! ما أقسى الأصدقاء الذين يستغلون ضعفك حين يحاصرك الضيق، أعطاني العشرين ديناراً على دفعتين، بينما طلب عباس الحسيني حقيبتي المتينة قبل سفره إلى أمريكا بلا ثمن غير المحبة؛ بالوقت الذي كنتُ بحاجة إلى ليرة أردنية تنقذني من مأزق جوع يحاصرني طوال الوقت، أقمتُ على مدى سنتين في الأردن ومن جوعي أكلت مع صديقي ماجد عدّام ورق الشجر وكنّا في آخر الليل نفتش بين يوم وآخر في قمامة بائع الخضار عمَّا يسدُّ رمقنا. لكني أنقذتُ عائلتي من حرمان أكيد وانتصرت على الظلم في نهاية المطاف. لا يمكن أن تقطف الثمرة الثمينة بدون تضحيات جسيمة.

• كنت أترقَّبُ قدوم عائلتي من العراق إلى الأردن كالمعتوه؛ نفد صبري وقلَّتْ حيلتي وصار الشراب صديقي بمحاولة لطرد الكوابيس التي تلاحقني في صحوي ومنامي، وهل كنتُ أنام؟بالواقع أصبحت مدمناً على الخمر والسهر وتقرَّحتْ أجفاني من السهد، ذات غروب رنَّ هاتفي النقال وإذا بصوت يقطر أنوثة يكلمني، سرعان ما عرفت أنها اللاجئة « س « التي اشتركت معي بدورة في مفوضية اللاجئين لزيادة قدرتنا على تحدث اللغة الأنكليزية، لم يمض سوى خمسة أيام على تلك الدورة حتى توطدت علاقتي بها، وقد جذبتني بقوامها الفاتن، إذ كانت تشبه المطربة التركية سيفال سام إلى حد بعيد، أضف إلى ذلك أناقتها ورشاقة جسدها فهي خريجة كلية التربية الرياضية، وأسمعتها بعض شعري الغزلي الذي يبدو تأثرت به، وها هي تدعوني إلى منزلها حيثُ تعيش  مع والدة زوجها الذي سبقها إلى مدينة أورپية ، كانت دعوتها صريحة وتقطر شبقاً، ولما حاججتها بوجود عمّتها، أخبرتني أنَّها ذهبت مع عائلة عراقية لزيارة جعفر الطيار في مدينة الكرك ولن تعود إلاّ يوم الغد، طلبت منها أن تمهلني بعض الوقت حتى أردّ عليها الجواب وأغلقتُ الهاتف، نهضت مقترباً من شرفة المنزل الرابض على مرتفع شاهق في حي نزّال، وتطلَّعت بعينين متعبتين إلى بيوت عمّان الحجرية وقد شعّتْ أضواء النيون الجليدية من نوافذها الصغيرة وشخصتْ أمام انظاري صورة زوجتي تراقبني بصحبة ولدي تبارك وابنتي حُسنى، بينما كانت حجرات قلبي تضيق ويكاد الظلام يحتلها بقسوة، ارتجف جسدي وعدت مهشَّماً لأجلس على أريكة قديمة في باحة الدار، تهاويت عليها مثل جريح ينزف وبدأت اتلقف الهواء بصعوبة إلى رئتيَّ ، رنَّ الهاتف مرة أخرى ورأيت اسمها على شاشته الخضراء، كانت رنّة هاتفي موسيقى أغنية «أنا وحيد « لأبراهيم تاتلس التي أهدتني إيّاها؛ ظلت النغمة الطاعنة بالحزن تصدح بذلك الغروب الكابي وأنا أتطلع إلى السماء متوسلاً الله حتى تصل عائلتي، فلقد سيطرت على كياني تلك اللحظات فكرة واحدة مليئة بالرعب ألا وهي : إذا ما ذهبت للسهر مع السيدة الأنيقة .. هذا يعني لم أر عائلتي إلى الأبد.

مشاركة