من النحو إلى السياسة – حسين الصدر

380

من النحو إلى السياسة – حسين الصدر

-1-

ابو العباس (احمد بن يحيى) المعروف بـ (ثعلب) من أعلام النحويين حتى قيل عنه انه :

” إمام الكوفيين في النحو واللغة )

وكان معروفا بحسن الخلق أيضا

تخلّف صديق له عن مواساته بفقده بعض أهله ثم جاءه معتذراً فقال له :

” ما بك حاجة الى أنْ تتكلف عذرا ،

فان الصديق لا يُحاسب … “

وكان هناك لون من الفتور في العلاقة بينه وبين أبي العباس محمد بن يزيد (المبرد) ،

واتفق أنْ حضر الرجلان في مجلس ( ابن عبد الله بن طاهر) فَكَلَّف صاحبُ المجلس اسحاقَ بن ابراهيم أنْ يخبره عن الأعلم منهما ، فاستمع اليهما وهما يتناظران فيما يعرف من علم النحو فكان يشاركهما فيه ،

الى ” ان دقّقا ” فلم يَفْهمْ .

وحين سأله ابن عبد الله بن طاهر : عن الأعلم منهما بَعْدَ انفضاض المناظرة قال :

” انهما تـــكلّما فيما أعرف فشاركتهما في معرفتي ، ثم دقّقا فلم أعرف ما قالا ،

ولا والله يا سيدي ما يعرفُ أعلَمَهما الاّ مَنْ هو أعلمُ منهما ،

ولستُ ذاك الرجل

فقال له ابن عبد الله بن طاهر

أحسنتَ والله ،

هذا أحسن ،

( يعني اعترافه بذلك )

تاريخ بغداد / ج5 / 417-418

-2-

الباهر هنا هو موقف (اسحاق بن ابراهيم ) الذي لم يكن يستطيع أنْ يفهم الدقيق مما جرى على لسانَيْ المتناظريْن حيث انه لم يكن بمستواهما فاعترف بذلك ، واعتذر عن إصدارِ الحُكم ..،

وهو بهذا يكون قد احترم العلم ولم يبخس حَقَّ أحدٍ ،

واحترم نفسه بالتزام الانصاف والابتعاد عن الاجحاف ،

 وشيء آخر أشار اليه حينما قال :

” ما يعرفُ أعلمَهُما الاّ من هو أعلمُ منهما “

ومن هنا :

أوجب الفقهاء الرجوع الى أهل الخبرة – وهم العلماء القادرون على التمييز بين المتصدين من الفقهاء للمرجعية العليا – لاكتشاف الأعلم منهم ، والذي لابُدَّ من معرفته لكي يُرجع اليه في التقليد، حيث لا يكفي مجرد ( الاجتهاد المطلق) في المقّلَد بل يجب تقليد الأعلم تحديداً .

-3-

والسؤال الآن :

كم هم اولئك الذين يُراعون الموازين في أمثال هذه المسائل ؟!

والجواب :

الملاحظ عملياً أنّ معظم الناس يُبيح لنفسه الادلاء برأيه حتى اذا لم يكن من ذوي الدراية والاحاطة بذلك العلم ..!!

وبهذا يكون قد أقحم نفسه في المهالك ، وغمط حقوق الآخرين حيث حَكَمَ عليهم دون أنْ يكون مؤهلاً لذلك .

-4-

ما أحلى الانصاف ،

وما أحلى الاعتراف بالحقيقة دون اصطناع الحيل والاكاذيب .

-5-

سئل أحدُ العلماء عن مسألة معيّنة فقال :

لا أدري ،

ونصف العلم لا أدري ،

ذلك أنَّ الامر دائر بين فرضيْن لا ثالث لهما هما العلم وعدمه

-6-

وأسُّ المشاكل في (العراق الجديد) الادعاءات العريضة التي ما أنزل الله بها من سلطان ..!

وقد عَمَدَ الكثير مِنْ محترفي السياسة الى فرض أنفسهم لاحتلال المواقع والمراكز التي لم يكونوا مؤهلين لها على الاطلاق .

وما الفشل الفظيع الا النتيجة الطبيعية لذلك السبب الرهيب ..

وهكذا كبّدوا الوطن الحبيب بأعظم الخسائر والمصائب …

ولا يلوح في الافق ان هناك من اتعظ بالتجارب …

وهذه هي الكارثة .

مشاركة