
الرُقيمات السومرية
من التاريخي إلى الشعري
طلال سالم الحديثي
مقالة قديمة للكاتب المصري محمد عوض محمد عن ( الجغرافية الشعرية ) لفتت إنتباهي إلى مسألة نظم العلوم والمعارف في الشعر ، ومقالته تلك نشرتها مجلة الهلال في عددها الخامس الصادر في أول مايو عام 1963 ، ويقول في مطلعها :
أظن القارئ الكريم على علم بأن آباءنا وأجدادنا رضوان الله عليهم ، كثيراً ما كانوا ينظمون العلوم والمعارف في سلك من القريض، طويل عريض ، له وزن وقافية ، كما أن له منظراً خلاباً ، وهو مكتوب في سطور مرصوصة ، كما أن له نغمة ورنة ، حين ينشده المنشدون ، ويترنم به المُترنمون .
اقحام تاريخي
فهل يمكن لهذه الإشارة أن توضح لنا السبب الذي يدعو الشاعر المعاصر إلى إقحام التاريخي بالشعري ؟ وهل كانت إنتباهة الأقدمين إلى هذا المنحى من النظم هي جذر محاولة شعراء اليوم ؟
وتبقى الإجابة رهن التساؤل لا الحسم.
في مجموعة الشاعرة العراقية ميثاق كريم الركابي الجديدة ( الرقيمات السومرية ) نقرأ التاريخي بلغة الشعري ، ليس على نهج الأقدمين الذي سبق توضيحه ، ولكن بطريقة معاصرة تستشف الدلالة والروح من التاريخ وتعبر عنها شعرياً ، وهي تسلك منحىً يختلف عن نظم التاريخ شعراً كما إستوحته مسرحيات المرحوم الشاعر خالد الشواف الشعرية مثل مسرحية ( شمسو ) و( الأسوار ) وغيرهما .
عنوان مجموعة ميثاق الركابي الشعرية ، وهي الثانية بعد مجموعتها ( راهب الخمر ) هو ( الرقيمات السومرية ) ، والعنوان كما يقول الناقد الجزائري د. خالدي سمير يشكل أحد الخطابات المشفرة التي نرى فيه تشابهاً وتماثلاً بينه وبين الصور الفوتوغرافية.
ويعد العنوان أحد أهم عناصر النص الأساسية ، لكونه يُسهم في قراءة الإبداع الأدبي , مُشكلاً عتبة النص ، وأولى علاماته الإشارية ، التي تميز النص ، وتعرفه عن سواه من النصوص الأخرى ، ويعد من العناصر المجاورة والمُحيطة بالنص الرئيس ، ويحظى العنوان باهتمام كبير في مجال السيموطيقا ، والدراسات السردية للكشف عن مضمونه الجمالي في النص الأدبي ( مجلة الموقف الأدبي السورية العدد 550 / 2017 ) .
والرقيمات مفردها رقيم ، وأنقل عن مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي قولُهُ : الرقمُ : الكتابة ، قال تعالى ( كتابٌ مرقوم ) ، وقولهم : هو يرقم الماء أي بلغ من حذقه بالأمور أن يرقُم حيث لايثبت الرقم، ورقم الثوب كتابه وهو في الأصل مصدر، وقد رقم الثوب والكتاب من باب ( نصر ) و( رقمه ) أيضاً ( ترقيماً )، والرقمةُ : جانب الوادي، وقيل : الروضة . والأرقم : الحيّة التي فيها سواد وبياض، و( الرقيم ) الكتاب، وقوله تعالى : ( إن أصحاب الكهف والرقيم ) قيل هو لوح فيه أسماؤهم وقصصهم . وقد إستعارت الشاعرة كلمة ( الرقيم ) وصغرتها وأنثتها لسبب نجهله ، وجمع الرقيم : الرُقُم.
ولا شك في أن الاستخدام المجازي للكلمة يشير إلى حضارة وادي الرافدين التي أسسها السومريون في النصف الثاني للألف الخامسة قبل الميلاد ( وحتى أقدم من هذا التاريخ) عند بعض الباحثين ، تلك الحضارة أسسها السومريون الذين هبطوا من الشمال ، وربما من منطقة بحر قزوين، واستوطنوا الجزء الجنوبي للسهول الخصبة بين دجلة والفرات ، وبعد عدة قرون من قدومهم كان هؤلاء قد أقاموا حضارة ممتازة . ومن هذه الحضارة تشربت كل الحضارات الكبرى التي تطورت في الشرق الأوسط .
عدد رقيمات المجموعة الشعرية (60 ) رقيماً، وكل رقيم بمثابة قصيدة أصدرتها دار الجواهري في أفول عام 2016 وأهدت الشاعرة قصائد مجموعتها إلى صديقتها ( ساندرا شمعون ) والى المرحومة ( زها حديد ) المعمارية العراقية العالمية .
بدءاً أقول : إن حضور التاريخي في الأدبي _ الشعري _ خاصة هو حضور نوعي خاص يتحدد بالطبيعة الأدبية ذاتها، بحيث إنه يترشح من عمق خصوصيتها الجمالية التي يكتسب بها الشعري هويته الذاتية فيتميز عن غيره ويستقل .
قصائد المجموعة
ولذلك نلاحظ أن ( الحمولة ) التاريخية في قصائد المجموعة تتجاوب مع الإشارات والدلالات المضمرة طي التعبير الشعري في المجموعة .
ولاشك أن التراسل بيت الحواس شأن يكاد يمحو الفوارق بين الفنون البصرية والسمعية واللمسية والشمية …ألخ ، وذكر د. زكريا إبراهيم أن الفن هو الشيء المشترك بين المنظوم والمنغوم، أو هو مايسمح لنا أن نقارن التصوير بالشعر والمعمار بالرقص والموسيقى بالنحت، فإذا كان في الموسيقى شعر وتصوير ومعمار، فإن في المعمار الأصيل موسيقى وتصوير وشعر، كما أن الشعر الأصيل هو موسيقى وتصوير وغناء ، فثمة تداخل بين الفنون ، سواء كانت بصرية أم سمعية أم شمية .. لأن العين تلمس ، والأنف يتذوق ، والفم يشم ..الخ ( مشكلة الفن ، زكريا إبراهيم ، ص 26 ، عن كتاب : النقد واللغة وتاريخ الأدب ، تأليف د. عادل الفريجات ص 9 ) .
التماهي مع الرموز التاريخية من سومر والدينية من التراث الإسلامي هو ما حملته الرقيمات ممزوجاً بمعاناة الشاعرة وأحاسيسها ورؤاها .
فالإيقونة المقدسة إلى جانب ألواح موسى ، وأوجاع المسيح، والصليب مع المأذنة ، والتفاحة إلى جنب الخطيئة ، والأسفار مع القربان، والأنوناكي مع الملكات وتموز، والترنيمة إلى جنب الصلاة والمعابد ، والحانة مع الأجراس ، عذاب المسيح على الصليب ، وعذاب موسى في التابوت ، وعذاب إبراهيم في النار .
الرقيم السومري وقرابين الدم ، الخط الكوفي والمآذن ، المحضيات والمعابد ، أساطير اليونان والطلاسم ، ألف ليلة وليلة وحكايا التاريخ ، الغزاة وكسرى ، خاتم سليمان وكلكامش ، التاريخ والملحمة ، عشتار وتموز وبابل ، برج المملكة والزقورة ، الألواح السومرية والطوفان ، التعميد بالطوفان ، المنجنيق والأسوار ومسلات الغرام ، السبايا والشموع .
إن شعرية ( الرقيمات السومرية ) تقوم على الإستيحاء التاريخي وإضفائه على الهم الفردي، فالشاعرة ميثاق الركابي تصوغ أشجانها ومكابداتها بلغة تفتح أفق المعنى وتوسعه إتساع الماضي البعيد بالحاضر المُعاش ، وهذا ما نأمل أن تكتشفه دراسة أخرى يحين حينها .


















