معد الجبوري : أول أوبرا عراقية …. من أوراقي المطوية

أنانا أول أوبرا عراقية ..ظلت قيد الكلمة والموسيقى


معد الجبوري
من بين تلك النصوص لم تزل تقدح في الذاكرة محاولتنا الأولى في هذا الاتجاه، يوم استضافنا ذات مساء من عام 1975 صديقنا الفنان الموسيقي الملحن وعازف الكمان موفق الجبوري في منزله وتداول معنا حول إمكانية كتابة أوبريت خارج إطار الأعمال الشائعة آنذاك والتي تعتمد الموروث الشعبي الموصلي، فدارت في مخيلتي ومخيلة عبد الوهاب صور كثيرة، فاستقر رأينا على أسطورة أنانا في أدب وادي الرافدين، وفي الليلة الثانية في المنزل نفسه، فرشنا الأوراق وبدأنا، وفي أواخر الليل كنا قد أنهينا مسرحيتنا الغنائية وبتنا في المنزل.
ونص خطبة أنانا كأسطورة يعتبر أول مناظرة شعرية في أدب العراق القديم بين دموزي الراعي و أنكمدو الفلاح، فكل منهما يريد أنانا زوجة له ويعرض أمامها مؤهلاته، أما أنانا فكانت تفضل أنكمدو لأنه كما ترى هو المستقِر والأغنى والأقدر على إعالتها. وبعد صراع بينهما وحوار يستطيع دموزي ببلاغته إقناع أنانا التي يحبها بتفضيله على الفلاح، ثم تدخل شِياهُ دموزي حقلَ أنكمدو وينتهي الصراع بأن يضحي الفلاح أنكمدو برغبته وتكون أنانا من حصة الراعي دموزي.
لقد اعتمدنا في نصنا الخطوط العامة للأسطورة بإضافة شخوص وحوادث وأبعاد أخرى للصراع، لقراءة الحاضر بعيون الماضي.
يوم قدم النشاط المدرسي عرض أوبريت أنانا، في مهرجان الربيع بالموصل عام 1976 من ألحان موفق الجبوري وإخراج علي احسان الجراح، كنتُ في الصومال، وفي العام نفسه نَشرتْ مجلة الطليعة الأدبية النص كمسرحية غنائية.
وفي عام 1977 كانت فنانة موسيقية عراقية مغتربة تُدعى سلوى شاميليان قد عادت إلى العراق بعد غياب طويل، وهي تحلم بإنتاج أوبرا عراقية، وحين عثرت على النص في الطليعة الأدبية، صاحت وجدتها واتصلت بي من بغداد مبدية رغبتها بتقديم أنانا كأول أوبرا عراقية، فوافقنا أنا وعبد الوهاب بفرح، وبعد أيام حاورتني هاتفيا حول إمكانية استجابتي إلى طلب أي لمسات على النص، من شأنها تعزيز التناغم بين الكلمة والموسيقى والألحان، فأبلغتها بترحيبنا نحن الاثنين بما تطلب.
ثم قدمت مجلة الإذاعة والتلفزيون تحقيقاً ولقاءاً مع الفنانة سلوى شاميليان العدد 242 في 17ــ11ــ1977 واتخذت من صورتها وتصريحها مادة للغلاف الأول من ذلك العدد. وأبرزت على الغلاف العبارة التالية أول أوبرا عراقية في طريقها إليكم . وقد جاء في التحقيق أن شاميليان أمسكت بالطرف الأول من الخيط ووجدت أن الفرصة قادمة وإذا ما ضاعت فإن التصاريح تبقى مجرد أمنيات… وجلست سلوى إلى آلة البيانو تلحن وتعزف وتدون، زادها ما اكتسبت من خبرة في التأليف الموسيقي وما تعلمته من فن الأوبرا الصعب، حتى انتهت منها أول أوبرا عراقية تأليفا وتلحينا وأداء.
لقد أنجزت سلوى شاميليان أوبرا أنانا، لكن طريقها إلينا كان محفوفا بالعراقيل والمطبات فلم تشهد النور. وضاعت الفرصة وهي بعدُ في مهدِها، وطوت الخيبةُ أوراقَ شاميليان وألقتْ بها على رفِّ النسيان.
بعدها لَمْ نرَ الفنانة أو نسمع عنها أي خبر حتى هذا اليوم، فقد غادرت العراق منذ أن خابت أحلامُها في تلك السنين الخوالي.
لؤلؤة الصحراء نص لم ينشر
افتتح به مهرجان الحضر الدولي الأول في مطلع عام 1994 وعلى غرار مهرجان بابل الدولي، قررت وزارة الثقافة والإعلام إقامة مهرجان كبير هو مهرجان الحضر الدولي الأول من 14 21 من نيسان ، على أن يصبح ذلك تقليدا سنويا. وقد جرى الاستعداد لإقامة المهرجان منذ الشهر الأول من ذلك العام بتشكيل لجنة عليا برئاسة وزير الثقافة والإعلام تتحرك بين بغداد والموصل ومنطقة الحضر، كنت وصديقي القاص الدكتور نجمان ياسين عضوين فيها، وحضرنا الاجتماعات لوضع الخطوط العامة والتفصيلية لإنجاح المهرجان مع الوزير ووكيل الوزارة ومحافظ نينوى وأعضاء آخرين.
من ذلك، التخطيط لما سيقدَّم، وتهيئة موقع العروض والفعاليات في واجهة آثار الحضر مدينة الشمس، وإعداد القاعات داخل الموصل لإقامة المعارض التشكيلية ومعارض الخط العربي والتصوير الفوتغرافي، وإعداد قاعة دار الثقافة والفنون في نينوى للجلسات الثقافية المرافقة للمهرجان.
وفي الوقت الذي وُجِّهَتْ فيه الدعوات إلى عشرات الفرق الأجنبية للمشاركة في إحياء ليالي المهرجان ، فقد كان قد تقرر أن يكون الافتتاح بعمل عراقي كبير تأليفاً وتلحيناً وإخراجاً وتدريبَ أغانٍ ورقصات ومستلزمات أخرى، على أن يستلهم أجواءه من تاريخ الحضر، وأن يُخَصَّص اليوم الثاني لعمل موصلي فخم يستلهم أجواءه من تراث وفولكلور مدينة الموصل ويُنجَز كاملا بجهد فني موصلي خالص.. فأسندت الوزارة إليَّ شخصيا اختيار فكرة العمل الأول وإنجاز تأليفه، على أن يضع موسيقاه وألحانَه الفنان طالب القره غولي، ويخرجه الفنان محسن العزاوي، وأسندت تأليف العمل الثاني للشاعر عبد الوهاب اسماعيل، على أن يضع موسيقاه وألحانَه الفنان خالد محمد علي ويخرجه الفنان شفاء العمري.
ورغم انشغالي، ضمن إدارتي لتلفزيون نينوى آنذاك، في الإعداد لنقل وقائع المهرجان تلفزيونيا نقلا يوميا حيا مباشرا والإشراف على إجراء التحقيقات واللقاءات التلفزيونية، ولأننا كنا نعيش آنذاك أيام أعتى حصار شهده عراقنا الحبيب، فقد عكفتُ على كتابة نص عمل مسرحي غنائي استعراضي، عدتُ فيه إلى فترة حصار الرومان للحضر ووقوف شعبها وملكها سَنَطْرُق الذي كان يُدعى ملك العرب، بوجه الحصار ودحره ، وأطلقتُ على النص اسم لؤلؤة الصحراء ذلك الاسم الذي أخذ الإعلاميون والصحفيون يطلقونه على الحضر أينما ورد ذكرها.
وقبل افتتاح المهرجان بأيام، تم تهيئة واجهتين من مداخل قصور الحضر الأثرية، لعرض لؤلؤة الصحراء استُخدِمتْ الأولى لشعب الحضر وأعضاء مجلس المدينة وكهنتها وأعيانها وشيوخها والأمراء ونساء القصر والقادة والجند مع فرق العازفين والطبالين والمزمرين والمغنيات والراقصات والخدم وأفراد الجوقة.. بعد أن زينت خلفية الواجهة بديكور صقر كبير نفذه الفنان عماد أبلحد والصقر تاريخيا هو شعار مدينة الحضر ..
أما الواجهة الثانية البعيدة بضعة أمتار عن الأولى والمحاذية لها، فقد استخدمت للانتقال إلى فضاء دون معالم يوحي ببعده عن جو الحضر، خُصص لحشود الرومان ومليكهم تراجان ومن معه من حاشية وقادة وعبيد وجوار وطبالين وعرّاَف وحاجب. وبين الواجهتين ساحة استُخدِمتْ للمعركة بين الطرفين.
وفي مساء يوم 14 نيسان 1994 قبل دقائق من انحسار شمس المغيب، وصقور الحضر ما زالت تحلق فوق أعمدة الرخام والأقواس الشاهقة، تم افتتاح مهرجان الحضر الدولي الأول بعرض مسرحيتي الغنائية الاستعراضية لؤلؤة الصحراء التي وضع ألحانها الفنان طالب القره غولي، وأخرجها الفنان محسن العزاوي. وأشرف فنيا على لوحات الرقص الفنان جوزيف خوري، ومثل الأدوار الرئيسة فيها عزيز خيون، هناء محمد، علي احسان الجراح، عصام عبد الرحمن، سنان محسن، شعاع، حسن فاشل، محمد الزهيري، خليل المصور.. وسواهم، بمشاركة الفرقة القومية للفنون الشعبية وفرق البصرة والموصل. فيما أسندت الإدارة المسرحية إلى كل من محمد نوري طبو، نضال صبري، موفق الطائي، يوسف سواس.
حضر العرض وزير الثقافة والإعلام وعدد من الوزراء ومحافظ نينوى وجمهور كبير من الموصل وضواحيها بشكل خاص، ومن محافظات عراقية أخرى، مع ضيوف من عشرين دولة، وسفراء الدول العربية والأجنبية، وأعداد من المغتربين العراقيين من أمريكا وأوربا، وشيوخ العشائر وأبنائها في المنطقة ممن كانوا قد نصبوا خيامهم لاستقبال واستضافة الزوار على الطريق بين الموصل والحضر.
وقد حظي العرض بإعجاب منقطع النظير، وبتصفيق متصل بعد انتهائه أعقبه إطلاق مذنبات الزينة والمفرقعات النارية الضوئية الملونة ورُفعتْ مجموعة من علم العراق لترفرف في أعالي معبد الشمس. وكانت مقاعد الجمهور في الافتتاح كما جاء في الصحف، قد بلغت أكثر من أربعة آلاف مقعدا امتلأت بالجمهور إضافة إلى الواقفين الذين تجاوز عددهم عدد الجالسين، عدا الذين لم يسعفهم الحظ بالدخول إلى موقع الاحتفالية.
أما العرض الثاني الليلة الموصلية التي كتب نصها الشاعر عبد الوهاب اسماعيل باللهجة الموصلية، ووضع ألحانها الموسيقار خالد محمد علي وأخرجها الفنان شفاء العمري، فقد اعتمدت الواجهة الأولى ليلة عرضها. ومثل الأدوار الرئيسة فيها علي احسان الجراح، عصام عبد الرحمن، حسن فاشل، نجم الدين عبد الله سليم، حياة حيدر، فريال، محمد العمر، د. محمد اسماعيل، رائد معد .. والعديد من الفرق الفنية والشعبية، ولم يكن الإقبال عليها بأقل من الإقبال على عرض الافتتاح، فقد كانت ليلة مبهرة جميلة، وهي عمل موصلي بكل مفرداته.
وفي واجهات أخرى من أرض الحضر التاريخية وساحاتها قُدمت أعمال أخرى لفرق وفنانين من الموصل حظيت بإعجاب الجمهور واستمتاعه بها.
بعد انتهاء أيام المهرجان الذي شاركت فيه فرق استعراضية وغنائية من شتى بلدان العالم مدة أسبوع كامل، كُتِبتْ عن عرض الافتتاح والليلة الموصلية عدة مقالات وتحقيقات، ثم أجرت وزارة الثقافة والإعلام استفتاء عن أهم وأجمل عمل شهده مهرجان الحضر، فكانت النتيجة أن حصلت احتفالية لؤلؤة الصحراء على أعلى نسبة من الأصوات، تليها الفرقة الشيشانية، ثم الفرقة القوقازية.
ورغم كل ما حققه مهرجان الحضر الدولي الأول من نجاح في عروضه، وجلسات بحوثه ومعارضه، والتوصية بأن يكون تقليدا سنويا، فإن الحضر لم تشهد مهرجانا ثانيا حتى يومنا هذا.
رسالة مفقودة تظهر بعد ربع قرن
مؤخرا، بين كتبي وأوراقي عثر ابني أحمد أستاذ اللغة العربية والمصمم ، على رسالة كان العثور عليها مثار دهشتي وفرحي لأنها من الرسائل التي فقدتها منذ ربع قرن من الزمان حتى يئستُ من العثور عليها وعلى مثيلاتها.
والرسالة هذه مرسلة إليَّ من المستشرق الإسباني الكبير بدرو مارتينث مونتابث في 13 كانون الثاني 1986 والمستشرق المذكور كان يشرفُ في مدريد منذ مطلع سبعينات القرن الماضي على إصدار مجلة ثقافية باللغة الإسبانية، هي مجلة المنارة التي تعنى بترجمة ونشر الأدب العربي الحديث، وتزين صفحاتها برسوم الفنان التشكيلي العراقي الكبير فائق حسن.
في عام 1972 وكنت في أواسط العشرينات من العمر، نشرت في العدد السادس من مجلة الأقلام مسرحيتي الشعرية آدابا فتلقَّفَتْها فرقٌ كثيرة وقدمتها في عروض شتى هنا وهناك ، وفي العام نفسه ترجمها إلى الاسبانية الدكتور محمود صبح مترجم مذكرات بابلو نيرودا، ونُشِر النص المترجَم في مجلة المنارة ثم أعيد نشره عام 1974 لكنني لم أحظَ بنسخة من المجلة، ولم يتسَنَّ لي أن ألتقي بالدكتور مارتينث، مع أنه سأل عني في مهرجان المربد في البصرة عام 1973 وعن أسباب عدم دعوتي لتلك الدورة من المهرجان، فقيل له إنه شاعر شاب، ولم يُدعَ للمهرجان شاعر بعمره. فقال لكنه كاتب مهم في المسرح الشعري، ويستحق أن يُدعَى.
وفي مهرجان المربد الشعري الذي أقيم في بغداد أواخر عام 1985 وكنت من ضيوفه المشاركين، التقيت بالبروفيسور مارتينث أحد ضيوف المهرجان، ودار بيننا حديث شيق طويل أبلغني فيه أن أحد طلبة الدكتوراه في مدريد بحاجة إلى نص مسرحيتي الشعرية الثانية شموكين فقد خصص لها فصلا من رسالته للدكتوراه، ووعدني بإرسال نسخة من المنارة التي نشر فيها نص آدابا فوعدتُه بعد أن زودني بعنوانه بإرسال نسخة من شموكين إليه، إذ لم تكن حينها تحت يدي. ووفيتُ بوعدي وأرسلت النسخة مع رسالة إليه. فأرسل إليَّ نسخة من المنارة العدد 6،5 الصادرة في مدريد بالاسبانية عام 1974 ومعها هذه الرسالة التي عثر ابني أحمد عليها مع نسخة مجلة المنارة، وفيها نص آدابا منشورا باللغة الإسبانية على الصفحة 279
قد يسأل سائل لماذا هذا الاهتمام بهذه الرسالة ؟ فأجيب إنَّ مَن يعرف مَن هو بدرو مارتينث مونتابث يدرك لماذا فرحتُ بالعثور عليها ، ذلك أن أيَّ مثقف أو مبدع عربي له صلة بهذا المستعرب العلامة، يفخر بصلته هذه ، والرسالة المذكورة وثيقة مخطوطة عن صلتي بمن سُميَ مؤسس الاستعراب الاسباني المعاصر وشيخ المستعربين الأسبان.
وللاطلاع أنقل لكم ما قيل عن البروفيسور الكبير مونتابث، فهو أستاذ بجامعتي غرناطة واليكانتي وقد شغل العديد من المناصب الأكاديمية. ترأس جمعية الصداقة الاسبانية العربية والجمعية الاسبانية للدراسات العربية. مُنح العديد من الجوائز والأوسمة وحاز على جائزة التضامن مع العالم العربي من جمعية الصحفيين العرب في اسبانيا وحاصل على درجة الدكتوراه بالفلسفة والأدب اللغات السامية من جامعة كومبلوتنسي بمدريد، إضافة الى ثلاث درجات دكتوراه فخرية من جامعة جيان وجامعة اليكانتي وجامعة غرناطة. وخلال حياته المنغمسة بالثقافة والأدب، أجرى د. مونتابيث بحوثاً عدّة حول العالم العربي المعاصر بأوجهه الثقافية والسياسية والاجتماعية، كما تعمق في العلاقات العربية الإسبانية في العصور الوسطى والحديثة، وترجم من العربية إلى اللغة الإسبانية أعمال أهمّ الكتاب والروائيين والشعراء العرب المعاصرين .
وفي عام 2009 حصل مونتابث على جائزة عربية مرموقة هي جائزة الشيخ زايد للكتاب ومُنِحَ لقب شخصية العام الثقافية تكريماً لدوره الرائد في بناء جسور التواصل بين الثقافتين العربية والأسبانية وجمع المستعربين الأسبان والمستعربين في أمريكا اللاتينية بالمتخصصين العرب باللغة والثقافة الاسبانية.. وجرى تقديم الجائزة خلال حفل كبير في قصر الإمارات بمدينة أبوظبي حضره مئات المدعوين من الـكتاب والمثقفين والإعلاميين من جميع أنحاء العالم.
بعد هذا ، أقول لمن يسأل أليس مما يبعث الاعتزاز والفخر أن يكون لأحد الشعراء العراقيين مِن أبناء الموصل العريقة، مثل هذه الصلة الأدبية برجل علاَّمة مثل هذا المستشرق الكبير.
AZP09