من‭ ‬‮«‬اللوج‭ ‬العائلي‮»‬ إلى‭ ‬رجم‭ ‬السيارات-د. فاروق الدباغ

أستعيد‭ ‬الذاكرة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬مشهد‭ ‬سينمائي‭ ‬ثابت‭ ‬لا‭ ‬يبهت‭. ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬كان‭ ‬يوماً‭ ‬عائلياً‭ ‬بامتياز‭. ‬الأب‭ ‬يقود‭ ‬العائلة‭ ‬كلها‭ ‬إلى‭ ‬السينما،‭ ‬لا‭ ‬استعجال‭ ‬ولا‭ ‬توتر،‭ ‬وكأن‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭ ‬تعرف‭ ‬أننا‭ ‬ذاهبون‭ ‬للاحتفال‭ ‬بالحياة‭. ‬عند‭ ‬شباك‭ ‬التذاكر‭ ‬كان‭ ‬الطلب‭ ‬واضحاً‭: ‬اللوج‭ ‬العائلي‭. ‬مساحة‭ ‬صغيرة‭ ‬محاطة‭ ‬بأربعة‭ ‬حواجز‭ ‬خشبية،‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬ارتفاعها‭ ‬تسعين‭ ‬سنتيمتراً،‭ ‬تضم‭ ‬أربعة‭ ‬أو‭ ‬خمسة‭ ‬كراسٍ،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لتمنح‭ ‬العائلة‭ ‬شعور‭ ‬الأمان‭ ‬والخصوصية‭ ‬والاحترام‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اللوج‭ ‬عزلة،‭ ‬بل‭ ‬اعترافاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬بحق‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬الترفيه‭ ‬دون‭ ‬خوف‭. ‬بعد‭ ‬السينما،‭ ‬قد‭ ‬نمر‭ ‬على‭ ‬كازينو‭ ‬نهري‭ ‬أو‭ ‬يخت‭ ‬سياحي‭ ‬صغير،‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬العائلات‭ ‬بالضوء‭ ‬والماء‭ ‬والضحك،‭ ‬أو‭ ‬نتجوّل‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬فنرى‭ ‬فتيات‭ ‬يتبضعن‭ ‬مع‭ ‬أمهاتهن‭ ‬أو‭ ‬أخواتهن،‭ ‬دون‭ ‬نظرات‭ ‬فاحصة،‭ ‬دون‭ ‬همسات،‭ ‬ودون‭ ‬يدٍ‭ ‬تمتد‭ ‬أو‭ ‬صوتٍ‭ ‬يجرح‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬طبيعياً‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تسميته‭ ‬فضيلة‭.‬

من‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬بالذات‭ ‬تبدو‭ ‬صدمة‭ ‬الحاضر‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة‭. ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬في‭ ‬كورنيش‭ ‬البصرة،‭ ‬وما‭ ‬تزامن‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬اعتداءات‭ ‬وتحرّش‭ ‬جماعي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬قرب‭ ‬منصّة‭ ‬الاحتفالات،‭ ‬ليس‭ ‬انفصالاً‭ ‬عن‭ ‬الماضي‭ ‬بل‭ ‬انكساراً‭ ‬عنه‭. ‬حين‭ ‬تُقذف‭ ‬سيارات‭ ‬عوائل‭ ‬بالحجارة،‭ ‬وتُطلق‭ ‬عبارات‭ ‬مهينة‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬عام،‭ ‬وحين‭ ‬تُحاصر‭ ‬عائلة‭ ‬لأنها‭ ‬خرجت‭ ‬لتحتفل،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نشهد‭ ‬فقط‭ ‬سلوكاً‭ ‬عدوانياً،‭ ‬بل‭ ‬انهياراً‭ ‬في‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬وبين‭ ‬الفرد‭ ‬والمكان‭ ‬العام‭.‬

في‭ ‬العمق،‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬بنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬ذكورية‭ ‬لم‭ ‬تُعالَج‭ ‬بل‭ ‬أعيد‭ ‬تدويرها‭ ‬بأشكال‭ ‬أكثر‭ ‬عنفاً‭. ‬المرأة‭ ‬اليوم‭ ‬تُستدعى‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬والإعلامي‭ ‬كرمز‭ ‬للحداثة،‭ ‬كصورة‭ ‬تزيينية‭ ‬لديمقراطية‭ ‬مشوّهة،‭ ‬لكن‭ ‬وجودها‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مرفوضاً‭ ‬في‭ ‬اللاوعي‭ ‬الجمعي‭. ‬هي‭ ‬مقبولة‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬صامتة،‭ ‬غير‭ ‬مرئية،‭ ‬أو‭ ‬محاطة‭ ‬بمبررات‭. ‬أما‭ ‬حين‭ ‬تظهر‭ ‬كذات‭ ‬مستقلة،‭ ‬تحتفل‭ ‬أو‭ ‬تتحرك‭ ‬أو‭ ‬تشارك‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬فإنها‭ ‬تتحول‭ ‬فجأة‭ ‬إلى‭ ‬متّهمة‭. ‬هكذا‭ ‬يصبح‭ ‬التحرش،‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬المعتدي،‭ ‬وسيلة‭ ‬لإعادة‭ ‬فرض‭ ‬السيطرة،‭ ‬لا‭ ‬فعلاً‭ ‬إجرامياً‭.‬

يتضاعف‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬الرمزي‭ ‬مع‭ ‬الغياب‭ ‬شبه‭ ‬الكامل‭ ‬للثقافة‭ ‬الجنسية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭. ‬من‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬فالجامعة،‭ ‬هناك‭ ‬صمت‭ ‬ثقيل‭ ‬حول‭ ‬الجسد‭ ‬والحدود‭ ‬الشخصية‭ ‬ومعنى‭ ‬الرغبة‭ ‬والاختلاط‭. ‬هذا‭ ‬الصمت‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬أخلاقاً‭ ‬كما‭ ‬يُتوهَّم،‭ ‬بل‭ ‬خلق‭ ‬فراغاً‭ ‬معرفياً‭ ‬تملؤه‭ ‬تفسيرات‭ ‬دينية‭ ‬خاطئة،‭ ‬وخطاب‭ ‬شرف‭ ‬مختزل‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬المرأة،‭ ‬ومحتوى‭ ‬رقمي‭ ‬مشوّه‭ ‬يُستهلك‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ،‭ ‬يتحول‭ ‬الاحتفال‭ ‬إلى‭ ‬تهديد،‭ ‬والمرأة‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬للفتنة،‭ ‬والشارع‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭.‬

ثم‭ ‬يأتي‭ ‬المشهد‭ ‬الأكثر‭ ‬فجاجة‭: ‬تجريم‭ ‬الضحية‭. ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يُطرح‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬حادثة‭ ‬ليس‭: ‬من‭ ‬اعتدى؟‭ ‬بل‭: ‬لماذا‭ ‬خرجت‭ ‬المرأة؟‭ ‬كيف‭ ‬سمحت‭ ‬لنفسها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك؟‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬متناقضة‭ ‬منطقية‭ ‬تفضح‭ ‬خللاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬عميقاً؛‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬محاسبة‭ ‬الجاني‭ ‬وتفعيل‭ ‬القانون،‭ ‬يُعاد‭ ‬ترتيب‭ ‬الواقع‭ ‬بحيث‭ ‬تُدان‭ ‬الضحية‭ ‬وتُبرَّأ‭ ‬الجماعة‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬يجد‭ ‬تفسيره‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬السلوكي،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬التعلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لدى‭ ‬ألبرت‭ ‬باندورا،‭ ‬حيث‭ ‬يتعلم‭ ‬الأفراد‭ ‬السلوك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الملاحظة‭. ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬الشاب‭ ‬أن‭ ‬المعتدي‭ ‬لا‭ ‬يُعاقَب،‭ ‬وأن‭ ‬المجتمع‭ ‬يبرّر،‭ ‬وأن‭ ‬العُرف‭ ‬يتقدم‭ ‬على‭ ‬القانون،‭ ‬فإنه‭ ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬التحرش‭ ‬سلوك‭ ‬مسموح،‭ ‬بل‭ ‬مفهوم،‭ ‬وأن‭ ‬اللوم‭ ‬سيوجَّه‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬الطرف‭ ‬الأضعف‭.‬

الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬الخطاب،‭ ‬بل‭ ‬يتكرّس‭ ‬عملياً‭ ‬حين‭ ‬يُفرَّغ‭ ‬القانون‭ ‬من‭ ‬محتواه‭ ‬لصالح‭ ‬الأعراف‭ ‬العشائرية‭. ‬تُحلّ‭ ‬القضايا‭ ‬باسم‭ ‬“الستر”،‭ ‬وتُختزل‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬تفاوض‭ ‬اجتماعي،‭ ‬فتُجرَّم‭ ‬المرأة‭ ‬باسم‭ ‬السمعة،‭ ‬ويُبرَّأ‭ ‬الرجل‭ ‬بتأويلات‭ ‬دينية‭ ‬مبتورة‭. ‬هكذا‭ ‬يُشرعن‭ ‬العنف،‭ ‬ويُقصى‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة،‭ ‬وتُستبدل‭ ‬الدولة‭ ‬بجماعة،‭ ‬والقانون‭ ‬بعُرف،‭ ‬والعدالة‭ ‬بتوازنات‭ ‬قوة‭.‬

المفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬التحرش‭ ‬جريمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬والثمانينات،‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬يتعامل‭ ‬معه‭ ‬كحدث‭ ‬يُصوَّر‭ ‬ويُتداول‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مرفوضاً‭ ‬بالصمت‭ ‬الجمعي،‭ ‬صار‭ ‬يُستباح‭ ‬بالتصوير‭ ‬والتبرير‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحروب،‭ ‬والقمع،‭ ‬وتفكيك‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وتراجع‭ ‬التعليم،‭ ‬وصعود‭ ‬خطاب‭ ‬ديني‭ ‬واجتماعي‭ ‬يختزل‭ ‬الأخلاق‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬المسؤولية‭.‬

الخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الانحدار‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالحنين‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بالفعل‭. ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بدء‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬الطفولة،‭ ‬إلى‭ ‬أسرة‭ ‬تكسر‭ ‬الصمت،‭ ‬ومدرسة‭ ‬تعلّم‭ ‬معنى‭ ‬الجسد‭ ‬والحدود،‭ ‬وجامعة‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬الثقافة‭ ‬الجنسية‭ ‬بوصفها‭ ‬معرفة‭ ‬لا‭ ‬عيباً‭. ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬لا‭ ‬يبرّر،‭ ‬وإلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬تنزل‭ ‬إلى‭ ‬الميدان،‭ ‬وإلى‭ ‬حزم‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬قوانين‭ ‬التحرش‭ ‬دون‭ ‬مساومة‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يردع‭ ‬شباب‭ ‬اليوم‭ ‬إلا‭ ‬القانون‭ ‬الصارم،‭ ‬لكن‭ ‬جيل‭ ‬2036‭ ‬ثم‭ ‬2046‭ ‬لن‭ ‬يتغير‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬بدأنا‭ ‬الآن‭.‬

التحرش‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يوماً‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التشوّه‭. ‬واستعادة‭ ‬تلك‭ ‬الذاكرة‭ ‬القديمة،‭ ‬ذاكرة‭ ‬اللوج‭ ‬العائلي‭ ‬والسينما‭ ‬والكازينو‭ ‬النهري‭ ‬والأسواق‭ ‬الآمنة،‭ ‬ليست‭ ‬بكاءً‭ ‬على‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬تذكيرٌ‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬المستقبل،‭ ‬إذا‭ ‬قررنا‭ ‬أخيراً‭ ‬أن‭ ‬نحمي‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬العنف،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬نحمّل‭ ‬الضحية‭ ‬وزر‭ ‬وجودها‭ ‬فيه‭.‬