من المثير إلى الأكثر إثارة – قيس مجيد المولى

528

معالجة النص

من المثير إلى الأكثر إثارة – قيس مجيد المولى

تقدم اللغة مساحات فضلى من المناخات المتشبعة بالحيوية التي تفتح المجال للخاص والساخر بتأثير تلك التناغمية التي تمتلكها الكلمات وماتمتلكه من فيض عاطفي في إستخدام الشاعر لأغراضه المتنــوعة عبر وحداتها المتكاملة وما تملكه من الخاصية المميزة التي تمنح للشاعر إســـــــلوبه الخاص به أي هويــــــــته الشخصية وفيها من قوة التناقض الباطني والتناقض الظاهري – المفارقة  مايجعلها تقدم البدائل المناسبة والسريعة بمثابة الحلول أو بالأحـــــــــرى متطلبات الأنتقال من المثـــــــــــــــير إلى الأكثر إثارة حينــــــــــــــما تهيء للشاعر أكثر من حاسة للوصول إلى متطلبات الوصول إلى  المطلق في النزعة الجمالية .

تخطي الجمود والإفلات من القولبة

يحتفي الشاعر بعبقرية اللغة ومزاجها المفعم تارة بالرضا وتارة بالهستيريا لتقديم صورها عبر قفزاتها الرشيقة بين الأشياء إذ ذاك لاتكتفي بما تعطية وما تقدمه من تاثيرات في مكان النص وزمانه وماتقدمه في ذاكرتها الجمعية واقتران قاموسها بطبيعتها التحولية كي تتخطى الجمود وتفلت من القولبةفــ مفهوم الحداثة modernity  هنا إستعداها لقبول خلق لغة من لغتها وإدامة إنفتاحها على الأشياء غير المرئية حين يفيض الخيال بمتحسساتها فيمتزج العادي بغير العادي بقوة الظاهرة التماسكية فيها ذات الدلالات الصوتية

يصف شوبنهور ذلك بقوله :

 أن اللغة تشكل ترابط ذات البعض مع البعض  أي أنها لاتكتفي بالإشارة عبر تسمية الأشياء بل ترتبط بقدرات البناء الداخلي للكلمات ليتم بناء مايتم احتياجه من مشاهد ينتظم فيها السحروإصالة التعبير

تحفيز أدوات الإنتاج

 ولعل من المهم أن يعي الشاعرأمكانية استخدام اللغة بماتملك من قوة فتطورها كامن فيما يراه الشاعر من حاجاته ومن نوازعه الدفينه عبر تؤامة أمله ومأساته،

فاللغة لدى الشاعر أحيانا لغة طبيعية وهي أحيانا لغة عاطفة وجدانية وقد تكون أحيانا بتعبير ورد زورث إصطناعات من الترابط والزخرفة لكنها في كل ذلك  لها خاصية ما في نوع جماليتهما ، لها درجات في حديتها وطرائق تفجيرها .

 وعبر تاريخ الشعر هناك من بحث عن الحقيقة وهناك من بحث عن اللذة ولاشك أن تطور مفهوم العقل الباطن والإنفعال أديا لشيوع إستخدام الرمزية من جهة والإستخدام السوداوي لسريات اللامرئي في مماثلة للبحث عن الكونيات وعن أشكال أخرى من التعسف الذي يزخر به الوجود تجاه الفرد كمخلوق وكقيمة ،

ولاشك أن هناك غاية مشتركة لمجموعة العوامل التي تمثل أدوات الإنتاج للنص ويتم الإستحكام بها من خلال العمل الفني أي فنية تحفيز تلك المشتركات على إضافة شيء من السحر الإضافي وإن سمي ذلك بالتناغم أو بالتناقض فهو إستثارة مستمرة للدهشة لكي يصبح كل شيء في ذلك المحتوى هاما وفريدا ولن تكون هناك حاجة لتفسير اللغة أو عرض سخريتها إذ هي تستمر في تقديم عرضها الشيق بتفكيك دالاتها المألوفة وهو تحول ليس بالمقصود نحو الغموض والإلتباس رغم أنه تحول مفرح بالنسبة للشاعر كون المنتج حراً بما يصل إليه مادامت الغاية البحث عن الجمال والوصول حد الإفراط به  ضمن اللايقينيات والأسرار والشكوك ،ولاشك يجوز بالشعر كما الفنون الأخرى إنتهاك كل شيء بما في ذلك القناعات الأخلاقية فليست الكلية والتناسق أساسا نهائيا للجودة إذ أن الإضطراب والفوضى مقودان مهمان يقودان إذ ماتوفرت رؤيا نفسية مصاحبة من الإيحاء ببعد دلالي أعم لكل من اللغة والعاطفة في إطار المحتوى المتعدد الأغراض في النص الشعري وقد يكون لدى البعض من الغرابة أن يكون التنظيم من خلال الفوضى والتي من خلالها يتحرر الشاعر من العديد من القيود الشعرية الموروثة مادام الشعر هدفا غير عقلانيا

وذاتيته تكمن في الضرورة لفهم خلوته الغيبية وأنقطاعة في لحظة خاصة وراقية عن العالم المألوف ،

تشظي الأفكار

وفي أي نتاج شعري لابد من وجود فكرة رئيسية leading idea  أي لابد من وجود أفق ما كي يهي الشاعر موجوداته التي تنسجم مع تلك الفكرة وأحيانا وضمن البدء بالأنتاج تنتاب الشاعر نزعة عدم الإكتراث بالوصول الدقيق للتلاقي مع تلك الفكرة الرئيسة ونزعة عدم الإكتراث تلك indifferentismتُعبر عن حالات الإنفعال غير المتوازنالذي يلحق بالمخيلة شيئا من الإضطراب عند التعامل مع الصورة image وكذلك الصورة المجازيةimageryورغم مايولده هذا الضغط على المخيلة فأنه يمنحها بنفس الوقت قدرا من التحول metamorphosisوهذا التحول لايعني تحولا كليا عن الفكرة الرئيسية لكنه إمساك بصور أخرى نقيضة تنسجم في تناقضها مع مايسعى إليه الشاعرفي إخفاء الطابع الخارحي-التخارج – externalizationإخفاء البنية الظاهراتية وبقدر محسوس وبالتالي فأن المسافة تضيق أحيانا بأتجاه معلوم وتنفرج أحيانا بأتجاه غير معلوم لتتسع دلالة الفكرة الرئيسية أو تتشظى إلى أفكار أخرى

تأزيم الجانب الإنفعالي

يظهر النص وكأنه معبأ بمجاميع متنافرة ومتقافزة من الدالات غير المنسجمة بالكلية ولكنها منسجمة ضمن مفهوم الجزئية وهذا بدوره يضع الشاعر أمام إختيار التوقف أمام العقل وتقييم المنتج لإجراء الإصلاحات اللازمة كي يبدو النص رغم تلك الجزئيات المتفرقة يبدو كوحدة متجانسة وأن ساده شيء من الغموض والإلتباس obscurity وهو متأت من تلك المفارقة التي أحدثتها تشظي الفكرة الرئيسة وأحتقان الجزئيات بسحر الأوهام  والمغالطات الوجدانية والتي بنيت في الأصل على مايقدمه الشطح الخيالي من متنافرات صورية ولغة غيبية بعد تأزيم الجانب الإنفعالي كنتيجة طبيعية لذلك التشتت والرغبة في إستحضار ولادة مبكرة ومقنعة للمُنتج،وقد يكون التعبير   expressionيجمع مابين الفكاهة والسخرية الحادة والقصد الحدسيبنزعات ذاتية خالصة بمزاوجة اللاعيني مع الكلي العيني concrete universal وهذا مايُعين الشاعر للوصول للنقطة الحاسمة

لأرغام القوى غير الفاعلة في النص والتي تسللت إلى المحتوى المنظم لأرغامها أو على أقل تقدير لإضعاف سطوتها على المخيلة وبالتالي رفع القدرات التحسسية في النص من خلال سطوة الجانب الجمالي والذي سيكون نقيضا لكل الأشياء التي لاتنسجم مع قدرات الموجودات التي تشتغل بقدراتها التوافقية ضمن مستوى غير مقدر من الإنفعال والخيال وما ينتج في لحظتها من الأفكار والرمزيات وهي بذلك الوصف أشياء تتنافر مع الواقع كون القصد اللاشعوري شريك متتم للنقلات النوعية التي تستلها المخيلة من العقل الباطن إذ ذاك تحصل القناعة قناعة الشاعر من الخروج  عبر حطامه إلى الجمال الفائق

?supernatural beauty?وهو بذلك قد بلغ القصدية الشعرية  ضمن جمــــالها الخالص ،

مسار النص الشعري

 أحيانا يتحول مسار النص الشعري إلى مجاميع من الرموز والإشارات وهذه الرموز والإشارات ستعطي للنص مرونته في تهيئة مساحة أفضل للتجريب للتعامل مع الخاصية الأحادية التي لايخضع لها منطق العقل الواعي وهو توجه في شكل من أشكاله نحو الإلتباس والغموض وهذا الغموض في الشعر إن تشكل كنتجة للخبرات المعرفية والثقافية أو تشكل نتيجة للتجربة الإنسانية الحية فلاشك أن هناك عامل تجاذب لا كما يرى بعض النقاد ومنهم خالدة الذين يميلونَ إلى المطلق للخبرات المعرفية والثقافية فالتجربة الإنسانية هنا لاتعني التجربة الفردية بل بأعتقادنا تعني المؤثرات الكيانية والكونية مجتمعة في مواجهة أبناء البشرية لحاجات وجودهم ورغباتهم وأحزانهم ويقينهم بالزوال وما يجري ضمن ذلك من وقائع وأحداث تشكل عاملا مهما بموجبه يتحرى الشاعر أسباب مخيراته النفسية وأسباب تشتته لينسجم هذا التأمل مع القدرات المعرفية والثقافية والتي تساعد على توغل الشاعر في أبعاد أخرى كانت غير مرئية له لتساعد ثم تطيح في طريقة مواجهة النص أو في تأسيس علاقته مع شخوصه وتناول أبعاده المكانية والزمنية خارج المحددات المألوفة ويبدو أن العمل هنا يقوم على تجارب متعددة  أتصلت بعضها بالبعض بعضها تلك التجارب المرئية التي ربما لم تكن ذات يوم ذات أهمية في المكونات الشعرية وبعضها في القدرة التخيلية والقدرة على تحريكها بأتجاه ما يجنبها الوقوع في الصياغات المباشرة والشحن الموسيقي ضمن ذلك النداء الفطري مابين النص وموسيقاه وهو السعي ضمن عملية تفكيك الحواس لإغناء النص للخروج من شكلية عصر ما وخلق عصر جديد يتقبل فيه تلك الهزات العنيفة تحت أي نمط من أنماط الصراعات والتناقضات وهو مايتم بموجبه تخطي العديد من المفاهيم القديمة عن النظرية الشعرية ووظيفة الشعر

من السماع والقبول الى التشكيك

 لقد كان الهم الشعري للمحدثين أن لم يكن جلهم أحياء ذلك الخليط من الإلتباس الذهني وتسخير الماضي الرمزي والأسطوري بشكل يبتعد عن إعادته بهيئته  وكشف قوته الجديدة لينسجم والتكنيك الجديد للبناء الشعري الذي يعتمد في جوهره على الأنتقالية ضمن النص الشعري من مغزى لأخر ومن متحول متحول  لثبات متحول  بعد أن يترك للحواس حريتها في أصطياد وتنظيم وأكتشاف الصور المختلفة والمتناقضة والتي تبوح بأكثر من دالة وتمثيل جمالي أن أتى النص تحت تأثير اليأس أو تحت تأثير تصوير الجانب الممتع للحياة،لقد جعلت الحداثة الشعرية الذات الإنسانية  جوهر العملية الشعرية ومحورت حولها ذلك البؤس وذلك الجمال الذي تزخر به الطبيعة عبر ذلك أنتقلت  من السماع إلى التشكيك من قبل الإحساس الخفي والذي بدأ يَكونُ أكثر أضطرابا وأعمق تأويلا بدلا من ذلك الأحساس العادي والذي بني في معظمه على توترات خارجية ليست ذات قيمة ضمن عاطفة شديدة التأثر ولكنها بطيئة الإستجابة سرعان مايتناوب ذلك الأحساس فيها بين الرضا وأستمرار البقاء في مناطق الخيال ولربما فُسر ذلك شكلا من أشكال المناورة للبقاء في المناطق المعلومة ذات التأثير في موروث المتلقي ولعل ذلك التفسير يؤ شر لدى البعض من رواد الشعر القديم قبل الحداثتين الغربية والعربية أفتقارا للعديد من ألأشياء الغير مرئية والتي لاغنى للشعر عنها وأنحباسا في البعد الذي لايدنو من المغامرة .

مشاركة