من الخلاف إلى التفاهم والعمل المشترك- د. نزهت حالي

 

د. نزهت حالی

اربيل

في هذا الوضع المعقد الذي تمر به المنطقة والعالم، الخيار الافضل لكل من الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الاسلامية الايرانية والمنطقة هو التوصل إلى اتفاق سياسي بين هذين البلدين. إن اشعال الحرب لا يخدم المصالح الاقتصادية العالمية بشكل عام ولا مصالح الشرق الاوسط بشكل خاص، فالحرب فقط تؤدي إلى تدمير حياة الفقراء وزعزعة الاستقرار وتقويض البنى التحتية الاقتصادية للدول، وانتشار الارهاب والتطرف.

ثمة قضيتان رئيستان في هذه المنطقة، قضية الشعب الكردي وقضية الشعب الفلسطيني. إن القضية الكردية اقدم من القضية الفلسطينية، ما لم يتم التوصل إلى حل عادل لهاتين المسألتين، فلن تنعم المنطقة بالهدوء والاستقرار على المدى الطويل.

سياسة انكار الشعوب وطمسها ليست حلا، ولم تؤت نتائج لا في الماضي ولا في المستقبل. من مصلحة دول المنطقة معالجة قضية الشعب الكردي والشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوق بعضهم بعضا، فمحاولات اقصاء الاخرين والشعوب لا تجلب سوى الضرر ولا فائدة منها.

الشرق الاوسط، بوصفه مهدا قديما للحضارة الانسانية ومصدرا للديانات السماوية الثلاث، يمتلك ثروات طبيعية وموارد بشرية كثيرة. ومن خلال السلام والتنمية الاقتصادية والحكم الرشيد، يمكن لشعوب المنطقة ان تعيش معا في سعادة ورفاهية لا مثيل لها.

لطالما كان اعتقادي ان الشعوب الاساسية مثل الكرد والعرب والترك والفرس واليهود، لا تملك طريقا افضل من قبول بعضهم بعضا والعيش والعمل معا بسلام.

أولئك الذين يخلقون النزاعات بين الشعوب ويزيدونها شدة هم السياسيون والكتاب ورجال الدين المتشددون. ضعف أو انطواء الشخصيات الوسطية يفتح الطريق للمتطرفين ليستغلوا حياة ومصالح شعوبهم وشعوب اخرى لتحقيق اهدافهم.

إن الصراع الحاد بين قوتين في المنطقة، ايران واسرائيل، جعل وضع المنطقة اكثر تعقيدا. لقد حان الوقت لكي تقوم الجمهورية الاسلامية الايرانية واسرائيل بمراجعة سياسة العداء الشديد والحرب العلنية والسرية المتبادلة بينهما. فكل تلك الاضرار التي نتجت عن هذا العداء، سواء على نفسيهما او على بعضهما بعضا او على المنطقة، اي فائدة حققتها.

المعتقد الديني ومصلحة الشعوب يطلبان من دول المنطقة معالجة قضية الشعب الكردي والشعب الفلسطيني، وحل الخلافات بينهما من خلال قبول بعضهم بعضا والسعي للسلام، وبالتأكيد لا ينبغي ان تُحل مشاكلهم على حساب هذين الشعبين المظلومين.

وبشأن العراق واقليم كردستان، وفي ظل وضعهم الحساس، افضل خيار هو اختيار الرئيسين (رئيس الإقليم ورئيس الجمهورية) بسرعة وتشكيل كلا الحكومتين، الفيدرالية والاقليمية. كما يجب وضع اشخاص أكفاء وصالحين ونزيهين للمناصب العامة، والذين يمتلكون القدرة على الصمود لهوس السلطة والمال، والذين لديهم القدرة على التفاهم والعمل المشترك بين بعضهم بعضا، فهذا يمكن ان يسهم في تحقيق حكم رشيد وحل المشكلات القائمة بين بغداد والاقليم وحتى مع الدول الاخرى.

تأخر انتخاب رئيس الاقليم وتشكيل الحكومة الجديدة في اقليم كردستان سبب اضرار كثيرة للمواطنين والحزبين الرئيسيين الديمقراطي والاتحاد، الحكومة الحالية تجاوزت فترة عملها مرتين وأصبحت حكومة تصريف اعمال.. وقد قررت المحكمة الفيدرالية في ٣٠/٥/٢٠٢٣ الغاء قرار تمديد فترة برلمان كردستان، الذي كان قد اتخذ بشكل غير قانوني من قبل برلمان كردستان في ٢٠٢٢، كما ان تأخر تشكيل الحكومة الجديدة اكثر من سنة وثلاثة اشهر بعد انتخابات برلمان كردستان الاخيرة، يعني مرة اخرى ان الحكومة الجديدة لم تتشكل ولم يتم احترام ارادة الناخبين.

من الناحية السياسية والقانونية، في النظام الديمقراطي، فإنّ أي نظام حكم شعبي، يكون  فيه الحكام ممثلين ووكلاء للشعب. يحصل الحكام على السلطة عبر الانتخابات بدلاً من المواطنين مباشرة، بتأدية واجباتهم العامة لمدة زمنية محددة، أي ضمن سقف زمني محدد. ولكن للأسف، ما لا يُقبَل لدينا هو عدم الالتزام بالمدة المحددة، وبهذه الطريقة العملية السياسية بلا سقف زمني، وهذا بدوره يخالف سيادة القانون والحكم الرشيد.

بوصفنا مواطنين ومناضلين من اجل الحرية اعطينا تضحيات كثيرة للحرية وحماية اقليم كردستان، قلوبنا مع هموم شعبنا وبلدنا. نرى أنه بالنسبة للحزب الديمقراطي الكردستاني، بناءً على أن نيجيرفان بارزاني مرشح لرئاسة الاقليم وهو ابن ادريس بارزاني وفي مكان والده، وكما أن مسرور بارزاني، ابن الرئيس بارزاني، ومرشح لرئاسة الحكومة، كان ينبغي التوصل بسرعة إلى تفاهم والاجتماع على أعلى المستويات مع الاتحاد الوطني لحل مسألة الحكم.. لا ينبغي أن تكون حقيبة وزارية لهذا الحزب أو ذاك الحزب، أو رئاسة الجمهورية لأي حزب، سببًا لتعطيل البرلمان وتشكيل الحكومة. إذا لم نتفق نحن الأكراد على المناصب، فكيف يمكننا اخذ حقوق شعبنا. لذلك أنا واثق أنه لو كان الرئيس بارزاني كلف السيد نيجيرفان والسيد مسرور بعد انتخابات برلمان كردستان الأخيرة مباشرة، وكلاهما كانا مسؤولين مباشرة عن المفاوضات لتشكيل الحكومة، لتمّ حل هذه المسألة منذ زمن بعيد، وكنا اصحاب حكومة شرعية تحقق مصالح الديمقراطي والاتحاد والشعب الكردي بالكامل..

ما يستحق الإشادة هو السياسة الصحيحة لإقليم كردستان في مواجهة الاضطرابات في المنطقة واتباع سياسة التوازن، وما يستحق الثناء لاسيما أن الإقليم لا يصبح مصدراً لتهديد دول الجوار.

كما أن الدور الايجابي والتأثير السياسي لقيادة الإقليم، وبالأخص الرئيس مسعود بارزاني والرئيس نيجيرفان بارزاني، مع الجهات المعنية، كان يهدف إلى منع المزيد من قتل الأكراد في روج آفا وإيجاد حل سياسي بين القسد والحكومة السورية. وكانت جهودهم المؤثرة لمنع تحول الخلافات السياسية إلى صراع بين الشعوب والأمم تعكس مكانة الاحترام والتقدير.

في هذه المرحلة، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يحتاجان الى  العودة إلى نفس العلاقات في الفترة التي كان فيها المرحوم جلال الطالباني على قيد الحياة، ففي ذلك الوقت، وبعد تجربة طويلة من العداء والصراع بين الحزبين، تجاوز السيد مسعود والسيد جلال مرحلة العداء بين الحزبين ووصلا إلى مرحلة التفاهم والعمل المشترك (من التضاد والعداء إلى التفاهم والعمل المشترك). وكانت تلك أفضل فترة للعمل السياسي والحكم المشترك والتفاهم مع بغداد.

هذه حقيقة تاريخية، إذ أن شعب العراق من الأكراد والعرب والمكوّنات الأخرى، كان من أكثر الشعوب في المنطقة تعرضاً، في القرن العشرين وحتى في هذا القرن، لضحايا السياسة القاسية للأنظمة، والأفكار المتشددة والإرهاب. الجرائم الكبرى التي ارتكبتها أنظمة العراق ضد الأكراد، من إبادة جماعية واستخدام الأسلحة الكيميائية والتهجير…، وكذلك الظلم الذي مورس ضد المكون الشيعي في العراق في عهد صدام، وحتى بعض العرب السنة الذين كان لديهم بعض الاختلاف في الأفكار مع الديكتاتور لم يكونوا في مأمن من ذلك.

الحرب التي استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران، واحتلال للكويت، ونتائجها التي انتهت بتدخل القوى الخارجية، وجرائم التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش… كل هذه القضايا، مع الحكم غير الكفوء الأخير بعد سقوط النظام الدكتاتوري اتعبوا الشعب العراقي. شعب العراق مستحق للسلام والحرية وحياة أكثر استحقاقًا. وهذا يتحقق من خلال الوحدة الداخلية والحكم الرشيد، والالتزام بالدستور والنظام الفيدرالي، والابتعاد عن التطرف القومي والديني والمذهبي، مع اتباع سياسة عقلانية ومتوازنة على المستويين الإقليمي والدولي.

من هذا المنظور أيضًا، يكون اتفاق الولايات المتحدة وإيران من مصلحة العراق وإقليم كردستان. وبسبب  من أن العراق والإقليم لهما علاقات دبلوماسية وودية مع كلا البلدين، في حال الحرب بينهما، العراق وشعبه يتعرضون للأضرار.