من بغداد إلى البصرة .. وجوه ترسم ثورة أكتوبر

982

بغداد‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬لا‭ ‬سن‭ ‬قانونيّاً‭ ‬هنا‭. ‬عشرة‭ ‬أو‭ ‬عشرون‭ ‬أو‭ ‬ستون‭ ‬عاماً‭… ‬رجال‭ ‬ونساء،‭ ‬من‭ ‬أحياء‭ ‬بغدادية‭ ‬معدمة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أرقى‭ ‬جامعاتها،‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬عشائر‭ ‬البصرة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مسارحها‭. ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬يمنحون‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬أكتوبر‮»‬‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وجوها‭ ‬ناطقة‭.‬

تروي‭ ‬ملامحهم‭ ‬قصصاً‭ ‬وأحلاماً‭ ‬تتشابه‭ ‬وتختلف‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬غني‭ ‬بثروته‭ ‬النفطية،‭ ‬وفقير‭ ‬بفساد‭ ‬طبقة‭ ‬سياسية‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬آمال‭ ‬وأحلام‭ ‬كثيرة‭.‬

طرق‭ ‬الفقر‭ ‬باب‭ ‬أم‭ ‬قاسم،‭ ‬فخرجت‭ ‬بعباءتها‭ ‬السوداء‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تخفِ‭ ‬شجاعتها،‭ ‬شاهرة‭ ‬سيف‭ ‬المطالب‭ ‬بوجه‭ ‬من‭ ‬أفقرها،‭ ‬وسلاحها‭: ‬علم‭ ‬عراقيّ‭ ‬من‭ ‬الكتف‭ ‬إلى‭ ‬الكتف‭.‬

تقول‭ ‬ربّة‭ ‬المنزل‭ ‬التي‭ ‬تجهل‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتقن‭ ‬بناء‭ ‬الأوطان‭ ‬وتشارك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬التظاهرات‭ ‬منذ‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬الدكتاتور‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2003،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬السياسيين‭ ‬لديهم‭ ‬قصور،‭ ‬ونحت‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬شيئاً‮»‬‭.‬

منذ‭ ‬شهرين،‭ ‬تتواجد‭ ‬أم‭ ‬قاسم‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬تحمل‭ ‬‮«‬روحاً‭ ‬ثورية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬الرمزية‭ ‬وسط‭ ‬بغداد،‭ ‬بين‭ ‬صفوف‭ ‬المتظاهرين‭ ‬الذين‭ ‬يواجهون‭ ‬قوات‭ ‬مكافحة‭ ‬الشغب‭.‬

‭ ‬‮«‬لست‭ ‬خائفة‮»‬‭ ‬

شهدت‭ ‬بغداد‭ ‬ومدن‭ ‬جنوبية‭ ‬عدة‭ ‬فوضى‭ ‬عارمة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الماضي‭. ‬رصاص‭ ‬حي‭ ‬وقنابل‭ ‬غاز‭ ‬مسيل‭ ‬للدموع‭ ‬يؤدي‭ ‬لحالات‭ ‬اختناق‭ ‬وموت‭ ‬أحياناً‭ ‬بإصابات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الصدر‭ ‬والرأس،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬بمحتجين‭ ‬لتشكيل‭ ‬‮«‬فرق‭ ‬خاصة‮»‬‭ ‬لمواجهة‭ ‬تلك‭ ‬القنابل‭ ‬المخصصة‭ ‬لأغراض‭ ‬عسكرية،‭ ‬وتعد‭ ‬أثقل‭ ‬عشر‭ ‬مرات‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬خلال‭ ‬التظاهرات‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم‭. ‬تمكن‭ ‬أحد‭ ‬مصوري‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬من‭ ‬تصوير‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬تلك‭ ‬الفرق،‭ ‬أعمارهم‭ ‬هي‭ ‬21‭ ‬و23‭ ‬و30‭ ‬عاماً،‭ ‬جميعهم‭ ‬عاطلون‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬ويتظاهرون‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬منذ‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭.‬

الأول‭ ‬أصغرهم‭ ‬سناً،‭ ‬يشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬قائد‭ ‬الأوركسترا،‭ ‬بقفازين‭ ‬سميكين‭ ‬يمكناه‭ ‬من‭ ‬التقاط‭ ‬القنابل،‭ ‬وقناع‭ ‬طبي‭ ‬تحت‭ ‬نظارتين،‭ ‬وخوذة‭ ‬صلبة،‭ ‬مسلحاً‭ ‬بمواد‭ ‬إسعافات‭ ‬أولية‭ ‬مربوطة‭ ‬على‭ ‬ذراعه‭. ‬أما‭ ‬الآخران،‭ ‬فأحدهما‭ ‬رسم‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬قناع‭ ‬‮«‬سوبرمان‮»‬،‭ ‬يحمل‭ ‬درعاً‭ ‬صغيراً‭ ‬لصد‭ ‬القنابل‭ ‬المتطايرة،‭ ‬فيعيدها‭ ‬باتجاه‭ ‬مطلقها‭.‬

يسمي‭ ‬هؤلاء‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬رفيقهم‭ ‬بالـ»شكفه‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬تعني‭ ‬تسلم‭ ‬أو‭ ‬رمي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حجارة‭ ‬البناء‭ ‬إلى‭ ‬آخرين‭ ‬يقفون‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬مرتفع،‭ ‬باللهجة‭ ‬العامية‭ ‬العراقية‭.‬

لكن‭ ‬عندما‭ ‬تخترق‭ ‬تلك‭ ‬القنابل‭ ‬شباك‭ ‬هؤلاء،‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬المسعفين،‭ ‬فيتحول‭ ‬متطوعون‭ ‬من‭ ‬متظاهرين‭ ‬إلى‭ ‬ممرضين،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬فاطمة،‭ ‬الطالبة‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬23‭ ‬عاماً،‭ ‬أو‭ ‬سحر‭ ‬الطالبة‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الهندسة‭.‬

وتقول‭ ‬سحر،‭ ‬البغدادية‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬حجابها‭ ‬خماراً‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬استنشاق‭ ‬الغاز،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬هي‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية،‭ ‬وإلى‭ ‬جانبها‭ ‬عبوات‭ ‬بيبسي‭ ‬أو‭ ‬خميرة‭ ‬أو‭ ‬محلول‭ ‬شفاف‭ ‬لرش‭ ‬عيون‭ ‬المصابين‭ ‬بالغاز‭.‬‭ ‬لكنها‭ ‬تؤكد‭ ‬‮«‬لست‭ ‬خائفة‮»‬‭.‬

من‭ ‬جانبه،‭ ‬يقوم‭ ‬الفنان‭ ‬الكوميدي‭ ‬منتظر‭ ‬بتقليد‭ ‬تلك‭ ‬الإصابات،‭ ‬ويحولها‭ ‬إلى‭ ‬فن‭ ‬بمكياج‭ ‬على‭ ‬العيون‭ ‬وجروح‭ ‬تنزف‭ ‬وخطوط‭ ‬سوداء‭ ‬على‭ ‬ثيابه‭ ‬ووجهه‭ ‬كأنها‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬دخان‭ ‬الإطارات‭ ‬المشتعلة‭.‬

‭- ‬‮«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أكثر‭ ‬جمالاً‮»‬‭ -‬

يلعب‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬ذو‭ ‬الإثنين‭ ‬وعشرين‭ ‬ربيعاً‭ ‬والآتي‭ ‬من‭ ‬محافظة‭ ‬البصرة‭ ‬الغنية‭ ‬بالنفط،‭ ‬دور‭ ‬‮«‬الشهيد‮»‬‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬يبعد‭ ‬مئات‭ ‬الأمتار‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬أماكن‭ ‬العنف‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير،‭ ‬إكراما‭ ‬للضحايا‭ ‬الذين‭ ‬سقطوا‭ ‬جراء‭ ‬القمع‭ ‬ووصل‭ ‬عددهم‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬450‭ ‬شخصاً‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬ألف‭ ‬جريح،‭ ‬وفقا‭ ‬لحصيلة‭ ‬اعدتها‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬استنادا‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬طبية‭ ‬وأمنية‭.‬

ضم‭ ‬المحتجون‭ ‬أيضاً‭ ‬علي‭ ‬الحوسي‭ (‬34‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يرتدي‭ ‬زياً‭ ‬عربياً،‭ ‬ليطالب‭ ‬بـ»محاكمة‭ ‬الجنود‭ ‬وعناصر‭ ‬الشرطة‭ ‬الذين‭ ‬قتلوا‭ ‬متظاهرين‮»‬‭.‬

شهدت‭ ‬جميع‭ ‬المدن‭ ‬وسط‭ ‬وجنوب‭ ‬العراق،‭ ‬تظاهرات‭ ‬واسعة‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬شبان‭ ‬تركوا‭ ‬مدارسهم‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع،‭ ‬ورجال‭ ‬دين‭ ‬شيعة‭ ‬مثل‭ ‬ناصر‭ ‬الوائلي‭ (‬42‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وأساتذة‭ ‬جامعيين‭ ‬مثل‭ ‬عادل‭ ‬ناجي‭ (‬56‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬تواجدوا‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬الاحتجاج‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬وبغداد‭ ‬والنجف‭ ‬والديوانية‭ ‬والناصرية‭ ‬ومدن‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭.‬

وشكل‭ ‬الطلبة،‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬المراحل‭ ‬الدراسية،‭ ‬عمود‭ ‬التظاهرات،‭ ‬وبينهم‭ ‬زينة‭ ‬رافد‭ ‬وحسن‭ ‬التميمي‭ ‬وبنين‭ ‬ضياء‭ ‬وطه‭ ‬مشتاق،‭ ‬وجميعهم‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬العشرينيات‭.‬

يقول‭ ‬مشتاق‭ ‬‮«‬نريد‭ ‬التغيير‮»‬‭.‬

أما‭ ‬حسن‭ ‬أبو‭ ‬علاء،‭ ‬المعروف‭ ‬بشيخ‭ ‬المتظاهرين‭ (‬65‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬مرتدياً‭ ‬ملابس‭ ‬سوداء‭ ‬وملوحاً‭ ‬بعلم‭ ‬العراق،‭ ‬فيقول‭ ‬إن‭ ‬على‭ ‬‮«‬أصحاب‭ ‬الشعر‭ ‬الأبيض‭ ‬التواجد‭ ‬هنا‭ ‬أيضاً،‭ ‬لدعم‭ ‬الشباب‮»‬،‭ ‬ليتحقق‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭.‬

وهناك‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يجعل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أكثر‭ ‬جمالاً‮»‬،‭ ‬مثل‭ ‬رسام‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬أعاد‭ ‬طلاء‭ ‬أرصفة‭ ‬نفق‭ ‬يمر‭ ‬تحت‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬متحفاً‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭.‬

وفي‭ ‬البصرة،‭ ‬ترسم‭ ‬منة‭ ‬الله‭ (‬22‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬جدران‭ ‬المدينة‭ ‬بحراً‭ ‬وسماء‭ ‬زرقاوين،‭ ‬قد‭ ‬يشكلان‭ ‬أفق‭ ‬أمل‭ ‬لها‭ ‬ولمتظاهر‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬21‭ ‬عاما‭ ‬ويختبئ‭ ‬خلف‭ ‬قناع،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬المطلب‭ ‬واحد‭ ‬‮«‬مستقبل‭ ‬أفضل‮»‬‭.‬

مشاركة